تجاوز إلى المحتوى

من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)

فائدة: [أبو الأسود الدؤلي]

أبو الأسود الدؤلي، اسمه ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل، من وجوه التابعين وفقهائهم ومحدّثيهم. روي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب فأكثر، واستعمله عمر وعثمان وعلي. قال في الأغاني: وذكر أبو عبيدة انه أدرك فحول الاسلام وشهد بدرا مع المسلمين، وما سمعت بذلك عن غيره.

أخرج البخاري في تاريخه عن صالح البراد قال: قال أبو الأسود الدؤلي لولده:

قد أحسنت إليكم قبل أن تولدوا، قالوا: كيف؟ قال: لم أضعكم في موضع تستحون منه.

وأخرج القالي في أماليه عن أبي عبيدة قال: جرى بين أبي الأسود الدّؤلي وبين امرأته كلام في ابن كان لها منه وأراد أخذه منها، فصارا الى زياد، وهو والي البصرة، فقالت المرأة: أصلح الله الأمير، هذا ابني كان بطني وعاءه، وحجري فناءه، وثديي سقاءه، أكلؤه إذا نام، وأحفظه اذا قام، فلم أزل بذلك سبعة أعوام حتى اذا استوفى فصاله وكملت خصاله، واستوعكت أوصاله، وأمّلت نفعه، ورجوت دفعه، أراد أن يأخذه مني كرها، فآدني أيها الأمير، فقد رام قهري، وأراد قسري. فقال أبو الأسود: أصلحك الله، هذا ابني حملته قبل أن تحمله، ووضعته قبل أن تضعه، وأنا أقوم عليه في أدبه، وأنظر في أوده، وأمنحه علمي، وألهمه حلمي، حتى يكمل عقله، ويستحكم فتله. قالت المرأة:

أصلحك الله، حمله خفّا، وحملته ثقلا، ووضعه شهوة، ووضعته كرها.

فقال له زياد: أردد على المرأة ولدها فهي أحقّ به منك، ود عني من سجعك.

قال القالي: استوعكت: اشتدت. وقولها: فآدني: أي قوّني وأعنّي.

وأنشد:

إخوتي لا تبعدوا أبداوبلى والله قد بعدوا
للشاعر فاطمة بنت الأحجم الخزاعية، اقرأ القصيدة
كلّ ما حيّ وإن أمرواواردو الحوض الّذي وردوا
للشاعر فاطمة بنت الأحجم الخزاعية، اقرأ القصيدة

هما لفاطمة بنت الأخرم الخزاعية، وبين هذين البيتين:

لو تملّتهم عشيرتهملاقتناء العزّ أو ولدوا
للشاعر فاطمة بنت الأحجم الخزاعية، اقرأ القصيدة
هان من بعض الرّزيّة أوهان من بعض الّذي أجد
للشاعر فاطمة بنت الأحجم الخزاعية، اقرأ القصيدة

قال شارح الحماسة: يروى إخوتي وإخوتا بقلب الياء ألفا ليمتد الصوت.

وأبدا: ظرف لتبعدوا، وأدخل القسم بين بلى والفعل، ولا يعد ذلك فصلا. لو تملّتهم:

أي لو عاشوا معهم مليّا من الدهر، أي لو طالت أعمارهم فاقتنت عشيرتهم العزبهم، أو كان لهم خلف كان بعض غمي لهم أهون عليّ. و (لاقتناء) متعلق به. وقوله:

(ولدوا) يحتمل أن يكون اسما مفردا كما تقول ابن، وان يكون جملة من فعل وفاعل. و (هان) جواب لو. و (من) عند الأخفش زائدة. وعند غيره لابتداء غاية التحقير والتقليل. و (ما) زائدة. و (حيّ) يحتمل أن يراد به ضد الميت. وجمع الضمير العائد اليه اما تعويلا على معنى كل، أو لارادة الجنس، وأن يراد به القبيلة، فيكون الضمير للفظ حي. وأمروا: أكثروا، وعائد الذي محذوف، أي وردوه.

وأنشد:

قد أصبحت أمّ الخيار تدّعيعليّ ذنبا كلّه لم أصنع

هو مطلع أرجوزة لأبي النجم العجلي، وبعده:

من أن رأت رأسي كرأس الأصلعميّز عنه قنزعا عن قنزع
جذب اللّيالي: أبطئي أو أسرعيقرنا أشيبيه وقرنا فانزعي
أفناه قيل الله للشّمس: اطلعي!حتّى إذا داراك أفق فارجعي
حتّى بدا بعد السخام الأقرعجرّ بكرش الأخرج الهجنّع
يمشي كمشي الأهدء المكنّعألم يكن يبيضّ إن لم يصلع
إن لم يصبني قبل ذاك مصرعيأفناه ما أفنى إيادا فاربعي
يا ابنة عمّا لا تلومي واهجعيلا تسمعيني منك لوما واسمعي
أيهات أيهات ولا تطلّعيهي المقادير، فلومي أو دعي
لا تطمعي في فرقتي لا تطمعيولا تروّعيني ولا تروّعي
واستشعري اليأس ولا تفجّعيفذاك خير لك من أن تجزعي

فتحبسي وتشتمي وتوجعي

أم الخيار: زوجة أبي النجم. والأصلع: الذاهب شعر الرأس. والقنزع: شعر حوالي الرأس. وقيل الله: قول الله. والسخام: بضم السين المهملة وبالخاء المعجمة، السواد. والأخرج: بخاء معجمة ثم راء ثم جيم، الذي له لونان من بياض وسواد.

والهجنّع: بتشديد النون، الطويل الضخم. والأهدء: الأحدب. والمكنع: بالنون، من التكنيع وهو التبعيض. قوله: (يا ابنة عما) استشهد به في التوضيح على ابدال

الألف من ياء المتكلم في النداء، والأصل ابنة عمي. واهجعي: من الهجوع، وهو النوم بالليل خاصة.

وأنشد:

وقولي كلّما جشأت وجاشت:مكانك تحمدي أو تستريحي!
للشاعر ابن الأطنابة، من قصيدة «الا من مبلغ الاحلاف عني»

هذا من أبيات لعمرو بن الأطنابة، وهي أمه. وأبوه: زيد بن مناة بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج جاهلي، وقبله:

أبت لي عفّتي وأبى بلائيوأخذي الحمد بالثّمن الرّبيح
للشاعر ابن الأطنابة، من قصيدة «الا من مبلغ الاحلاف عني»
وإقدامي على المكروه نفسيوضربي هامة البطل المشيح
بأبيض مثل لون الملح صافونفس ما تقرّ على القبيح
وقولي كلّما جشأت وجاشت:مكانك تحمدي أو تستريحي
للشاعر ابن الأطنابة، من قصيدة «الا من مبلغ الاحلاف عني»
لأدفع عن مآثر صالحاتوأحمي بعد عن عرض صحيح
للشاعر ابن الأطنابة، من قصيدة «الا من مبلغ الاحلاف عني»

أخرج أبو أحمد العسكري في كتاب ربيع الآداب بسنده عن أبي حاتم قال:

قال عبد الملك بن مروان: وجد فرسان العرب في أشعارها ثمانية: اثنان منهم لم يجزعا من الموت، وستة: جزعوا. فمن الستة عمرو بن الأطنابة حيث يقول:

أبت لي عفتي: الأبيات .. فلم تجش نفسه إلا وقد جبن. وعنترة حيث يقول:

يدعون عنتر والرّماح كأنّهاأشطان بئر في لبان الأدهم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»
إذ يتّقون بي الأسنّة لم أخمعنها، ولكنّي تضايق مقدمي!
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

فلم يضق مقدمه إلا وقد جبن، وأبو القيس بن الأسلت حيث يقول:

وقولي كلّما جشأت لنفسيمن الأبطال ويحك لن تراعي
فإنّك لو سألت حياة يومسوى الأجل الّذي لك لم تطاعي

فما جشأت نفسه إلّا وقد جبن. ودريد بن الصمّة حيث يقول:

ولقد أصرفها مدبرةحين للنّفس من الموت هدير
ولقد أجمع رجليّ بهاحذر الموت وإنّي لوقور
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «ولقد أجمع رجلي بها»
كلّما ذلّل منّي خلقوبكلّ أنا في الرّوع جدير

فلم يحذر الموت إلا وقد جبن. وعمرو بن معدي كرب حيث يقول:

ولمّا رأيت الخيل زورا.

الأبيات السابقة، فلم تجش نفسه إلا وقد جبن. وأما اللذان لم يجزعا الموت فعباس بن مرداس حيث يقول:

أكرّ على الكتيبة لا أباليأحتفي كان فيها أم سواها

وقيس بن الخطيم حيث يقول:

وإنّي بالحرب العوان موكّلبإقدام نفس ما أريد بقاءها

وأخرج القالي وابن عساكر عن معاوية أنه قال: هممت بالفرار يوم صفين، فما منعني إلا قول ابن الأطنابة، وذكر الأبيات.

وقد قيل انها أجود ما قيل في الصبر في مواطن الحروب.

والبطل: الشجاع. والمشيح: المجد في الأمر، من أشاح يشيح. وجشأت: بالجيم والشين المعجمة، يقال: جشأت جشوا نفسي إذا انقضت وجاشت من حزن أو فزع، وهو مهموز. والبيت استشهد به في التوضيح على جزم المضارع، وهو (تحمدي) لوقوعه جواب الطلب باسم فعل، وهو مكانك، فإن معناه اثبتي.

النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح شواهد المغني»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.