تجاوز إلى المحتوى

من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)

شواهد لولا

وأنشد:

فو الله لولا الله تخشى عواقبهلزعزع من هذا السّرير جوانبه

قال الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب الأشراف، حدثني أبي عن محمد ابن اسحق، عن سليمان بن جبير، مولى ابن عباس، وقد أدرك أصحاب رسول الله ﷺ، قال: ما زلت أسمع حديث عمر هذا انه خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة، وكان يفعل ذلك كثيرا، فمرّ بامرأة مغلقة عليها بابها، وهي تقول، فاستمع لها عمر:

تطاول هذا اللّيل تسري كواكبهوأرّقني أن لا ضجيع ألاعبه
فو الله لولا الله لا شيء غيرهلحرّك من هذا السّرير جوانبه
وبتّ ألاهي غير بدع ملعّنلطيف الحشا لا يحتويه مصاحبه
يلاعبني طورا وطورا كأنّمابدا قمرا في ظلمة اللّيل حاجبه
يسرّ من كان يلهو بقربهيعاتبني في حبّه وأعاتبه
ولكنّني أخشى رقيبا موكّلابأنفسنا لا يفتر الدّهر كاتبه

ثم تنفست الصعداء، وقالت: لهان على ابن الخطاب وحشتى، في بيتي، وغيبة زوجي عني، وقلة نفقتي؟ فقال عمر: يرحمك الله! فلما أصبح بعث إليها بنفقة

وكسوة وكتب إلى عامله يسرّح إليها زوجها.

وقال مالك بن أنس في الموطأ عن عبد الله بن دينار: ان عمر بن الخطاب خرج من الليل فسمع امرأة تقول:

تطاول هذا اللّيل واسودّ جانبهوأرّقني أن لا خليل ألاعبه
فو الله لولا الله إنّي أراقبهلزلزل من هذا السّرير جوانبه

فقال عمر بن الخطاب: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت حفصة: ستة أشهر أو أربعة. فقال عمر: لا أحبس أحدا من الجيش أكثر من أربعة أشهر.

وأنشد:

تعدّون عقر النّيب أفضل مجدكمبني ضوطرى لولا الكميّ المقنّعا
للشاعر الأشهب بن رميلة، اقرأ القصيدة

هذا من قصيدة طويلة لجرير يردّ بها على الفرزدق، أوّلها:

أقمنا وربّتنا الدّيار ولا أرىكمربعنا بين الحنيّين مربعا
للشاعر جرير، من قصيدة «أقمنا وربتنا الديار ولا أرى»
ألا حبّ بالوادي الّذي ربّما نرىبه من جميع الحيّ مرأى ومسمعا
للشاعر جرير، من قصيدة «أقمنا وربتنا الديار ولا أرى»

ومنها:

بني مالك إنّ الفرزدق لم يزلفلوّ المخازي مذ لدن أن تيفّعا
للشاعر جرير، من قصيدة «أقمنا وربتنا الديار ولا أرى»

ومنها:

تركت له القينين قيني مجاشعولا يأخذان النّصف شتّى ولا معا

ورأيت في تفسير ابن المنذر نسبة هذا البيت إلى الأشهب بن رميلة. عقر: من عقرت الناقة، إذا عقر قبتها لئلا تبرح لما يرام من نحوها. والنيب: بكسر النون وسكون التحتية وموحدة، جمع ناب، وهي الناقة التي نصف سنها. وقال الجوهري:

هي المسنة من النوق، وأصله فعل بضم الفاء وسكون العين، وإنما كسرت النون لتسلم الميم. قيل: سميت نابا

لطول نابها. والضوطرى: الحمقاء، وزنها فو على كالحوزلى. والكميّ: بفتح الكاف وكسر الميم وتشديد التحتية، الشجاع الذي لا يكتم. وقيل: الذي يكمي شجاعته، أي يخفيها. والمقنّع: بضم الميم وفتح القاف وتشديد النون وعين مهملة، الذي عليه مغفر أو بيضة. قال البطليوسي:

كان غالب أبو الفرزدق فاخر سحيم بن وثيل الرياحي في نحر الإبل والإطعام، حتى نحر مائة ناقة، فنحر سحيم ثلاثمائة ناقة، وقال للناس: شأنكم بها. فقال علي بن أبي طالب ﵁: مما أهلّ لغير الله فلا يأكل أحد منها شيأ. فأكلتها السباع والطير والكلاب. وكان الفرزدق يفتخر بذلك في شعره، فقال جرير: ليس الفخر في عقر النوق والجمال، إنما الفخر بقتل الشجعان والأبطال.

وأنشد:

عاف تغيّر إلّا النّؤي والوتد

هو للأخطل وصدره:

وبالصّريمة منهم منزل خلق

الصريمة: بفتح المهملة وكسر الراء، اسم موضع، وهي في الاصل كل رملة انصرمت من معظم الرمل. وخلق: بفتحتين، بال، يستوي فيه المذكر والمؤنث.

وعاف: دارس. والنؤيّ بضم النون وسكون الهمزة ثم ياء تحتية: حفرة تكون حول الخباء لئلا يدخل ماء المطر، ويجمع على نؤيّ: بضم النون وكسر الهمزة وتشديد الياء، وعلى نئيّ: بكسر النون. وقوله: (منهم) حال من منزل.

وقيل: من تغير. وخلق وعاف صفتان لمنزل. وكذا تغير صفة له أخرى. وإلا النؤى: استثناء من الضمير في تغير، على طريق الإبدال، وان كان غير موجب، إلا انه في معنى لم يبق على حالة فأجرى مجرى النفي. وقد استشهد المصنف على ذلك.

وأنشد:

ألا زعمت أسماء أن لا أحبّهافقلت: بلى، لولا ينازعني شغلي
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «ألا زعمت أسماء أن لا أحبها»

هذا مطلع قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي، وبعده:

جزيتك ضعف الودّ لمّا اشتكيتهوما إن جزاك الضّعف من أحد قبلي
فإن تزعميني كنت أجهل فيكمفإنّي شريت الحلم بعدك بالجهل
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «ألا زعمت أسماء أن لا أحبها»
فقال صحابي: قد غبنت وخلتنيغبنت، فلا أدري أشكلهم شكلي؟
على أنّها قالت: رأيت خويلداتنكّر حتّى عاد أسود كالجذل
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «ألا زعمت أسماء أن لا أحبها»
فتلك خطوب قد تملّت شبابناقديما فتبلينا المنون وما نبلي
وتبلي الأولى يستلئمون على الأولىتراهنّ يوم الرّوع كالحداء القبل
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «ألا زعمت أسماء أن لا أحبها»

قال المصنف في شواهده: ينازعني مبتدأ بتقدير أن، ولولا، كلمتان، يعني لو لم. وجواب لولا، أو لو لم، محذوف. وقوله: تزعميني ... البيت. أورده المصنف في الكتاب الثاني شاهدا على أن الجملة وقعت مفعولا ثانيا لظنّ. وتزعميني:

تظنيني كنت أجهل في اتباعي لك. وشريت هنا: بمعنى اشتريت. وإنما قالوا له مغبون: في بيعه الجهل بالحلم. لأنهم كانوا معه على الجهل، فقال هو: بل إن الغابن ولا أدري أهم على ما أنا عليه أم لا. والمعنى: أطريقهم طريقي أم غيرها، فحذف أم ومعطوفها كقوله:

فما أدري أرشد طلابها

وخويلد: اسم أبي ذؤيب. وتنكر: تغير. والجدل بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة أصل الشجرة. وقيل: العود اليابس. وخطوب: جمع خطب، وهو الأمر العظيم. وتملت: استمتعت، يقال: تمليت عمري أي استمتعت به. والمنون:

الدهر، لأنه يمن قوى الانسان، أي ينقصها. ويكون بمعنى الموت، لأنه يقطع الحياة، من قوله تعالى: (لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) يقول: إن حوادث الدهر أكلت شبابنا قديما، وتمتعت به، وانما تبلينا وما نبليها نحن، وأنها تبلي القوم الذين

يستلئمون، أي يلبسون لأمة الحرب ويركبون على الخيل التي تراها في يوم الفزع، لخفتها في السير وشدة عدوها، كأنها حداء، وهي الطير المعروف، والمفرد حدأة، كعنب وعنبة. والقبل: بضم القاف وسكون الموحدة، التي في عينها قبل، بفتحتين، أي حول، وهو اقبال سواد كل من العينين على الآخر، وذلك لتقلب أعينهنّ من شدة طيرانهنّ وفزعهنّ. وقد استشهد النحاة بالبيت الأخير على استعمال الاولى لجمع المذكر والمؤنث بدليل ما عاد على كل منهما من ضميره. وأورد المصنف قوله:

فإن تزعميني ... البيت، في الكتاب الثاني على أن زعم تنصب مفعولين، واستشهد به ابن مالك وغيره.

شرح شواهد المغني م -

النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح شواهد المغني»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.