من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
فائدة: [عبد الله ابن الزّبعرى]
عبد الله ابن الزّبعرى بن قيس بن عديّ بن ربيعة بن سهم أحد شعراء قريش المعدودين، قال هذه القصيدة قبل أن يسلم، ثم أسلم بعد ذلك فقال:
يا رسول المليك، إنّ لسانيراتق ما فتقت إذ أنا بور
إذ أجاري الشّيطان في الغيّومن مال ميله مثبور
أمن اللّحم والعظام بما قلت فنفسي الفدا وأنت النّذير
وأنشد:
كلا أخي وخليلي واجدي عضدافي النّائبات وإلمام الملمّات
لم يسم قائله، وعضدا: أي معينا، ونائبات الدهر: مصائبه، جمع نائبة.
والالمام: الاتيان والنزول. وألم به: نزل به، والملمات جمع ملمة، وهي النازلة من نوازل الدهر. والبيت استشهد به على إضافة كلا الى اثنين مفرقين شذوذا.
وأنشد:
كلاهما حين جدّ الجري بينهماقد أقلعا، وكلا أنفيهما رابي
هو للفرزدق، وقبله:
ما بال لومكها وجئت تعتلهاحتّى اقتحمت بها أسكفّة الباب
يقال: عتله: إذا جذبه جذبا عنيفا، قاله ابن دريد. وقال صاحب العين:
إذا أخذ بتلبيبه فجرّه وذهب به. واقتحم المنزل: إذا هجمه. والأسكفة: بضم الهمزة وتشديد الفاء، العتبة السفلى، ووزنها أفعلة. وفي قوله: (كلاهما) التفات، والأصل كلاكما، و (حين) ظرف للخبر، وهو (قد أقلعا) لا خبرا، لأن الزمان
لا يخبر به عن الجثة، واسناد جد إلى الجري مجاز. والأصل جد في الجري. والاقلاع عن الشيء: الكف عنه. والواو في وكلا واو الحال، والتثنية في أنفيهما واجبة، وان كان الأرجح جدعت آنافهما، مثل: (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما) لأن كلا لا تضاف إلا لمفهم اثنين. ورابي: اسم فاعل من ربا يربو، وربو الأنف ارتفاعه عند التعب من جرى ونحوه. ويقال: ربا الفرس، إذا انتفخ من عدو أو فزع. وقد اجتمع في البيت مراعاة معنى كلا ولفظها حيث عاد في أقلعا بضمير التثنيه، وفي راب بالافراد، وفيه شاهد ثان حيث قال: (أنفيهما) ولم يقل: (آنافهما) كما هو الأفصح مثل: (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما).
وأنشد: قول الأسود بن يعفر:
إنّ المنيّة والحتوف كلاهمايوفي المنيّة يرقبان سوادي
هذا من قصيدة للأسود بن يعفر، بفتح الياء، وقيل بضمها، ابن عبد القيس ابن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم النهشلي، شاعر متقدم فصيح من شعراء الجاهلية ذكره ابن عبد السلام في الطبقة الثانية وليس بمكثر، أوّلها:
نام الخليّ وما أحسّ رقاديوالهمّ محتضر لديّ وسادي
من غير ما سقم ولكن شفّنيهمّ أراه قد أصاب فؤادي
وقبل هذا البيت:
ولقد علمت سوى الّذي نبّأتنيأنّ السّبيل سبيل ذي الأعواد
وبعده:
لن يرضيا منّي وفاء رهينةمن دون نفسي، طارفي وتلادي
ماذا أؤمّل بعد آل محرّقتركوا منازلهم وبعد إياد
جرت الرّياح على محلّ ديارهمفكأنّما كانوا على ميعاد
ومنها:
أين الّذين بنوا فطال بناؤهموتمتّعوا بالأهل والأولاد
فإذا النّعيم وكلّ ما يلهى بهيوما يصير إلى بلى ونفاد
وآخرها:
فإذا وذلك لا نفاد لذكرهوالدّهر يعقب صالحا بفساد
قال التبريزي: الخلي: الخالي من الهموم. وما أحس، أي ما أجد. وذو الاعواد:
جد أكثم بن صيفي كان من أعز أهل زمانه، فاتخذت له قبة على سرير فلم يكن يأتيها خائف إلا من، ولا ذليل إلا أعز، ولا جائع إلا أشبع. يقول: لو أغفل الموت أحدا لأغفل ذا الأعواد، وإني لميت مثله. ويقال: إنه أراد بذي الأعواد الميت لأنه حمل على السرير. قوله: (يوفي المخارم) المخرم، منقطع أنف الجبل، يريد أن المنية والحتوف ترقبه وتستشرفه، وعنى بسواده شخصه. قوله: (ان يرضيا مني) يريد
أن المنية والحتوف لا يقبلان منه فدية، وإنما يطلبان نفسه، ثم فسر الرهينة ما هي فقال: طارفي وتلادي.
وأنشد:
كلانا غنيّ عن أخيه حياتهونحن إذا متنا أشدّ تغانيا
هو لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب الطالبي من شعراء الدولتين يخاطب ابن الحسين بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، وكانا صديقين ثم تهاجرا، من قصيدة أوّلها:
أرى حبّنا قد كان شيئا ملفّقافمحّضه التّكشيف حتّى بداليا
ولست براء عيب ذي الودّ كلّهولا بعض ما فيه إذا كنت راضيا
فعين الرّضا عن كلّ عيب كليلةولكنّ عين السّخط تبدي المساويا
أأنت أخي ما لم تكن لي حاجةفإن عرضت أيقنت أن لا أخاليا
فلا زاد ما بيني وبينك بعد مابلوتك في الحالين إلّا تماديا
هكذا في الحماسة البصرية، ورأيت في نوادر ابن الأعرابي: قال الأبيرد الرياحيّ لحارثة بن بدر:
كلانا غنيّ عن أخيه حياتهونحن إذا متنا أشدّ تغانيا
أحارث فالزم فضل برديك إنّماأجاع وأعرى الله من كنت كاسيا
وكذا في الأغاني أورده له من قصيدة يهجو بها حارثة بن بدر. والأبيرد بن معد بن عمرو بن قيس شاعر بدوي من شعراء الاسلام، في أوّل دولة بني أمية، وليس بمكثر ولا ممن ورد الى الخلفاء فمدحهم. وقال القالي في أماليه: قرأنا على أبي الحسن على بن سليمان الأخفش، وذكر أنه سمع ذلك من أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، وقرأها عليه، وذكر أبو جعفر أنه سمع ذلك مع أبيه من أبي محلم، قال: أنشدني مكورة وأبو محضة وجماعة من بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة لسيّار بن هبيرة بن نبطي بن المجر، أحد بني ربيعة بن الجوع بن مالك بن زيد مناة يعاتب خالدا أو زيادا أخويه ويمدح أخاه منجلا:
تناس هوى أسماء إمّا نأيتهاوكيف تناسيك الّذي أنت ناسيا
فذكر قصيدة طويلة عدّتها اثنان وثلاثون بيتا، ومنها هذا البيت المستشهد به، وقبله:
وإنّي لعفّ الفقر مشترك الغنىسريع إذا لم أرض داري احتماليا
النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع