من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
شواهد «ل»
وأنشد:
ويوم عقرت للعذارى مطيّتي
هو من معلقة امرئ القيس بن حجر المشهورة، وتمامه:
فيا عجبا من رحلها المتحمّل
فظلّ العذارى يرتمين بلحمهاوشحّم كهدّاب الدّمقس المفتّل
قوله: (ويوم) في موضع جرّ عطفا على يوم في قوله:
ولا سيّما يوم بدارة جلجل
وهو مبني على الفتح لاضافته الى الماضي. وعقرت: نحرت. والعذارى:
الأبكار، جمع عذراء، وهو أحد الألفاظ التي جاءت ممدودة في مفرد، مقصورة فى الجمع، وهي قليلة معدودة، ذكرتها في الأشباه والنظائر النحوية. والمطية: الناقة.
والرحل: معروف. والمتحمل: المحمول على غيرها. ويرتمين: يرمي بعضهنّ الى بعض. والهدّاب: الخيوط. والدمقس: الحرير الأبيض. والمفتل: الشديد الفتل.
وأنشد:
عوض لا نتفرّق
تقدم شرحه في شواهد الباء ضمن قصيدة الأعشى.
وأنشد:
وأنت الّذي في رحمة الله أطمع
قيل إنه لمجنون بني عامر، وصدره:
فيا ربّ ليلى أنت في كلّ موطن
وقوله: (في رحمة الله) من إقامة الظاهر مقام المضمر. أي في رحمتك.
وأنشد:
إذا قال: قدني، قلت: آليت حلفةلتغني عنّي ذا إنانك أجمعا
قال ثعلب في أماليه: أنشد ابن عنّاب الطائي:
عوى ثمّ نادى هل أحستم قلائصاوسمن على الأفخاذ بالأمس أربعا
غلام قليعيّ يحفّ سبالهولحيته طارت شعاعا مفزّعا
غلام أضلّته النّبوح فلم يجدبما بين خبت فالهباءة أجمعا
أناسا سوانا فاستمانا فلا ترىأخا دلج أهدى بليل وأسمعا
فقلت أجرّا ناقة الضّيف إنّنيجدير بأن تلقى لنائي مترعا
فما برحت سجواء حتّى كأنّماتغادر بالزّيزاء برسا مقطّعا
كلا قادميها يفضل الكفّ نصفهكجلد الحباري ريشه قد تزلّعا
دفعت إليه رسل كوماء جلدةوأغضيت عنها الطّرف حتّى تضلّعا
إذا قال قدني قلت آليت حلفةلتغني عنّي ذا إنائك أجمعا
قال ثعلب: احستم يريد احسستم. واستمانا: تصيّدنا. والمستمي المتصيّد. وسجواء: ساكنة عند الحلب. وتغادر: تترك. والزّيزاء: الموضع الصّلب من الأرض. والبرس: القطن، شبه ما سقط من اللبّن به. والرسل:
اللبن. وتضلع: امتلأ ما بين أضلاعه. وقدني: حسبي. وآليت: أي حلفت أن تشرب جميع ما في إنائك. ويروى: لتغنن. وهذا إنما يكون للمرأة، إلا أنه
في لغة طئ. ولغة غيرهم: لتغنينّ، انتهى كلام ثعلب.
وقال العيني: هو لحريث بن عنّاب، بتشديد النون، الطائي. والكوماء:
الناقة العظيمة السنام. وجلدة: بفتح الجيم وسكون اللام الواحدة، الجلاد، وهي أدسم الابل لبنا. وحلفة: مفعول مطلق لآليت، وكذا على رواية بالله، لأن تقديره: أحلف بالله. وقوله: (لتغني) بكسر اللام، للتعليل. واستشهد به الأخفش على اجابة القسم بلام كي. وقال غيره: الجواب محذوف، أي لتشربن لتغني عني. ويروى: لتغنين، بلام مفتوحة ونون مكسورة، هي عين الفعل بعدها نون مفتوحة شددت للتأكد. واستشهد به على أن الياء هي لام الفعل المؤكد بالنون، قد تحذف وتبقى الكسرة دليلا عليها، وهي لغة فزارة، يقولون: ارمن يا زيد وابكن. ولغة الأكثرين: ارمين ولتغنين، بإثبات الياء المفتوحة، وفسر قوله: لتغنى أي لتبعد. وقال بعضهم: هو من قولهم: أغن عني وجهك، أي اجعله بحيث يكون غنيا عني، أي لا يحتاج إلى رؤيتي. وقوله: (إنائك) أضاف الاناء الى الضيف وإن كان هو للمضيف، لأن الضيف ملابس له بسبب شربه منه، وعلى هذا أورده الزمخشري وابن مالك مستشهدين به. وأجمعا: تأكيد لذا المفعول وفيه شاهد على جواز التأكيد به بدون كل. وأورد ابن مالك البيت شاهدا على إلحاق نون الوقاية لقد، بمعنى حسب. ففي البيت عدة شواهد.
وأنشد:
وابكنّ عيشا تقضّى بعد جدّتهطابت أصائله في ذلك البلد
وأنشد:
يا عاذلاتي لا تزدن ملامتيإنّ العواذل ليس لي بأمير
وأنشد:
فما جمع ليغلب جمع قوميمقاومة ولا فرد لفرد
وأنشد:
فخرّ صريعا لليدين وللفم
هذا المصراع وقع في عدة قصائد لعدة شعراء: فمنها قصيدة لجابر بن جني ابن حارثة بن عمرو بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب التّغلبي، أوّلها:
ألا يا لقومي للجديد المصرّموللحلم، بعد الزّلّة، المتوهّم
وللمرء يعتاد الصّبابة بعدماأتى دونها ما فرط حول مجرّم
فيا دار سلمى بالصّريمة فاللّوىإلى مدفع القيقاء فالمتثلّم
فيوم الكلاب قد أزالت رماحناشرحبيل إذ آلى أليّة مقسم
لينتزعن أرماحنا، فأزالهأبو حنش عن ظهر شنقاء صلدم
تناوله بالرّمح ثمّ اتّنى لهفخرّ صريعا لليدين وللفم
قال الكلبي: كان المنذر بن ماء السماء يبعث عمرو بن مرثد بن سعيد بن مالك، وقيس بن زهير الجثمي، على أتاوة ربيعة، وكانت ربيعة تحسدهما، فجاء عمرو
يوما، فقال جلساء الملك حسدا له: إنه يمشي كأنه لا يرى أحدا أفضل منه! فجاء فحيا الملك بتحية، فقال جابر بن جني في ذلك هذه القصيدة.
وقال ابن الأنباري في شرح المفضليات: الجديد هنا الشباب. والمصرم:
الذاهب، يتعجب من تصرمه ومن حلمه المتوهم بعد الذلة، لأن الحلم إنما يكون قبلها، وأما بعدها فليس بحلم. و (ما) في قوله: (ما فرط) زائدة، ومجرم: تام كامل. والصريمة وما بعده مواضع. والقيقاء: جمع قيقاة بقافين، وهو ما غلظ من الأرض في ارتفاع. والى في قوله: (الى مدفع) بمعنى الفاء كما قال المصنف. ويوم الكلاب، بضم الكاف، يوم مشهور من أيام العرب قتل فيه الخلائق. والكلاب الذي كانت الوقعة عنده ما بين الكوفة والبصرة، وقال العسكري في كتاب التصحيف:
الكلاب ماء، وقيل موضع بالدهناء بين اليمامة والبصرة، كان به وقعتان للعرب احداهما بين ملوك كندة الآخرة، والأخرى بين بني الحارث وبين بني تميم، فقيل الكلاب الأول والكلاب الثاني. فأما الكلاب الأول فكان في الجاهلية، واليوم لبني تغلب، ورئيسهم يومئذ سلمة بن حارث الكندي ومعه ناس من بني تميم، منهم عرفجة بن أسعد، وقطع أنفه يومئذ، فلقى سلمة أخاه شرحبيل ومعه بكر بن وائل فقتل شرحبيل وهزم أصحابه. وفي هذا يقول امرؤ القيس:
كما لاقى أبي حجر وجدّيولا أنسى قتيلا بالكلاب
وأما الكلاب الثاني: فكان لبني سعد والرباب، من الرباب لتيم، ومن بني سعد لمقاعس، وكان رئيسهم في هذا اليوم قيس بن عاصم.
وقال من اللطائف: إن حيان بن بشر المحدث أملى يوما وهو قاض بأصبهان حديث، أن عرفجة بن سعد أصيب أنفه يوم الكلاب، فكسر الكاف، فقال له مستمليه: أيها القاضي، إنما هو بالضم. فغضب وأمر بحبسه، فدخل إليه الناس وقالوا: ما هذا؟ قال: قطع أنف عرفجة في الجاهلية وامتحنت أنابه في الاسلام انتهى. وشرحبيل المذكور هو الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار، كان رأس
أحد الطائفتين، ورأس الأخرى سلمة اخوه، وقع بينهما لما مات أبوهما ومشت بينهما الرجال حتى جمع كل واحد منهم لصاحبه الجموع، واقتتلوا قتالا شديدا حتى غشيهم الليل، فنادى منادي شرحبيل: من أتاني برأس سلمة، فله مائة من الابل.
ونادى منادي سلمة مثل ذلك. وفي القوم أبو حنش، وهو عصيم بن النعمان بن مالك الجشمي، فعرف مكان شرحبيل، فقصده فطعنه بالرمح، ثم نزل إليه فاحتز رأسه فأتى به سلمة فألقاه بين يديه فقال: لو كنت ألقيته القاء رقيقا، فقال: ما صنع به وهو حي شرّا من هذا، وعرف الندامة في وجهه والجزع على أخيه، فهرب أبو حنش وتنحى عنه. والشنقاء: الطويلة من الخيل. والصلدم، بكسر المهملتين، الصلبة. وتناوله بالرمح: طعنه. وأتنى: أصله انثنى، فادغم النون في الثاء، ثم أبدلها تاء.
ومنها قصيدة للعكبر بن حديد بن مالك بن حذيفة بن بكر بن قيس بن منقذ بن طريف، وكان مع علي ﵁ في أبيات، أولها:
ألا ليت شعري هل أشنّنّ غارةعلى ابن كدام أو سويد بن أصرم
فيعترفا اليحموم ويعدو بفارسأخي ثقة يغثى التّألّف معلم
وأشعث قوّام بآيات ربّهقليل الأذى فيما ترى العين مسلم
ضممت إليه بالسّنان قميصهفخرّ صريعا لليدين وللفم
على غير شيء غير أن ليس تابعاعليّا ومن لا يتبع الحقّ يندم
يذكّرني حاميم والرّمح دونهفهلّا تلا حاميم قبل التّقدّم
ويروى:
شككت له بالرّمح حيث قميصهفخرّ صريعا لليدين وللفم
وأخرج الزبير بن بكار، وابن عساكر عن الضحاك بن عثمان الخزاميّ، قال:
كان هوى محمد بن طلحة بن عبيد الله مع علي بن أبي طالب، فنهى علي عن قتله.
وقال محمد لعائشة: ما تأمريني؟ قالت: أرى أن تكون كخير ابني آدم، ان تكف يدك، فكف يده. فقتله رجل من بني أسد بن خزيمة، يقال له كعب بن مدلج، من بني منقذ بن طريف. ويقال: قتله شدّاد بن معاوية العبسي، ويقال: بل قتله عصام ابن مقشعر البصري، وهو الذي يقول في قتله:
وأشعث قوّام بآيات ربّهالأبيات
وقيل: إن القاتل والقائل الأبيات شريح بن أوفى. وقيل: عبد الله بن مكعب حليف لبني أسد، وقيل ابن مكبس الأزدي، وقيل الأشتر.
وقال الشيخ سعد الدين في حاشية الكشاف قوله: (على غير شيء) متعلق بشككت، أي خرقت، يعني بلا سبب من الأسباب، (وغير أن) استثناء من شيء لعمومه بالنفي أو بدل، والفتح للبناء، قوله: (يذكرني حاميم) يعني حمعسق، لما فيها من قوله تعالى: (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) ويروى:
(الرمح شاجر) أي طاعن، من شجرته بالرمح طعنته، وقيل معناه: مختلف، فعلى الأول معناه: لو ذكرني حاميم قبل ان أطعنه بالرمح لسلم. وعلى الثاني قبل قيام الحرب وتردّد الرماح.
وأنشد
فلمّا تفرّقنا كأنّي ومالكالطول اجتماع لم نبت ليلة معا
هو من قصيدة لمتمم بن نويرة اليربوعي، يرثي بها أخاه مالكا، وكان قتل في الردّة، قتله خالد بن الوليد بالبطاح في خلافة الصديق، وأوّل القصيدة:
لعمري وما عمري بتأبين هالكولا جزعا ممّا أصاب فأوجعا
لقد كفّن المنهال تحت ثيابهفتى غير مبطان العشيّات أروعا
إلى أن قال:
وكنّا كندماني جذيمة حقبةمن الدّهر حتّى قيل لن يتصدّعا
وعشنا بخير في الحياة وقبلناأصاب المنايا رهط كسرى وتبّعا
فلمّا تفرّقنا كأنّي ومالكالطول اجتماع لم نبت ليلة معا
ولست إذا ما أحدث الدّهر نكبةورزءا بزوّار القرائب أخضعا
ولا فرحا إن كنت يوما بغبطةولا جزعا إن ناب دهرا فأضلعا
ولكنّني أمضي على ذاك مقدماإذا بعض من يلقى الخطوب فكعكعا
ومنها:
قعيدك أن لا تسمعيني ملامةولا تنكئي قرح الفؤاد فيسمعا
وقصرك إنّي قد جهدت فلم أجدبكفّي عنهم للمنيّة مدفعا
فلو أنّ ما ألقى يصيب متالعاأو الرّكن من سلمى إذا لتضعضعا
وما وجد آظآر ثلاث روائمرأين مجرّا من حوار ومصرعا
يذكّرن ذا البثّ الحزين ببثّهإذا حنّت الأولى سجعن لها معا
إذا شارف منهنّ قامت فرجّعتحنينا فأبكى شجوها البرك أجمعا
بأوجد منّي يوم فارقت مالكاوقام به النّاعي الرّفيع فأسمعا
إلى أن قال:
لعلّك يوما أن تلمّ ملمّةعليك من اللّائي يدعنك أجدعا
قوله: (غير مبطان العشيّات). قال في الكامل: يقول: كان لا يأكل في آخر نهاره انتظارا للضيف، ويروى أن عمر بن الخطاب سأله: أكذبت في شيء مما قلته لأخيك؟ فإنك ذكرت خصالا قلّ ما تكون في الرجال، فقال:
يا أمير المؤمنين، ما كذبت في حرف واحد، إلا إني أعلم أنّ خصلة واحدة قد قلتها، قال: وما هي؟ قال: قلت: غير مبطان العشيات. وقد علمت أنه كان له بطن، فقال عمر: إن هذه لخصلة يسيرة فيما يقول الشعراء. ذكره أبو عبيدة في مقاتل الفرسان.
والأروع: ذو الروعة والهيبة. وجذيمة: هو الأبرش، كان ملكا، وهو أوّل من أوقد بالشّمع نصب المجانيق للحرب. وندماه مالك وعقيل يضرب بهما المثل لطول ما نادماه حتى قال أبو خراش:
ألم تعلمي أن قد تفرّق قبلناخليلا صفاء: مالك وعقيل
قوله: (وما وجد اظآر)، استشهد به الفارسي على أن الظئر مؤنث، لقوله: ثلاث. وعلى ان الظئر يكون من الابل لأنه وصف في البيت نوقا فقدت أولادها في حال صغر فأقبلن على الحنين. وقال المبرد في الكامل: اظآر: جمع
ظئر، وهي النّوق تعطف على الحوار فتألفه. وروائم: جمع رؤوم، ومعنى ترأمه: (تشمّه). والحوار: ولد الصغير، ويقال له: حيث يسقط من أمّه (سلل) قبل أن يقع عليه الأسماء، فإن كان ذكرا فهو (سقب)، وإن كان أنثى فهو (حائل) وهو في ذلك كله (حوار سفة). وقوله:
إذا حنّت الأولى سجعن لها معا
أورده المصنف في مع مستشهدا به على أن مع تستعمل للجماعة. وسجعن:
تقابلت أصواتهن على طريقة واحدة وتناسب. وقوله: (لعلك يوماالبيت)
أورده المصنف في لعل شاهدا على اقتران خبرها بأن.
النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع