من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
شواهد لن
وأنشد:
لن تزالوا كذلكم ثمّ لا زلت لهم خالدا خلود الجبال
هذا من قصيدة طويلة للأعشى يمدح بها الأسود بن المنذر بن امرئ القيس بن النعمان، أوّلها:
ما بكاء الكبير بالأطلالوسؤالي وما يردّ سؤالي
دمنة قفرة تعاورها الصّيف بريحين من صبا وشمال
لات هنّا ذكرى جبيرة أم منجاء منها بطائف الأهوال
ومنها في وصف ناقته:
وتراها تشكو إليّ وقدكانت طليحا تحذ صدور الفعال
الى أن قال:
لا تشكّي إليّ من ألم النّسع ولا من حفا ولا من كلال
لا تشكّي إليّ وانتجعي الأسود أهل النّدى وأهل الفعال
فرع جود يهتزّ في غصن المجد كثير النّدى عظيم الجمال
عنده البرّ والتّقى وأسى الشّقّ وحمل المضلّع الأثقال
وصلات الأرحام قد علم النّاس وفكّ الأسرى من الأغلال
وهوان النّفس الكريمة للذّكر إذا ما التقت صدور العوالي
ووفاء إذا أجرت فما عزّت حبال وصلتها بحبال
وعطاء إذا سئلت إذا العذرة كانت عطيّة البخّال
أريحيّ صلت يظلّ له القوم ركودا قيامهم للهلال
إن يعاقب يكن غراما وإن يعط جزيلا فإنّه لا يبالي
ومنها:
ربّ رفد هرقته ذلك اليوم وأسرى من معشر أقيال
وشيوخ حربى بشطّي أريكونساء كأنّهنّ السّعالي
وشريكهنّ في كثير من المال وكانا محالفي إقلال
قسما الطّارف المعاد من الملك فآبا كلاهما ذو مال
لن يزالوا كذلكم ثمّ لا زلت لهم خالدا خلود الجبال
كلّ عام تقود خيلا إلى خيل دفاقا غداة غبّ الصّقال
وهذا آخر القصيدة.
قوله: (ما بكاء الكبير) يريد نفسه، وهو استفهام تعجب. والباء بمعنى في.
والأطلال: جمع طلل، وهو ما شخص من أعلام الدار. وقوله: (وما يردّ سؤالي) يعني وأي شيء يجدي على سؤالي الطلل. والعرب تقول للرجل يحزن أو يتأسف:
أي شيء يردّ عليك أسفك. والدمنة: آثار الناس، وما سردوا، وهي مثل الأبعار والسرجين وما أشبهها. والقفرة: التي لا أنيس بها. ويروى (دمنة قفرة) بالرفع على ان (ما) في (وما يردّ سؤالي) نافية لا استفهامية، فهي فاعل يردّو بالنصب مفعول به لسؤالي. وبالجر بدل من الأطلال. وتعاورها الصيف: اختلفت عليها رياحه. ولات هنا: أي ليس
وقت ذكرها. وجبيرة: اسم امرأة. قالوا: وفي البيت استفهام مقدر: أي الجبيرة تذكر أم من جاء منها، يعني طيفها الطارق له في منامه، وطائف الأهوال: هو الخيال، كأنه رآها في النوم وهي غضبى فارتاع لذلك.
قوله: (وقد كانت طليحا) كانت هنا بمعنى صارت. والطليح: المعيبة. والنسع:
السير المضفور من الأدم. وأصل النجعة: طلب الكلأ. والحمال: بفتح المهملة، ما حمل من الأمور. والأسى: مصدر أسوت الجرح. والأريحيّ: الذي يرتاح للندى. والصلت: الواسع الجبين ليس بأغم والغرام الملازم، ومنه: (إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً). قوله: (رب رفد) أي قتلت أشرافا كانت لهم أموال فأخذت أموالهم فكفيت أرفادهم. والرفد: القدح الضخم.
وأنشد:
والله لن يصلوا إليك بجمعهمحتّى أوسّد في التّراب دفينا
هو من قصيدة لأبي طالب قالها في النبيّ ﷺ.
أخرج ابن اسحق والبيهقي في الدلائل، عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخس،
أن قريشا أتت أبا طالب فكلمته في النبيّ ﷺ، فبعث إليه فقال:
يا ابن أخي، إنّ قومك قد جاؤني فقالوا كذا وكذا، فأبق عليّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق أنا ولا أنت، فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك؟ فظن رسول الله ﷺ أن قد بدل العهد فيه، وأنه خاذله ومسلمه، فقال: يا عمّ، لو وضعت الشمس في يميني، والقمر في يساري، ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك في طلبه، ثم استعبر رسول الله فبكى. فلما ولى قال له حين رأى ما بلغ الأمر برسول الله: يا ابن أخي، امض على أمرك وافعل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشيء أبدا. وقال أبو طالب في ذلك:
والله لن يصلوا إليك بجمعهمحتّى أوسّد في التّراب دفينا
فامض لأمرك ما عليك غضاضةأبشر وقرّ بذاك منك عيونا
ودعوتني وزعمت أنّك ناصحولقد صدقت وكنت قبل أمينا
وعرضت دينا قد عرفت بأنّهمن خير أديان البريّة دينا
لولا الملامة أو حذار سبّةلوجدتني سمحا بذاك مبينا
وأنشد:
فلن يحل للعينين بعدك منظر
هو لكثيّر عزة، وصدره:
أيادي سبا يا عزّ ما كنت بعدكم
قال أبو حيان في النهر: أيادي سبا، اتخذه الناس مثلا مضروبا في التفريق والتمزيق.
وأنشد البيت:
لن يخب الآن من رجائك منحرّك من دون بابك الحلقه
قال البطليوسي في شرح الكامل: روى الحسن عن إسماعيل، عن سليمان بن موسى، عن جعفر بن محمد قال: بلغني أن أعرابيا دخل المدينة، فبينا هو يجول في أزقتها إذ مر بباب الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁، فلما عرف الدار أنشأ يقول:
لن يخب الآن من رجاك ومنحرّك من دون بابك الحلقه
أنت جواد وأنت معتبرأبوك مذ كان قاتل الفسقه
لولا الّذي كان من أوائلكمكانت علينا الجحيم منطبقه
فسمعه الحسين وهو يصلي، فأوجز في صلاته، ثم خرج، فإذا هو بأعرابي في أسمال فقال: رويدا يا أعرابي، ثم نادى: يا قنبر، ما معك من النفقة؟ قال: ألف درهم، قال: فائت بها فقد جاء من هو أحق بها منا، ثم أخذها من قنبر فصيرها في إحدى بردتين كانتا عليه، ثم دفعها للأعرابي من داخل الباب، وقال:
خذها فإنّي إليك معتذرواعلم بأنّي عليك ذو شفقه
لو كان في سيرنا الغداة عصاكانت سمانا عليك مندفقه
لكن رأيت الزّمان ذا غيروالكفّ منّا قليلة النّفقه
فأخذها الأعرابي وقال:
مطهّرون نقيّات جيوبهمتجري الصّلاة عليهم أينما ذكروا
فأنتم أنتم الأعلون إنّ لكمأمّ الكتاب وما جاءت به السّور
من لم يكن علويّا حين تنسبهفلن يكون له في النّاس مفتخر
قال البطليوسي: وجزم الأعرابي بلن، وذكر اللحياني أن ذلك لغة لبعض العرب يجزمون بالنواصب وينصبون بالجوازم. وسكن النحويون لام الحلقة وفتحها الأعرابي. قال ابن جني. يقال حلقة حديد، وحلقة من الناس، بسكون اللام، والجمع حلق، بفتح اللام. وحكى عن يونس حلقة وحلق بفتح اللام.
وقال أبو عمرو الشيباني: ليس في كلامهم حلقة بفتح اللام، إلا في جمع حالق، انتهى.
النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع