من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
فائدة: [بندار الأصبهاني]
ذكر الزبيّدي في طبقات النحاة: ان بندار الأصبهاني كان يحفظ تسعمائة قصيدة أوّل كل منها (بانت سعاد) على قلة ما اطلعت عليه من ذلك. قال زهير والد كعب:
بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعاوليت وصلا لنا من حبلها رجعا
وقال ربيعة بن مقروم الضبيّ:
بانت سعاد فأمسى القلب معموداوأخلفتك ابنة الحرّ المواعيدا
وقال قعنب بن ضمرة:
بانت سعاد وأمسى دونها عدنوعلّقت عندها من قلبك الرّهن
وقال النابغة الذبياني:
بانت سعاد وأمسى حبلها انجذماواحتلّت الشّرع فالأجزاع من أضما
وقال الأعشى ميمون:
بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعاواحتلّت الظّهر فالجدّين فالفرعا
وقال أيضا:
بانت سعاد وأمسى حبلها رأباوأحدث النّأي أشواقا وأوصابا
وقال الأخطل:
بأنت سعاد ففي العينين مملولمن حبّها وصحيح الجسم محبول
وقال أيضا:
بانت سعاد ففي العينين تسهيدواستحقبت لبّه فالقلب معمود
وقال عدي بن الرقاع:
بانت سعاد وأخلفت ميعادهاوتباعدت منّا لتمنع زادها
وقال القيس بن الحدادية:
بانت سعاد فأمسى القلب مشتاقاوأقلقتها نوى الأزماع إقلاقا
وأنشد:
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطلوكلّ نعيم لا محالة زائل
تقدم شرحه في شواهد أم.
وأنشد:
إذا المرء لم يدنس من اللّؤم عرضهفكلّ رداء يرتديه جميل
هو مطلع قصيدة للسموأل بن عادياء الأزديّ، وقيل لابنه شريح حكاه في الأغاني، وقيل لدكين حكاه في الأغاني أيضا. وقيل لعبد الملك بن عبد الرحيم الحارثيّ، وقيل للجلاح الحارثيّ، وبعده:
وإن هو لم يحمل على النّفس ضيمهافليس إلى حسن الثّناء سبيل
وقائلة ما بال أسرة غادياتنازى وفيها قلّة وخمول
تعيّرنا أنّا قليل عدادنافقلت لها: إنّ الكرام قليل
وما قلّ من كانت بقاياه مثلناشباب تسامى للعلا وكهول
وما ضرّنا أنّا قليل وجارناعزيز وجار الأكثرين ذليل
لنا جبل يحتلّه من نجيرهمنيع يردّ الطّرف وهو كليل
رسا أصله تحت الثّرى وسما بهإلى النّجم فرع لا ينال طويل
هو الأبلق الفرد الّذي سار ذكرهيعزّ على من رامه ويطول
وإنّا لقوم ما نرى القتل سبّةإذا ما رأته عامر وسلول
يقرّب حبّ الموت آجالنا لناوتكرهه آجالهم فتطول
وما مات منّا سيّد حتف أنفهولا طلّ منّا حيث كان قتيل
تسيل على حدّ الظبّات نفوسناوليست على غير الظبّات تسيل
صفونا فلم نكدر وأخلص سرّناإناث أطابت حملنا وفحول
علونا إلى خير الظّهور وحطّنالوقت إلى خير البطون نزول
فنحن كماء المزن ما في نصابناكهام ولا فينا يعدّ بخيل
وننكر إن شئنا على النّاس قولهمولا ينكرون القول حين نقول
إذا سيّد منّا خلا قام سيّدقؤول لما قال الكرام فعول
وما أخمدت نار لنا دون طارقولا ذمّنا في النّازلين نزيل
وأبّا منا مشهورة في عدوّنالها غرر معلومة وحجول
وأسيافنا في كلّ شرق ومغرببها من قراع الدّارعين فلول
معوّدة أن لا تسلّ نصالهافتغمد حتّى يستباح قبيل
سلي، إن جهلت، النّاس عنّا وعنهمفليس سواء عالم وجهول
فإنّ بني الدّيّان قطب لقومهمتدور رحاهم حولهم وتجول
قوله: (اذا المرء ... البيت)، يقول: إذا المرء لم يتدنس باكتساب اللؤم واعتياده فأي ملبس يلبسه بعد ذلك كان جميلا. واللؤم: اسم لخصال تجتمع، وهي: البخل، واختيار ما تنفيه المروءة، والصبر على الدنيئة، وأصله من الالتئام، وهو الاجتماع، وكذلك الكرم اسم لخصال تضاد خصال اللؤم. قوله:
وإن هو لم يحمل على النّفس ضيمها
أي يصبرها على مكارهها، وأصل الضيم العدول عن الحق، يقال: ضامه (ضيما، وهو مضيم)، إذا عدل به عن طريق النصفة (واهتضمه، ومنه قيل:
قصد في ضيم الجبل: أي في ناحية تعدل اليه، وكما استعمل الضيم من ضامه كذلك استعمل الهضم واحد أهضام الوادي من هضم) وليس المراد بقوله:
ضيمها ضيم الغير لها، لأن احتمال ضيم الغير ليس مما يتمدح به. وقوله: (تعيرنا أنّا) يقال عيّرته كذا، وهو المختار، وعيرته بكذا. وقوله: (إنّ الكرام قليل) يشتمل على معان كثيرة، وهي ولوع الدهر بهم، واعتيام الموت إياهم، واستقتالهم في الدفاع عن أحسابهم (وإهانتهم كرائم نفوسهم مخافة لزوم العار لهم، ومحافظتهم على عمارة ما ابتناه أسلافهم)، وكل ذلك يقلل العدد، وقليل وكثير يوصف بهما الواحد والجمع. وشباب: مصدر وصف به الجمع، وليس جمعا لشاب، لأن فاعلا لا يجمع على فعال. وتسامى: أصله تتسامى، من السموّ، وهو العلو. والكهل:
الذي قد وخطه الشيب، ومنه (اكتهل النبات) إذا شمله النّور. قوله:
(وما ضرّنا) يحتمل النفي والاستفهام، أي أيّ شيء ضرنا. والواو في (وجارنا) للحال، وكذا وجار الأكثرين. قال التبريزي: وإنما صلح الجمع بين حالين لأنهما لذاتين مختلفتين، ولو كانا لذات واحدة لم يصلح. قوله: (لنا جبل) يريد به العز والسمو: أي من دخل في جوارنا امتنع على طلابه. ويحتله: ينزله، من احتلّ إذا نزل. ومنيع:
فعيل، بمعنى: مفعول، أي ممنوع. والطرف: النظر. والكليل:
فعيل، من الكلال، وهو الاعياء، أي أن الجبل شامخ لطوله يرجع طرف الناظر اليه
كليلا. قوله: (وإنّا لقوم ما نرى) على حد قوله:
أنا الّذي سمّتني أمّي حيدره
ولو جرى على لفظ قوم لقال: ما يرون. والسّبّة: ما يسبب به، كالخدعة، ما يخدع به. وأصل السب: القطع، ثم استعمل في الشتم. وعامر بن صعصعة وسلول بنو مرّة بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوزان. قوله: (يقرب حب الموت) من إضافة المصدر إلى المفعول، وهو قريب من قول الآخر:
رأيت الكريم الحرّ ليس له عمر
ويجوز ان يكون من إضافته للفاعل، كقوله:
أرى الموت يعتام الكرام
ويؤيد الأول قوله: (وتكرهه آجالهم). قوله: (حتف أنفه). قال التبريزي:
أوّل من تكلم به النبي ﷺ، وكذا قاله غيره. ووقوعها في هذه القصيدة يدل على أن شاعرها إسلامي. قال التبريزي: وتحقيقه كان حتفه بأنفه، أي بالأنفاس التي خرجت من أنفه عند نزوع الروح، لا دفعة واحدة، وخصّ الأنف بذلك لأنه من جهته ينقضي الزمان. ونصبه على الحال، ولم يستعمل منه حتف ولا محتوف. والظبات: السيوف. والنفوس هنا: يحتمل الأرواح والدماء. وغير الظبات، من إقامة الظاهر مقام المضمر. وفي البيت رد العجز على الصدر. قوله:
(صفونا فلم نكدر) أي صفة أنسابنا فلم يشبها كدرة. والسرّ هنا الأصل الجيد.
قوله: (فنحن كماء المزن) شبه صفاء أنسابهم لصفاء المطر، ويجوز أن يعني به الجواد،
أي نحن كالغيث ينفع الناس. ويقال: كهم يكهم وكهم يكهم، فهو كهام وكهيم، يقال ذلك للرجل إذا ضعف، وللسيف إذا كلّ. قوله: (ولا فينا يعد بخيل) أي لا بخيل فينا فيعد على حد قوله تعالى (وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ). قوله:
وننكرالبيت) نظيره قول الآخر:
وما يستطيع النّاس عقدا يشدّهوينقضه منهم وإن كان مبرما
وأجل منهما قوله تعالى: (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) قوله: (إذا سيد ...
البيت). نظيره قول حاتم:
إذا مات منهم سيّد قام بعدهنظير له يغني غناه ويخلف
والطارق: الذي ينزل ليلا. والنزيل: الضيف. والقراع: الضراب. وأيامنا مشهورة: أي وقائعنا في عدوّنا مشهورة، فهي بين الأيام كالأفراس الغرّ المحجلة بين الخيل. والغرر: جمع غرّة، وهي البياض الذي في جبهة الفرس. الحجول:
بتقديم الحاء على الجيم، جمع حجل، وهو البياض في قوائم الفرس. والدارعين:
أصحاب الدروع. والفلول: بضم الفاء، جمع فل، السيف، وهو كسر في حدّه.
ومعودة: نصب على الحال بما دل عليه الظرف، ويجوز رفعه على إضمار المبتدأ.
والقبيل: بالموحدة، جماعة من آباء شتى. وقوله: (فليس سواء) استشهد به النحاة على تقديم خبر ليس على اسمها. والقطب: الحديد في الطبق الأسفل من الرحا يدور عليه الطبق الأعلى، وبه سمي قطب السماء لما يدور عليه الفلك، وعلى هذا التشبيه قالوا: فلان قطب بني فلان، أي سيدهم الذي يلوذون به، وهو قطب الحرب.
النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع