تجاوز إلى المحتوى

من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)

فائدة: [قيس بن ذريح]

قيس بن ذريح بن شبة بن حذافة بن طريف الليثي أبو زيد كان يسكن بادية الحجاز. أخرج في الأغاني عن الكلبي إنه كان رضيع الحسين بن علي ﵁ أرضعتهما أم قيس. وأخرج من طرق عدة: ان قيسا مر ببعض حاجته بخيام بني كعب بن خزاعة، والحي خلوف فوقف على خيمة للبنى بنت الحباب الكعبية، فاستسقى ماء، فسقته وخرجت إليه به. وكانت امرأة مديدة القامة شهلا حلوة المنظر والكلام. فلما رآها وقعت في نفسه، وشرب الماء. وقالت له: أتنزل فتبرّد عندنا؟ قال: نعم، فنزل بهم. وجاء أبوها فنحر له وأكرمه. فانصرف قيس وفي

قلبه من لبنى حرّ لا يطفأ، فجعل ينطق بالشعر فيها حتى شاع وروي. ثم أتاها يوما آخر وقد اشتدّ وجده بها، فسلّم وظهرت له وردّت سلامه ولحقت به، فشكى إليها ما يجد من حبها، فبكت وشكت إليه مثل ذلك، وعرف كل واحد منهما ما له عند صاحبه. وانصرف إلى أبيه فأعلمه حاله وسأله أن يزوّجه إياها. فأبى عليه وقال:

يا بني، عليك بإحدى بنات عمك فهي أحقّ بك. وكان ذريح كثير المال موسرا، فأحبّ ألا يخرج ابنه إلى غريبة. فانصرف قيس وقد ساءه ما خاطبه به أبوه. فأتى أمّه فشكى ذلك إليها واستعان بها على أبيه، فلم يجد عندها ما يحب، فأتى الحسين ابن علي ﵁ فشكى إليه ما به وما ردّ عليه أبوه فقال: أنا أكفيك! فمشى معه الى أبي لبنى، فلما بصر به أعظمه ووثب إليه، فقال: يا ابن رسول الله، ما جاء بك؟ ألا بعثت إليّ فآتيتك. فقال: إن الذي جئت فيه يوجب قصدك، قد

جئتك خاطبا ابنتك لقيس بن ذريح. فقال: يا ابن رسول الله، ما كنّا لنعصي لك أمرا وما بنا عن الفتى رغبة، ولكن أحبّ الأمرين إلينا أن يخطبها أبوه علينا وان يكون ذلك عن أمره، فإنّا نخاف ان لم يسع أبوه في هذا ان يكون عارا وسبّة علينا. فأتى الحسين ﵁ ذريحا وقومه وهم مجتمعون، فقاموا إليه إعظاما له، فقال لذريح:

أقسمت عليك إلا خطبت لبنى على قيس. قال: السمع والطاعة لأمرك، فخرج معه في وجوه قومه حتى أتوا حيّ لبنى فخطبها ذريح على ابنه الى أبيها. فأقام معها مدّة، وكان أبرّ الناس بأمه، فألهته لبنى وعكوفه عليها عن بعض ذلك، فوجدت أمّه في نفسها وقالت: شغلت هذه المرأة ابني عن برّي، ولم تر للكلام في ذلك موضعا حتى مرض قيس مرضا شديدا. فلما برأ قالت أمه لأبيه: لقد خشيت أن يموت قيس ولم يدرك خلفا وقد حرم الولد من هذه المرأة، وأنت ذو مال فيصير مالك الى الكلالة، فزوجّه بغيرها لعل الله أن يرزقه ولدا، وألحّت عليه في ذلك.

فعرض ذلك ذريح على قيس فقال: لست متزوّجا غيرها أبدا. قال: فتسرّ بالاماء، فقال: ولا أسوؤها بشيء أبدا. قال: فإني أفسم عليك الا طلقتها! فأبى، وقال:

الموت عندي أسهل من ذلك. قال: لا أرضى أو تطلقها. وحلف انه لا يكنه سقف أبدا حتى يطلق لبنى. فكان يخرج فيقف في حرّ الشمس فيجيء قيس فيقف الى جانبه فيظله بردائه ويصلي هو بحرّ الشمس حتى يفي الفيء

فينصرف عنه ويدخل الى لبنى فيعانقها ويبكي وتبكي معه. وتقول له: قيس، لا تطع أباك فتهلك وتهلكني.

فقال: ما كنت لأطيع فيك أحدا أبدا. فيقال: إنه مكث كذلك سنة ثم طلقها، فلما بانت لم يلبث حتى استطير عقله وذهب لبه، ولحقه مثل الجنون، وأسف وجعل يبكي، فلما انقضت عدّتها، رحلها قومها فسقط مغشيا لا يعقل ثم أفاق ولم يأخذه بعدها قرار.

وأخرج أيضا عن عمرو بن دينار قال: قال الحسن ﵁ لذريح أبى قيس:

أحل لك أن فرّقت بين قيس ولبنى؟ أما سمعت عمر بن الخطاب يقول: ما أبالي أفرقت بين الرجل وامرأته أم مشيت إليهما بالسيف. وروى أيضا: أن الطبيب قال له:

إنما يسليك عنها أن تذكر مساويها ومعائبها وما تعافه العين منها من أقذار بني آدم، فإن

النفس تنبو حينئذ وتسلو ويخف ما بها؟ فقال:

إذا عبتها شبّهتها البدر طالعاوحسبك من عيب لها شبه البدر
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «إذا عبتها شبهتها البدر طالعا»
لقد فضّلت لبنى على النّاس مثل ماعلى ألف شهر فضّلت ليلة القدر
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «إذا عبتها شبهتها البدر طالعا»

وأخرج أيضا عن المدائني قال: ماتت لبنى فخرج قيس في جماعة من قومه فوقف على قبرها وقال:

ماتت لبينى فموتها موتيهل ينفعن حسرة على الموت
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «ماتت لبينى فموتها موتي»
فسوف أبكي بكاء مكتئبقضى حياة واجدا على ميت

ثم أكب على القبر يبكي حتى أغمى عليه فرفعه أهله وهو لا يعقل، فلم يزل عليلا لا يفيق ولا يجيب مكلما ثلاثا، ثم مات ودفن إلى جانبها.

وأنشد قول عنترة:

جادت عليه كلّ عين ثرّةفتركن كلّ حديقة كالدّرهم

تقدم شرحه في شواهد في، وهو من معلقته المشهورة، وقبله:

وكأنّما نظرت بمقلة شادنرشأ من الغزلان ليس بتوأم
وكأنّ فأرة تاجر بقسيمةسبقت عوارضها إليك من الفم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»
أو روضة أنفا تضمّن نبتهاغيث قليل الدّمن ليس بمعلم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»
جادت عليه كلّ عين ثرّةفتركن كلّ حديقة كالدّرهم

وأنشد:

من كلّ كوماء كثيرات الوبر

وأنشد:

وما كلّ ذي لبّ بمؤتيك نصحهوما كلّ مؤت نصحه بلبيب
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «أمنت على السر امرء غير حازم»

قال ابن يسعون: هو لأبي الاسود الدؤلي ويقال لمودود العنبري، وقبله:

أمنت على السّرّ امرأ غير حازمولكنّه في الودّ غير مريب
أذاع به في النّاس حتّى كأنّهبعلياء نار أوقدت بثقوب
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «أمنت على السر امرء غير حازم»

ثم رأيت ابن أبي الدنيا قال في كتاب الصمت، حدثني محمد بن اسكاب، حدثنا أبي عن المبارك بن سعيد، عن عمر بن عبيد قال: اطلع أبو الاسود الدؤلي مولى له على سرّ له فبثه، فقال أبو الاسود وذكر الابيات الثلاثة وزاد بعدها:

ولكن إذا ما استجمعا عند واحدفحقّ له من طاعة بنصيب
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «أمنت على السر امرء غير حازم»

وأخرج أبو الفرج الاصبهاني في الاغاني عن ابن عياش قال: خطب أبو الأسود الدؤلي امرأة من عبد القيس يقال لها أسماء بنت زياد، فأسرّ أمرها الى صديق له من الأزد يقال له الهيثم بن زياد، فحدّث به ابن عم لها فذهب فتزوّجها، فقال أبو الأسود وذكر الأبيات.

النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح شواهد المغني»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.