من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
فائدة: [متمم بن نويرة]
متمم بن نويرة بن شداد يكنى أبا نهشل وأخوه مالك يكنى أبا المغوار.
أخرج أبو الفرج في الأغاني عن ابن شهاب ان مالك بن نويرة كان من أكثر الناس شعرا، وان خالدا لما قتله أمر برأسه فصب أنفيه بقدر فنضح ما فيها قبل ان بلغت النار الى شواته. وأخرج عن حبيب بن زيد الطائي: ان المنهال مرّ على أشلاء مالك بن نويرة لما قتله خالد فأخذ ثوبا فكفنه فيه ودفنه، ففيه يقول متمم:
(لقد كفن المنهال ... البيت). وأخرج أيضا من طريق أحمد بن عمار العبدي عن أبيه عن جده قال: صليت مع عمر بن الخطاب الصبح، فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل قصير أعور فقال: من هذا؟ قال: متمم بن نويرة، فاستنشده قوله في
أخيه فانشده: لعمري ... القصيدة بتمامها. فقال عمر: لوددت أني أحسن الشعر فأرني أخي زيدا مثل ما رثيت به
أخاك، فقال متمم: لو أن أخي مات على ما مات عليه أخوك ما رثيته، فقال عمر: ما عزاني أحد عن أخي مثل ما عزاني به متمم. وقال الدينوري في المجالسة: أخبرنا ابن أبي الدنيا، حدثنا أبي عن هشام عن محمد عن أبيه قال: كان عمر بن الخطاب يقول: ماهبت الصبا إلا بكيت على أخي زيد، وكان إذا لقى متمم بن نويرة استنشده قصيدته في أخيه: وكنا كندماني جذيمة ... البيتين.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الايمان عن القاسم بن معين قال: قال عمر بن الخطاب: رحم الله زيدا، يعني أخاه، هاجر قبلي، واستشهد قبلي، ماهبت الرياح من تلقاء اليمامة الا أتتني برياه، وما ذكرت قول متمم بن نويرة إلا ذكرته وهاج بي شجنا: وكنا كندماني جذيمة ... البيتين.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب عن خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد: أن عمر قال لمتمم بن نويرة: لو كنت شاعرا أثنيت على أخي كما أثنيت على أخيك، فقال: لو كان مهلك أخي كمهلك أخيك لتعزيت عنه، فقال عمر: ما رأيت تعزية أحسن من هذه.
وقال ابن سعد في الطبقات: أخبرنا وكيع بن الجراح، ومحمد بن عبد الله الأسدي عن عبد الله بن لاحق المكي عن أبي مليكة قال: مات عبد الله بن أبي بكر بالحبشة فدفن بمكة، فقدمت عائشة من المدينة فأتت قبره فوقفت عليه فتمثلت بهذين البيتين: وكنا كندماني جزيمة ... الى آخرهما. وأخرج ابن سعد في طبقاته عن ابن أبي عون وعبد العزيز بن يعقوب الماجشون قالا: قال عمر بن الخطاب لمتمم بن نويرة: ما أشد ما لقيت على أخيك من الحزن؟ قال: كانت عيني هذه قد ذهبت.
وأشار إليها، فبكيت بالصحيحة، وأكثرت البكاء حتى أسعدتها العين الذاهبة وجرت بالدمع. فقال عمر: ان هذا الحزن شديد ما يحزن هكذا أحد على هالكه، ثم قال عمر: يرحم الله زيد بن الخطاب، إني لأحسب أني لو كنت أقدر على أن أقول الشعر لبكيته كما بكيت أخاك، فقال متمم: يا أمير المؤمنين، لو قتل يوم اليمامة كما قتل أخوك ما بكيته أبدا. فأبصر عمر وتعزى عن أخيه، وكان قد حزن عليه حزنا شديدا.
وكان عمر يقول: ان الصبا لتهب فتأتيني بريح زيد بن الخطاب. قال ابن جعفر فقلت لابن أبي عون: أما كان عمر يقول الشعر؟ فقال: لا، ولا بيتا واحدا.
وأنشد قول جرير:
لنا الفضل في الدّنيا وأنفك راغمونحن لكم يوم القيامة أفضل
تقدم شرحه في شواهد حتى ضمن قصيدة جرير.
وأنشد:
كضرائر الحسناء قلن لوجههاحسدا وبغيا: إنّه لذميم
من قصيدة لأبي الأسود الدؤلي، وأوّلها:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيهفالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجههاحسدا وبغيا: إنّه لذميم
والوجه يشرق في الظّلام كأنّهبدر منير والنّساء نجوم
وترى اللّبيب محسّدا لم يجترمشتم الرّجال وعرضه مشتوم
وكذاك من عظمت عليه نعمةحسّاده سيف عليه صروم
فاترك مجاراة السّفيه فإنّهاندم وغبّ بعد ذاك وخيم
وإذا جريت مع السّفيه كما جرىفكلا كما في جريه مذموم
وإذا عتبت على السّفيه ولمتهفي مثل ما تأتي فأنت ظلوم
لا تنه عن خلق وتأتي مثلهعار عليك إذا فعلت عظيم
وابدأ بنفسك فانهها عن غيّهافإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل ما وعظت ويقتدىبالعلم منك وينفع التّعليم
ويل الشّجيّ من الخليّ فإنّهنصب الفؤاد بشجوه مغموم
وترى الخليّ قرير عين لاهياوعلى الشّجيّ كآبة وهموم
ويقول: ما لك لا تقول مقالتيولسان ذا طلق وذا مكظوم
لا تكلمن عرض ابن عمّك ظالمافإذا فعلت فعرضك المكلوم
وحريمه أيضا حريمك فاحمهكي لا يباح لديك منه حريم
وإذا اقتصصت من ابن عمّك كلمةفكلامه إن عقلت كلوم
وإذا طلبت إلى كريم حاجةفلقاؤه يكفيك والتّسليم
وإذا رآك مسلّما ذكر الّذيحمّلته فكأنّه محتوم
ورأى عواقب خلف ذاك مذمّةللمرء تبقى والعظام رميم
فارج الكريم وإن رأيت جفاءهفالعتب منه، والفعال كريم
إن كنت مضطرّا وإلّا فاتّخذنفقا كأنّك خائف مهزوم
وتفرّ عنه ثمّ تهجر بابهدهرا وعرضك إن فعلت سليم
والنّاس قد صاروا بهائم كلّهمومن البهائم قابل وزعيم
عمي وبكم ليس يرجى نفعهموزعيمهم في النّائبات مليم
وإذا طلبت إلى لئيم حاجةفألحّ في رفق وأنت مديم
والزم قبالة بيته وفنائهبأشدّ ما لزم الغريم غريم
وعجبت للدّنيا ورغبة أهلهاوالرّزق فيما بينهم مقسوم
والأحمق المرزوق أعجب من أرىمن أهلها والعاقل المحروم
ثمّ انقضى عجبي لعلمي أنّهقدر مواف وقته معلوم
وقال البيهقي في شعب الايمان: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن كامل القاضي، أخبرنا الحارث بن أبي اسامة وأبو يزيد أحمد بن روح البزازان عبيد الله محمد بن حفص العبسي، أنشدهم في ابنه:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيهفالنّاس أضداد له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجههاحسدا وبغيا: إنّه لذميم
وترى اللّبيب مشتّما لم يحترمعرض الرّجال وعرضه مشتوم
وأنشد:
وإن يكن الموت أفناهمفللموت ما تلد الوالده
وأنشد ابن الأعرابي في نوادره لرجل من عاملة يقال له سماك قتلته غسان:
ألا من شجت ليلة عامدهكما أبدا ليلة واحده
فأبلغ قضاعة إن جئتهاوأبلغ شراة بني ساعده
وأبلغ معدّا على بابهافإنّ الرّماح هي العائده
فأقسم لو قتلوا مالكالكنت لهم حيّة راصده
برأس سبيل على مرقبويوما على طرق وارده
فأمّ سماك فلا تجزعيفللموت ما تلد الوالده
وأنشد ابن الأعرابي في قوله:
كما أبدا ليلة واحده
أي هذه الليلة كأنها الدهر أجمع. و (ما) معرفة فنصب أبدا على خروجه من المعرفة. ثم رايت في كتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه للمبرد، ما نصه: قال ابن الزبعري:
لا يبعد الله ربّ العباد والملح ما ولدت خالده
وهم مطعنون صدور الكماة والخيل تطرد أو طارده
فإن يكن الموت أفناهمفللموت ما تلد الوالده
أي الى هذا مصيرهم.
وأنشد:
لله يبقى على الأيّام ذو حيد
تقدم شرحه في شواهد أم ضمن قصيدة لساعدة بن جوية ميمية، وقد وقع أيضا في قصيدة لأبي ذؤيب سينية، وتمامه:
بمشمخرّ به الظّيّان والآس
وأورده الفارسي في الايضاح بلفظ:
تالله لا تعجز الأيّام ذو حيد
وهو الوعل. والمشمخر: الجبل العالي. والظيان: ياسمين البر. والآس:
المرسين.
وأنشد:
فيا لك من ليل كأنّ نجومهبكلّ مغار الفتل شدّت بيذبل
هو من معلقة امرئ القيس بن حجر المشهورة، وقبله:
وليل كموج البحر أرخى سدولهعليّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لمّا تمطّى بصلبهوأردف أعجازا وناء بكلكل
ألا أيّها اللّيل الطّويل ألا انجليبصبح وما الإصباح فيك بأمثل
فيا لك من ليل كأنّ نجومهبكلّ مغار الفتل شدّت بيذبل
كأنّ الثّريّا علّقت في مصامهابأمراس كتّان إلى صمّ جندل
قوله: (وليل) على اضمار (رب) أي ورب ليل. والبيت استشهد به المصنف على ذلك في حرف الواو. وقوله: (كموج البحر) بيان لكثافته وظلمته. وسدوله:
ستوره، يقال: سدلت ثوبي إذا أرخيته ولم تضممه. وأنواع الهموم: أي ضروبها. قوله: (ليبتلى) أي لينظر ما عندي من الصبر والجزع. وجوزة:
بالجيم والزاي، وسطه. وجوز كل شيء وسطه. والأعجاز: بفتح الهمزة، جمع عجز، وهو من استعمال الجمع وإرادة الواحد. وناء: بالنون، نهض. والكلكل:
الصدر. والبيت استشهد به ابن مالك على أن (الواو) لا تدل على الترتيب، لأن البعير ينهض بكلكله، أو لاسم يجوزه. وقوله: (ألا انجلى) الانكشاف. ومعنى:
(وما إلا صباح فيك بأمثل) أنه مغموم، فالليل والنهار عليه سواء.
قوله: (يا لك) استشهد به ابن أم قاسم على فتح لام المستغاث من أجله مع الضمير غير الياء. واستشهد به غيره على جر المستغاث من أجله بمن في قوله من ليل. ومغار الفتل: أي محكم الفتل، يقال: أغرت الحيلة: اغارة، وحبل شديد الغارة: أي شديد الفتل. ويذبل: بفتح التحتية وسكون الذال المعجمة وضم الموحدة ولام اسم جبل. وشدت: خبر كان.
وأنشد:
شباب وشيب وافتقار وثروةفلله هذا الدّهر كيف تردّدا
هذا من قصيدة للأعشى ميمون يمدح بها النّبي ﷺ، وقد أتى اليه بمكة ليسلم فاعترضه بعض كفار قريش فقال: إنه يحرّم الزنا، قال: لا أرب لي فيه، قال: إنه يحرّم الخمر. قال: أرجع فأتروى منها عامي هذا ثم آتيه فأسلم، فرجع فمات من عامه ولم يعد. والقصيدة:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمداوبتّ كما بات السّليم مسهّدا
وما ذاك من عشق النّساء وإنّماتناسيت قبل اليوم خلّة مهددا
ولكن أرى الدّهر الّذي هو خائنإذا أصلحت كفّاي عاد فأفسدا
شباب وشيب وافتقار وثروةفلله هذا الدّهر كيف تردّدا
وفي رواية ابن اسحق:
كهولا وشبّانا فقدت وثروةفلله هذا الدّهر كيف تردّدا
وما زلت أبغي المال إذا أنا يافعوليدا وكهلاحين شبت وأمردا
وإتعابي العيس المراقيل بالضّحىمسافة ما بين النّجير فصرخدا
فإن تسألي عنّي فيا ربّ سائلخفيّ عن الأعشى به كيف أصعدا
ألا أيّهذا السّائلي أين أصعدتفإنّ لها في أهل يثرب موعدا
فأمّا إذا ما أدلجت فترى لهارقيبين جديا لا يؤوب وفرقدا
وفيها إذا ما هجّرت عجر فيّةإذا خلت حرباء الظّهيرة أصيدا
وأزرت برجليها النّقى وأتبعتيداها خنافا ليّنا غير أحردا
فآليت لا أرثي لها من كلالةولا من حفيّ حتّى تلاقي محمّدا
متى ما تناخي عند باب ابن هاشمتراحى وتلقى من فواضله ندا
نبيّ يرى ما لا يرون وذكرهأغار لعمري في البلاد وأنجدا
له صدقات ما تغبّ ونائلوليس عطاء اليوم يمنعه غدا
أجدّك لم تسمع وصاة محمّدنبيّ الإله حين أوصى وأشهدا
إذا أنت لم ترحل بزاد من التّقىوأبصرت بعد الموت من قد تزوّدا
ندمت على أن لا تكون مكانهفترصد للأمر الّذي كان أرصدا
فإيّاك والميتات لا تقربنّهاولا تأخذن سهما جديدا لتفصدا
وذا النّصب المنصوب لا تنسكنّهولا تعبد الشّيطان والله فاعبدا
وسبّح على حين العشيّات والضّحىولا تحمد المثرين والله فاحمدا
وذا الرّحم القربى فلا تتركنّهلفاقته ولا الأسير المقيّدا
ولا تسخرن من بائس ذي ضرارةولا تحسبنّ المال للمرء مخلّدا
ولا تقربن جارة، إنّ سرّهاعليك حرام، فانكحن أو تأبّدا
قال شارح ديوانه: ألم تغتمض: استفهام تقرير، والخطاب لنفسه تجريدا.
وليلة أرمد: أي ليلة رجل أرمد. والسّليم: اللديغ، من باب الأضداد، ونصبه على أنه خبر كان المقدّرة، أي ومذ كنت وليدا. قال الاصمعي: قالوا اللديغ: سليم، تفاؤلا بأنه سيسلم، كما قالوا: للمهلكة مفازة، وللعطشان ناهل. والمسهد: الذي لا ينام. والخلة: الصداقة. ومهددا: امرأة. قوله: (ولكن أرى الدهر ...
البيت) يقول: إذا اتخذت مالا واصطفيت أخا جاء الدهر فذهب به والثروة الغنى.
قوله: (فلله) تعجب من الدهر كيف يختلف يذهب ويجئ. قوله: (وما زلت ...
البيت). استشهد به المصنف في مذ على إيلائها الجملة الاسمية. واليافع: الغلام الذي قارب الحلم. والوليد: الصبي.
قال الأصمعي: والكهل من أربعين الى خمسين، والأمرد: الذي ليس على وجهه شعر، وأصله من تمريد الغصن وهو تجريده عن ورقه. والعيس: جمع أعيس وعيسا، وهي الابل البيض التي تخالطها حمرة.
والمراقيل: جمع مرقال بكسر الميم، من أرقل البعير إرقالا: أي ارتفع في سيره وصدّ عنقه ونفض رأسه وضرب بمشافره. والنجير: بضم النون وفتح الجيم وسكون التحتية، موضع بحضر موت. وصرخد: بلدة بالشام. السائل: الحفيّ بالحاء المهملة، المكثر أو الملطف. والجدي والفرقد: كوكبان لا يزولان من مكانهما ولا يغيبان. وهجّرت: سارت في الهاجرة نصف النهار. والعجر فية: جهالة ومرح لفضل نشاطها. والحرباء: دويبة تستقبل الشمس حتى تغرب كيفما دارت رافعة يديها ورأسها. والأصيد: البعير الذي به الصيد، وهو داء يأخذ الأبل في رؤوسها فلا تزال رافعة رأسها منه. وأذرت: ألقت. والنقى: ما تنقى من الحصى والتراب.
والخناف: بالفاء، أن تقلب الخفّ الى الجانب الأيمن. والأحرد: بالحاء المهملة، الذي يخبط بيديه اذا سار. وأغار: أتى الغور. وأنجد: أتى نجدا. وإنما يقال؟؟؟ غار لا أغار، وإنما قاله مواخاة لأنجد على حد مأزورات غير مأجورات، والأصل
موزورات. وأجدك: أي مالك، قاله أبو عمرو. وقال المبرد في الكامل: معناه:
أجد منك توفيقا، وتقديره في النصب: أتجدّ جدّا. وقوله: (إذا أنت إلى آخر القصيدة)، تفسيره: وصاه محمد ﷺ. وقوله:
ولا تأخذن سهما جديدا لتفصدا
أي لا تشرب دما. والنصب: حجر كانوا ينصبونه ويذبحون عنده لآلتهم.
وقوله: (لا تنسكنّه) أراد لا تنسكن عنده، فعد الفعل إليه، أي لا تذبح ذبيحة تتقرّب بها إلى الاصنام. وقوله (والله فاعبدا) استشهد به المصنف في التوضيح على إبدال نون التوكيد الخفيفة ألفا في الوقت، إذ أصله: فاعبدن. والسّرّ الجماع. وقوله: (فانكحنّ أو تأبّدا) أي تزوّج أو توحش.
وأنشد:
ومن يك ذا عظم صليب رجا بهليكسر عود الدّهر فالدّهر كاسره
هو لنصيب الأسود وأنشده الجاحظ في البيان بلفظ:
ومن يك ذا عود صليب يعدّه
وقبله:
ومن يبق مالا عدّة وصيانةفلا الدّهر مبقيه ولا الشّحّ وافره
وفي المؤتلف والمختلف للآمدي عز وهذين البيتين الى توبة بن الحمير من أبيات قالها في ليلى الأخيلية وقبلهما:
أرى النّاس من ليلاك سقما وقربهاحياء كما الغيث الّذي أنت ناظره
ولو سألت للنّاس يوما بوجههاسحاب الثّريّا لاستهلّت مواطره
وأنشد:
وملكت ما بين العراق ويثربملكا أجار لمسلم ومعاهد
قال ثعلب في أماليه: قال الزبير: قال ابن ميادة يمدح عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان، وكان أمير المدينة:
من كان أخطأه الرّبيع فإنّهنصر الحجاز بغيث عبد الواحد
إنّ المدينة أصبحت محمودةلمتوّج حلو الشّمائل ماجد
كالغيث من عرض الفرات تهافتتسبل إليه بصادر أو وارد
وملكت غير معنّف في ملكهما دون مكّة من حصى ومساجد
وملكت ما بين الفرات ويثربملكا أجار لمسلم ومعاهد
ماليهما ودميهما من بعد ماغشّى الضّعيف شعاع سيف المارد
ولقد رمت قيس وراءك بالحصىمن رام ظلمك من عدوّ جاهد
وأنشد:
أريد لأنسى ذكرها فكأنّماتمثّل لي ليلى بكلّ سبيل
هو من قصيدة لكثير عزّة، قال المصنف وهي من غرر قصائده، وأوّلها:
ألا حيّيا ليلى آن رحيليوآذن أصحابي غدا بقفول
تبدّت له ليلى لتذهب عقلهوشاقتك أمّ الصّلت بعد ذهول
أريد لأنسى ذكرها فكأنّماتمثّل لي ليلى بكلّ سبيل
وكم من خليل قال لي: لو سألتهافقلت له: ليلى أضنّ بخيل
ومنها:
فإن جاءك الواشون عنّي بكذبةفروها ولم يأتوا لها بحويل
فلا تعجلي يا ليل أن تتفهّميبنصح أتى الواشون أم بحبول
ومنها:
وقالوا: نأت فاختر من الصّبر والبكافقلت: البكا أشفى إذن لغليلي
ومنها وهو آخرها:
وما زلت من ليلى لدن طرّ شاربيإلى اليوم كالمقصى بكلّ سبيل
والقفول: الرجوع. والقافلة: الراجعة من سفر. ورسول يروي بدله:
ورسيل، وكلاهما بمعنى الرسالة. وحبول بالحاء المهملة، ويروى بالمعجمة.
قال القالي في أماليه: قال لنا أبو بكر، يروى عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال:
لقى الفرزدق كثيرا فقال له: أنت يا أبا صخر أنسب العرب حيث تقول:
أريد لأنسى ذكرها فكأنّماتمثّل لي ليلى بكلّ سبيل
فقال له كثير: وأنت يا أبا فراس أشعر العرب حيث تقول:
ترى النّاس ما سرنا يسيرون خلفنافإن نحن أو مأنا إلى النّاس وقّفوا
فقال القالي: وهذان البيتان لجميل، سرق أحدهما كثيّر والآخر الفرزدق.
وأنشد:
يا بؤس للحرب الّتيوضعت أراهط فاستراحوا
هو مطلع قصيدة لسعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، وهو جدّ طرفة الشاعر، وبعده:
والحرب لا يبقى لجاحمها التّخيّل والمراح
إلّا الفتى الصّبّار في النّجدات والفرس الوقاح
والنّثرة الحصداء والبيض المكلّل والرّماح
وتساقط التّنواة والذّنباتأو جهد الفضاح
والكرّ بعد الفرّ إذكره التّقدّم والنّطاح
كشفت لهم عن ساقهاوبدا من الشّرّ الصّراح
فالهمّ بيضات الخدور هناك لا النّعم المراح
بئس الخلائف بعدناأولاد يشكر واللّقاح
من صدّ عن نيرانهافأنا ابن قيس لا براح
صبرا بني قيس لهاحتّى تريحوا أو تراحوا
إنّ الموائل خوفهايعتاقه الأجل المتاح
هيهات هان الموت دون الفوت وانتضي السّلاح
يا ليلة طالت عليّم) تفجّعا فمتى الصّباح
كيف الحياة إذا خلتمنّا الظّواهر والبطاح
أين الأعنّة والأسنّةعند ذلك والرّماح
قال التبريزي: أراهط: جمع رهط أرهط، جمع رهط، كأنهم قالوا: رهط وأرهط. ثم قالوا أراهط. وسيبويه عنده أن العرب لم تنطق بأرهط. وقد حكاه غيره، وإذا نصبت أراهط جعلت الحرب الفاعل، وليس الموضع هنا ضدّ الرفع، وإنما المراد أنها تركتهم فلم تكلفهم القتال فيها، وإنما يعني سعد بن مالك الحارث بن عباد. ومن كان مثله في الأعتزال عن الحرب. ويروى أن الحارث لما حارب مع بني بكر بعد قتل بجير قال لسعد: أتراني ممن وضعته الحرب؟ قال:
لا، ولكن لا محبا لعطر بعد عروس. فهذا يدل على النصب، ومن رفع (أراهط) فالمعنى يابؤس للحرب التي وضعتها أراهط، وهذا اللفظ هو الأصل، لأن قولك:
ترك بنو فلان الحرب، هو واجب الكلام. وقولك: تركت الحرب بني فلان،
مجاز. والجاحم: من جحمت النار، إذا اضطرمت، ومنها الجحيم. قال الترمذي:
والتخيل: الخيلاء والتكبر. والمراح، بكسر الميم: اسم من مرح يمرح مرحا، وهو شدة الفرح. قال المصنف: أي انها تشغله عن خيلائه ومرحه. قال البطليوسي:
المراح: النشاط. والفتى بدل من صاحب. والصبّار: مبالغة صابر. والنجدات:
الشدائد. والوقاح، بفتح الواو وتخفيف القاف: الصلب الشديد، ويجمع على وقح. والنّثرة بفتح النون وسكون المثلثة وفتح الراء، الدرع الواسعة. والحصداء:
المحكمة الشديدة. والبيض، بفتح الباء، جمع بيضة، وهي الخودة. أو بكسرها، جمع أبيض، وهو السيف. المكلل: يعني بالمسامير كأنها غشيت وسمرت. قاله التبريزي. وقال التدمريّ: أي المركب على هيئة الاكليل. وتساقط:
عطف على وضعت أراهط. والتنواة: بفتح المثناة الفوقية وسكون النون: الاتباع.
والمعنى: وتساقط الدخلاء الذين وطأت أراضيهم العرب، فلم يكونوا منهم.
والذنبات، بفتح المعجمة والنون والموحدة. وجهد الفضاح: أي استوت المفاتحة.
قوله:
كشفت لهم عن ساقها
أي شدّتها، كما في قوله تعالى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ) والصّراح بضم الصاد وكسرها، الخالص. قوله:
فالهمّ بيضات الخدور
أراد بها النساء، لان المرأة تشبه ببيضة النعامة، كأنهنّ بيض مكنون. والخدور:
أراد الهوادج. وأصل الخدر السر. والمراح بضم الميم، صفة النعم. وأما بالفتح، فالموضع مكنون. والخدور: أراد الهوادج. وأصل الخدر السر. والمراح: بضم
الميم، صفة النعم. وأما بالفتح، فالموضع الذي تأوى إليه ليلا. وقوله: (أولاد يشكر) هو بكر بن وائل. واللّقاح، بضم اللام يقول إذا خلفنا من لادفاع في حاجتها إلى من يذب عنها. ويروى اللّقاح، بفتح اللام، والمراد به لقب بني حنيفة، وكانوا لا يدينون للملوك فقال حرّ لقاح، بالفتح، إذا لم يدينوا ولم يصبهم شيئا ويكون الكلام على هذا تهكما. قوله: وصدّأ: عرض عن نيرانها، أي الحرب.
قوله: فأنا ابن قيس، أي الذي عرفت بالشجاعة فلا يحتاج إلى البيان. لا براح:
أي ليس لي براح عن موقفي في الحرب. وقد أورد المصنف هذا البيت في شواهد (لا) مستشهدا به على إعمال (لا) عمل (ليس). قال التبريزي: عرض سعد في هذا البيت الحارث بن عباد، وكان من حكام ربيعة وفرسانها، فاعتزل حرب ابني وائل، وتنحى بأهله وولده وحلّ وترقوسه، ونزع سنان رمحه، وقال: لا ناقة لي في هذا ولا جمل. صبرا: أي اصبروا. والموائل: بفتح الميم، جمع موئل، وهو الملجأ.
ويعتاقه: يحبسه ويصرف عنه. والمتاح، بضم الميم وتخفيف المثناة الفوقية، وهو اسم مفعول، أي المقدر، يقال: أتيح له كذا: أي قدر. وقال العيني: هو بفتح الميم وتشديد التاء: الطويل. يقال: ليل متاح، إذا كان طويلا. قلت: وليس
كما قال، ولا يستقيم بذلك الوزن.
وأنشد:
إنّ أباها وأبا أباها
تقدم شرحه في شواهد إنّ ضمن أبيات
وأنشد:
إذا ما صنعت الزّاد فالتمسي لهأكيلا فإنّي لست آكله وحدي
هو لحاتم الطائي يخاطب امرأته ماوية بنت عبد الله، كذا قال غير واحد. وقال في الأغاني: أخبرنا ابن دريد، حدثني عمي عن العباس بن هشام، عن أبيه، عن جدّه، قال: تزوّج قيس بن عاصم المنقري بنفوسة بنت زيد الفوارس الضّبيّ، وأتته في الليلة الثانية من بنائه بها بطعام، فقال: أين أكيلي؟ فلم تعلم ما يريد، فأنشأ يقول:
أيا ابنة عبد الله وابنة مالكويا ابنة ذي البردين والفرس الورد
إذا ما صنعت الزّاد فالتمسي لهأكيلا فإنّي لسث آكله وحدي
أخا طارقا أو جار بيت فإنّنيأخاف مذمّات الأحاديث من بعدي
وكيف يسيغ المرء زادا وجارهخفيف المعابادي الخصاصة والجهد
وللموت خير من زيارة باخليلاحظ أطراف الأكيل على عمد
وإنّي لعبد الضّيف ما دام ثاوياوما فيّ إلّا تلك من شيم العبد
قال التبريزي: عني بذي البردين عامر بن احيم بن بهذلة، وإنما لقب به لأن الوفود اجتمعت عند المنذر بن ماء السماء، فأخرج بردين وقال: ليقم أعر العرب قبيلة فليأخذهما، فقام عامر فأخذهما، فقال له المنذر: انت أعز العرب قبيلة؟ قال:
العز والعدد في معدّ، ثم في نزار، ثم في مضر، ثم في خندف، ثم في تميم.
ثم في سعد، ثم في كعب، ثم في عوف، ثم في بهذلة، فمن أنكر هذا فلينافرني، فسكت الناس، ثم قال: أنا أبو عشرة، وأخو عشرة، وعم عشرة، ثم وضع قدميه على الأرض، فقال: من أزالها عن مكانها فله مائة من الأبل، فلم
يقم إليه أحد من الحاضرين، وفاز بالبردين. والورد: هو بين الكميت والأشقر.
والاكليل: المواكل، كالنديم المنادم. والشريب: المشارب. والجليس: المجالس، ولا يطلق إلا على من تكرّر منه ذلك، لا من وقع ذلك منه مرة. وإنما نكره ولم يقل اكيلي لأنه عرف بمواكلته، عدّه فأراد واحدا منهم، قاله التبريزي والمرزوقي.
وأخا: بدل من إكيلا. والمذمّة: بالفتح، الذم. والثاوي: المقيم (وإلا تلك) استثناء مقدّم، وموضع من شيم العبد رفع إسم ما والخبر في، ومن بيانية، كذا قالاه. والصواب: أن (ما) لا عمل لها لا تتقاضها بالنفي.
النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع