من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
فائدة: [النابغة الجعدي]
النابغة الجعدي: صحابي اسمه حسان بن قيس بن عبد الله بن وحوح بن عدس، كذا صححه صاحب الأغاني. وقيل اسمه قيس بن عبد الله بن عدس بن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة، قال ابن الأعرابي، يكنى أبا ليلى. قال في الاغاني: وانما سمي النابغة لأنه أقام مدّة لا يقول الشعر ثم نبغ فقاله. ثم أخرج عن ابن الاعرابي قال: أقام النابغة ثلاثين سنة لا يتكلّم بالشعر، ثم تكلم به. وقال القحذمي: كان النابغة الجعدي أسنّ من النابغة الذبياني. وقال ابن سلام: كان النابغة الجعدي قديما شاعرا مفلقا طويل البقاء في الجاهلية والاسلام، وكان أكبر من الذبياني، ويدل على ذلك قوله:
ومن يك سائلا عنّي، فإنّيمن الفتيان أيّام الختان
أتت مئة لعام ولدت فيهوعشر بعد ذاك وحجّتان
فقد أبقت صروف الدّهر منّيكما أبقت من السّيف اليماني
قال: وعمّر بعد ذلك عمرا طويلا. وأيام الختان: وقعة لهم. أدرك النابغة الاسلام فاسلم، ووفد على النبي ﷺ.
وأخرج الحارث بن أبى أسامة في مسنده، وأبو الفرج في الاغاني، والبيهقي وأبو نعيم كلاهما في الدلائل، وابن عساكر من طرق عن النابغة الجعدي قال:
أنيت النبي ﷺ وأنشدته قولي:
وإنّا لقوم ما تعوّد خيلناإذا ما التقينا أن تحيد وتنفرا
وننكر يوم الرّوع لو أنّ خيلنامن الطّعن حتّى نحسب الجون أشقرا
وليس بمعروف لنا أن نردّهاصحاحا ولا مستنكرا أن تعقّرا
بلغنا السّماء مجدنا وجدودناوإنّا لنرجو فوق ذلك مظهرا
فقال النبي ﷺ: الى أين؟ قلت: الى الجنة. فقال: نعم، ان شاء الله. قال: فلما أنشدته:
ولا خير في حلم إذا لم يكن لهبوادر تحمي صفوه أن يكدّرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن لهأريب إذا ما أورد الأمر أصدرا
فقال النبي ﷺ: لا يفضض الله فاك. فكان من أحسن الناس ثغرا، وكان اذا سقطت له سنّ نبتت له. قال ابن قتيبة: كان عمر النابغة مائتين
وعشرين سنة ومات باصبهان. قال في الاغاني: وما ذاك بمنكر لانه قال في شعره:
لبست أناسا فأفنيتهموأفنيت بعد أناس أناسا
ثلاثة أهلين أفنيتهموكان الإله هو المستآسا
روي أن عمر بن الخطاب سأله: كم لبثت مع كل أهل لك؟ فقال: ستين سنة، فهذه مائة وثمانون سنة. ثم عمر بعده فمكث الى أيام عبد الله بن الزبير وقدم عليه مكة. وقال أبو عبيدة: كان النابغة الجعدي ممن ذكر في الجاهلية، وأنكر الخمر والسّكر، وهجر الأزلام والأوثان، وقال كلمته التي أوّلها:
الحمد لله لا شريك لهمن لم يقلها فنفسه ظلما
وكان يذكر دين ابراهيم، ويصوم ويستغفر، وشهد مع علي ﵁ صفين.
وقال أبو زيد: كان النابغة شاعرا مقدّما، وكان مغلّبا، ما هاجى قط إلا غلب، هاجى أوس بن مغراء وليلى الأخيلية وكعب بن جبيل فغلبوه جميعا. وقال علي بن سليمان الأخفش أوّل من سبق الى الكناية عن اسم من يعنى بغيره في الشعر الجعدي فانه قال:
أكنّي بغير اسمها وقد علم اللّهـ خفيّات كلّ مكتتم
فسبق الناس جميعا اليه وتبعوه.
وأنشد قول امرئ القيس:
كأنّ دثارا حلّقت بلبونهعقاب تنوفي لا عقاب القواعل
تقدم شرحه في حرف العين وقد سقت هناك القصيدة بتمامها.
وأنشد:
ولا زال منهلّا بجرعائك القطر
هو لذي الرّمّة. أخرج ابن عساكر من طريق نفطويه، ومحمد بن القاسم الأنباري قال: أنبأنا ثعلب عن أبى زيد، حدثني إسحق بن ابراهيم، حدثني أبو صالح الفزاريّ قال: ذكر ذو الرّمّة في مجلس فيه عدّة من الأعراب فقال عصمة بن مالك، شيخ منهم، قد أتى له مائة سنة، فقال: كان من أظرف الناس، كان آدم خفيف العارضين، حسن المضحك، حلو المنطق، وكان له إخوة يقولون الشعر، منهم مسعود وهمام وخرفاس، فكانوا يقولون القصيدة فيزيد فيها الأبيات، فيغلب عليها فتذهب له، فأتى يوما فقال لي: يا عصمة، إن ميّة منقرية، وبنو منقر، أخبث حي وأبصره بأثر، وأعلمه بطريق، فهل عندك من ناقة نزر عليها ميّة؟
فقلت: نعم عندي الجؤذر، قال: عليّ بها، فركبناها جميعا، حتى نشرف على بيوت الحي، فاذا هم خلوف واذا بيت ميّة خال، فملنا إليه فتعرّض النساء نحونا، فطلعت علينا ميّة، فاذا هي جارية أملود واردة الشّعر قلن: أنشدنا يا ذا الرّمّة.
فقال: أنشدهنّ يا عصمة، فانشدتهنّ:
وقفت على رسم لميّة ناقتيفما زلت أبكي عنده وأخاطبه
وأسقيه حتّى كاد ممّا أبثّهتكلّمني أحجاره وملاعبه
حتى بلغت الى قوله:
هوى آلف خاف الفراق ولم يحلحوائلها أسراره ومعائبه
فقالت ظريفة، ممن حضر: فليحل الآن، فنظرت اليها حتى أتيت على قوله:
إذا سرحت من حبّ ميّ سوارحعن القلب آبته جميعا عواز به
فقالت الظريفة منهنّ: قتلته قتلك الله. فقالت ميّ: ما أصحّه وهنيأ له.
فتنفّس ذو الرمة نفسا كان من حرّه يطير شعر وجهه، ومضيت حتى أتيت على قوله:
وقد حلفت بالله ميّة ما الّذيأقول لها إلّا الّذي أنا كاذبه
إذا فرماني الله من حيث لا أرىولا زال في داري عدو أحاربه
فقال الظريفة: قتلته قتلك الله! فالتفتت ميّ فقالت: خف عواقب الله يا غيلان، ومضيت حتى أتيت على قوله:
إذا راجعتك القول ميّة أو بدالك الوجه منها أو نضا الدّرع سالبه
فيالك من خدّ أسيل ومنطقرخيم ومن خلق تعلّل جاذبه
فقالت الظريفة: ها هي ذه قد راجعتك القول، وبدا لك وجهها فمن لك بأن ينضو الدرع سالبه؟ فالتفتت إليها ميّة فقالت: قاتلك الله، ما أعظم ما تجيبين به.
فتحدثنا ساعة، ثم انصرفنا. فكان يختلف إليها حتى اذا انقضى الربيع ودعا الناس الصيف أتاني فقال: يا عصمة، قد ترحلت ميّة ولم يبق إلا الآثار والنظر في الديار، فاذهب بنا ننظر الى آثارهم. فخرجنا حتى انتهينا فوقف وقال:
ألا يا اسلمي يا دارميّ على البلىولا زال منهلّا بجرعائك القطر
وإن لم تكوني غير ثاو بقفرةتجرّ بها الأذيال صيفيّة كدر
قال عصمة: فما ملك عينيه. فقلت: مه، فانتبه وقال: إنّي لجلد وإن كان مني ما ترى، ثم انصرفنا وتفرّقنا. وكان آخر العهد به.
قوله: تعلل جاذبه: أي لم يجد فيه مقالا فهو يتعلل بالشيء يقوله، وليس بعيب.
والبيتان المذكوران مطلع قصيدة طويلة، ومنها:
لها بشر مثل الحرير ومنطقرخيم الحواشي لاهراء ولا نزر
وعينان قال الله كونا فكانتافعولان بالألباب ما يفعل الخمر
ألا: حرف استفتاح. وقوله: يا اسلمى، حرف نداء. والمنادى محذوف، أو حرف تنبيه، واسلمى، فعل دعاء، أي يا هذه سلمك الله على أنك قد بليت. ومىّ مرخم مية. والبلى، بالكسر والقصر، مصدر بلى يبلي، من باب علم يعلم.
ومنهلا، بضم الميم وسكون النون وتشديد اللام، من الانهلال، وهو انسكاب الماء وانصبابه. والجرعاء: رملة مستوية لا تنبت شيأ. والقطر: المطر. وقد عيب على ذي الرمة عجز هذا البيت فإنه أراد أن يدعو لها فدعا عليها بالخراب، وقدم عليه بيت طرفة:
فسقى ديارك غير مفسدهاصوب الرّبيع وديمة تهمي
وأجيب بأنه قدم الاحتراس بقوله اسلمى. وأجاب ابن عصفور: بأن لا زال تقتضي ملازمة الصفة للموصوف مذ كان قابلا لها على حسب ما قبلها، وذلك أنه عهد دار ميّة في خصب لسقيا المطر لها في أوقات الحاجة إليه، فدعا
لها بأن لا تزال على ما عهدها عليه من انهلال القطر بجرعائها وقت الحاجة اليه. قوله: لها بشر: أي جلد. ورخيم الحواشي، بالخاء المعجمة، أي لين نواحي الكلام. وقال ابن فارس:
رخيم أي رقيق، ويقال: الصوت الرخيم هو الشجي الطيب النغمة. والحواشي:
جمع حاشية وهي الناحية. والهراء: بضم الهاء وتخفيف الراء، الكلام الكثير الذي ليس له معنى. والنزر: بفتح النون وسكون الزاي، القليل. ويروى: ولا هذر، بالذال المعجمة، وهو الكثير، ومراده أنه لا كثير بلا فائدة ولا قليل يخل.
وأنشد:
لا بارك الله في الغواني هليصبحن إلّا لهنّ مطّلب
هو من قصيدة لعبيد الله بن قيس الرقيات يمدح بها عبد الملك بن مروان، وأولها:
عاد له من كثيرة الطّربفعينه بالدّموع تنسكب
كوفيّة نازح محلّتهالا أمم دارها ولا صقب
والله ما إن صبت إليّ ولايعلم بيني وبينها سبب
إلّا الّذي أورثت كثيرة في القلب وللحبّ سورة عجب
لا بارك الله في الغواني هليصبحن إلّا لهنّ مطّلب
أبصرن شيبا على الذّؤابة في الرّأس حديثا كأنّه العطب
فهنّ ينكرن ما رأين ولايعرف من لذّاتي اللّعب
ما ضرّها لو غدا بحاجتناغاد كريم أو رائح جنب
لم يأت من ريبة وأجشمه الحبّ، فأمسى وقلبه وصب
يا حبّذا يثرب ولذّتهامن قبل أن يهلكوا ويختربوا
وقبل أن يخرج الّذين لهمفيها الثّناء العظيم والحسب
بغت عليهم بها عشيرتهمفعوجلوا بالجزاء واطّلبوا
قوم هم الأكثرون قبض حصىفي الحيّ والأكرمون إن نسبوا
ما نقموا من بني أميّة إلّاأنّهم يحلمون إن غضبوا
وأنّهم معدن الملوك فماتصلح إلّا عليهم العرب
إنّ الفنيق الّذي أبوه أبو العاصي، عليه الوقار والحجب
خليفة الله فوق منبرهجفّت بذاك الأقلام والكتب
يعتدل التّاج فوق مفرقهعلى جبين كأنّه الذّهب
تجرّدوا يضربون باطلهمبالحقّ حتّى تبيّن الكذب
ليسوا مفاريح عند توبتهمولا مجازيع إن هم نكبوا
إن جلسوا لم تضق مجالسهموالأسد أسد العرين إن ركبوا
لم تنكح الصمّ منهم عرباوليس يؤذنهم إذا خطبوا
قال ثعلب في أماليه: حدثني عبد الله بن شبيب، حدثني زبير، حدثني عبد الله بن النضر قال: لما أحيط بمصعب بن الزبير دعا عبيد الله بن قيس فقال له: خذ من هذا المال ما أطقت وانج بنفسك! قال: ما كنت لأسأل الركبان عنك أبدا، فأقام يقاتل مع مصعب حتى إذا قتل خرج هاربا حتى دخل الكوفة، فوقف على باب فإذا امرأة، فلما نظرت إليه علمت أنه خائف، قالت: ادخل، فدخل فصعد عليّة لها، فأقام أربعة أشهر تعدو وتروح عليه بمصلحته لا تسأله من هو، ولا يسألها من هي، قال: وهي تسمع الجعيلة فيه صباح مساء. فجعل فيه ديته وأهدر دمه. فقال لها:
يا هذه، قد طربت إلى أهلي، قالت: فلا تعجل، فلما كان الليل قالت له: إذا شئت فانزل، فنزل فإذا راحلتان على أحداهما رحل وعلى الأخرى ذاملة وعبدان، قالت:
اركب، هذا دليل وهذا رحال للعبدين، فقال لها: من أنت؟ فو الله ما رأيت أكرم منك؟ قالت: أولا تعرفني؟ قال: لا والله، قالت: أنا التي تقول فيها:
عاد له من كثيرة الطّربالأبيات
ثم مضى حتى دخل المدينة فأتى أهله طروقا، فلما أن دخل عليهم بكوا وقالوا:
ما خرج الطلب من عندنا إلا بالامس، فانج بنفسك. فقدم على عبد الله بن جعفر وقال: جئتك مستجيرا، فركب إلى عبد الملك بن مروان فقال: حاجة يا أمير المؤمنين، فقال: كل حاجة لك الا عبيد الله بن قيس، قال: ما كنت أراك تحجر علىّ شيأ! قال: فكل حاجة لك مطلقة. قال: عبيد الله بن قيس، تهب لي ذنوبه، قال:
قد فعلت، ثم غدا عليه فأنشده القصيدة حتى انتهى الى قوله:
يعتدل التّاج فوق مفرقهعلى جبين كأنّه الذّهب
قال: تمدحني بما يمدح به الأعاجم، وتقول في مصعب:
إنّما مصعب شهاب من اللهتجلّت عن وجهه الظّلماء
وكان قد أعدّ له عساسا من خلنج قد ملأها ألبان البخت، يحمل العمل جماعة بحلق حتى وضعت بين يديه، قال: أين هذه من عساس مصعب حين يقول:
يلبس الجيش بالجيوش ويسقيلبن البخت في عساس الخلنج
قال: لا أين يا أمير المؤمنين، قال: ولما ذاك؟ قال: لو طرحت عساسك كلها في عس من عساس مصعب لتقلقلت داخله، قال: أبيت إلا كرما قاتلك الله، أخرج فلا تأخذ مع المسلمين عطاء أبدا. فخرج من عنده حتى لقى عبد الله بن جعفر فاخبره، فقال: عمر نفسك، فعمر نفسه أربعين سنة، فأعطاه لكل عطاء عطاءين، وقال: لا يخرج لهم عطاء الا أعطيتك مثله، فخرج من عنده وهو يقول:
تعدّت بي الشّهباء نحو ابن جعفرسواء عليها ليلها ونهارها
قال أحمد بن كامل: كثيرة التي قال فيها ابن قيس:
عاد له من كثيرة الطّرب
هي أم عبد الصمد علي بن عبد الله بن عباس. وقال الزمخشري في شرح شواهد الكتاب: حرّك الياء من الغواني للضرورة، والمطلب: التطلب، أي لا يتركن. ويجوز أن يريد أنهن يطلبن من يواصلنه لا تثبت مودتهن لأحد سريعات الصوم. ويروى: (لهن مطلب) بكسر اللام أي يطلبهن. قال ابن السيرافي: وما أحب هذه الرواية لقلة من يرويها وفيه وجه آخر رواه الأصمعي في الغواني وهل ولا ضرورة فيه على هذا، انتهى.
وأنشد:
لا همّ إن الحارث بن جبلهزنا على أبيه ثمّ قتله
وركّب الشّادخة المحجّلهوكان في جاراته لا عهد له
وأيّ أمر سيّئ لا فعله
قال التبريزي في شرح أبيات الإصلاح: الحارث بن جبلة هو الغساني.
ولا همّ، وأصله: اللهم. وزنا: أي ضيق. والشادخة: الغرّة، يكنى بها عن الأمر اليسير. وكذا المحجلة من التحجيل وهو بياض القوائم. وهم يقولون في الشيء المشهور: هو أغرّ محجل. والجارات: جمع جارة، وهنّ النساء اللاتي يجاورنه. والعهد: الذمام والحرمه. يصفه بالغدر وقلة المعروف، وإنه ضيق على أبيه ثم عدا عليه فقتله وركب الخطة الشنعاء التي تشتهر في الناس اشتهار الغرّة في الوجه، والتحجيل في القوائم. ولم يرع عهد نسائه، بل انتهك حرمتهن ولم يترك أمرا ذميما إلا ارتكبه. وقال ابن يسعون: هذا الرجز لابن العفيف العبدي أو عبد المسيح بن عسلة. قاله في الحارث بن أبي شمر الغساني الأعرج، من بني جبلة.
وكان اذا أعجبته امرأة من قيس أرسل إليها فاغتصبها حتى قال فيه بعض الكلابيين:
يا أيّها الملك المخوف أما ترىليلا وصبحا كيف يعتقبان
هل تستطيع الشّمس أن تأتي بهاليلا، وهل لك بالمليك يدان
اعلم وأيقن أنّ ملكك زائلواعلم بأنّ كما تدين تدان
وقال ابن الشجري في أماليه: قوله: زنا على أبيه، يروى بتخفيف النون وتشديدها. فمن رآه مخفففا فمعناه زنا بامرأته، ومن رآه مشددا فأصله زناء مهموز. ومعناه ضيق عليه. وهذا القول أوجه، وهي امرأة ابن السكيت.
وأنشد:
إن تغفر اللهمّ تغفر جمّاوأيّ عبد لك لا ألمّا
قال السكري في أشعار هذيل: قال الأصمعي: أخبرنا ابن أبي طرفة الهذلي قال: قال أبو خراش وهو يسعى بين الصفا والمروة، وثم شجر يومئذ:
لاهمّ هذا رابع إن تمّاأتمّه الله وقد أتمّا
إن تغفر اللهمّ تغفر جمّاوأيّ عبد لك لا ألمّا
وأبو خراش هذا اسمه خويلد بن مرّة القرددي، وقردد هو عمرو بن معاوية بن سعيد بن هذيل، وكذا قال ابن الشجري في أماليه. قال: وقوله:
(لا ألما) أي لم يلم بالذنوب. فقال ابن جرير في تفسيره: حدثنا ابن حميد: حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد في قوله تعالى: (إِلَّا اللَّمَمَ)، قال: الرجل يلم بالذنب ثم ينزع عنه. قال: وكان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت وهم يقولون:
إن تغفر اللهمّ تغفر جمّاوأيّ عبد لك لا ألمّا
وأخرج الترمذي وابن جرير والبزار وغيرهم من طريق زكريا بن أبي اسحق، عن عمرو بن دينار، وعن عطاء عن ابن عباس في قوله تعالى: (إِلَّا اللَّمَمَ)، قال:
هو الرجل يلم بالفاحشة ثم يتوب. وقال: قال رسول الله ﷺ:
إن تغفر اللهمّ تغفر جمّاوأيّ عبد لك لا ألمّا
قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.
وأنشد:
لا أعرفن ربربا حورا مدامعها
هو من قصيدة للنابغة الذبياني أوّلها:
لقد نهيت بني ذبيان عن أثروعن ترّبعهم في كلّ أصفار
وقلت: يا قوم، إنّ اللّيث منقبضعلى براثنه، للوثبة الضّاري
لا أعرفن ربربا حورا مدامعهاكأنّ أبكارها نعاج دوّار
ينظرن شزرا إلى من جاء عن عرضبأوجه منكرات الرّقّ أحرار
أقر: بضم الهمزة والقاف وراء، واد مملوء حمضا ومياها، وكان النعمان ابن الحارث قد حماه فاحتماه الناس، وتربعته بنو ذبيان، فنهاهم النعمان عن ذلك وحذرهم، فأبوا، فأرسل إليهم خيلا فأصابوهم، فقال النعمان هذه القصيدة.
وتربعهم: حلولهم زمن الربيع. وأصفار: جمع صفر. ومنقبض: مجتمع، متهيئ للوثوب. والبراثن: بمثلثة، المخالب. والضاري: صفة الليث، ومعناه المتعوّد أكل الناس. وضرب هذا مثلا للملك الذي حذر قومه. قوله: لا (أعرفن) استشهد به على نهي فعل المتكلم، وهو قليل. والربرب: القطيع من البقر، شبّه النساء من حسن العيون وسكون المشي. والحور: بضم الحاء المهملة، جمع حوراء من الحور، وهو شدّة بياض العين في شدّة سوادها. وقيل: الحور أن تسودّ العين كلها، مثل أعين الظباء والبقر. قاله أبو عمرو. قال: وليس في بني آدم حور وإنما قال للنساء: حور العين لانهنّ شبهن بالظباء والبقر. والمدامع:
العيون، وهي مواضع الدمع. والنعاج: أناث البقر. ودوّار: بضم الدال وتشديد الواو، اسم موضع باليمامة. ويروى بدل هذا الشطر:
مردفات على أعقاب أكوار
والأكوار: جمع كور، بضم الكاف، وهو الرجل بأداته. ومردفات: نصب على الحال من ربرب، قاله العيني. قلت: والأوجه أنه صفة لها لأن ربربا نكرة. قوله (عن عرض) أي عن اعتراض منكرات للرق، أي هن أحرار، فإذا سبين أنكرن الرق، يخاطب بني ذبيان، وكانوا قد أغاروا على بعض أهل الشام فنهاهم عن ذلك، ذكره الزمخشري.
وأنشد:
جاؤوا بمذق هل رأيت الذّئب قطّ
قال المبرد في الكامل: العرب تختصر التشبيه، وربما أو مأت إليه إيماء. وقال أحمد الرّجّاز:
بتنا بحسّان ومعزاة تئطّتلحس أذنيه وحينا تمتخط
ما زلت أسعى بينهم وأختبطحتّى إذا كاد الظّلام يختلط
جاؤوا بمذق هل رأيت الذّئب قطّ
يقول في لون الذئب، واللّبن إذا خلط بالماء: ضرب الى الغبرة انتهى. وحسان: مصروف وممنوع، والمعزي: بكسر الميم، من الغنم خلاف الضأن. وتئط: تصوّت، من الأطيط. وأكثر ما يستعمل في صوت الإبل والرحل. والمذق: بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وقاف، اللبن الممزوج بالماء
فيقل بياضه. وأورده ابن الشجري في أماليه بلفظ: جاؤ بضيج. وقال:
الضجيج يضرب لونه الى الخضرة والطلسة. قوله: وهل رأيت الذئب قط، جملة انشائية ظاهرة إنها صفة لمذق، وإنما توصف بالخبرية، فأوّل بإضمار القول أي بمذق. تقول عند رؤيته: هل رأيت. قال التغلبي: وفيه وجه آخر أن التقدير:
جاؤا بمذق يشابه لونه لون الذئب.
وأنشد:
فلا الجارة الدّنيا لها تلحينّها
هو من قصيدة للنّمر بن تولب أوّلها:
توّحش من أطلال جمرة مأسلفقد أقفرت منها شراء فيذبل
ودسّت رسولا من بعيد بآيةبأن حيّهم واسألهم ما تموّلوا
فحيّيت عن شحط فخير حديثناولا يأمن الأيّام إلّا المضلّل
لنا فرس من صالح الخيل نبتغيعليه عطاء الله، والله ينحل
وحمر مدمّاة كأنّ ظهورهاذرى كثب قد بلّها الطّلّ من عل
الى أن قال في وصفها:
إذا وردت ماء، وإن كان صافياحدته على دلو يعلّ وينهل
فلا الجارة الدّنيا لها تلحينّهاولا الضّيف فيها إن أناخ محوّل
ومنها
لعمري، لقد أنكرت نفسي ورابنيمع الشّيب أبدالي الّتي أتبدّل
دعاني العذارى عمّهنّ وخلتنيلي اسم فلا أدعى به وهو أوّل
وقولي إذا ما أطلقوا عن بعيرهمتلاقونه حتّى يؤوب المنخّل
فيضحى قريبا غير ذاهب غربةوأرسل أيماني ولا أتحلّل
وظلعي ولم أكسر، وإنّ ظعينتيتلفّ بنيها في الأوار وأعزل
وبطئي عن الدّاعي ولست بآخذإليه سلاحي مثل ما كنت أفعل
تدارك ما بعد الشّباب وقبلهحوادث أيّام تمرّ وأغفل
يودّ الفتى طول السّلامة والغنىفكيف ترى طول السّلامة يفعل؟
يودّ الفتى بعد اعتدال وصحّةينوء إذا رام القيام ويحمل
قوله: (توحش) يروى بدله (تأبد). وهو معناه، يقال: تأبد المنزل، أي أقفر وألفته الوحوش. وجمرة: بجيم وراء، زوجة النمر بن تولب. ومأسل: بفتح الميم والسين المهملة بينهما همزة ساكنة، رملة. وشراء: مثل حزام، موضع.
ويذبل: جبل. قوله: ودست، أي أرسلت رسولهم. وقالت اسألهم ماذا اقتنوا من المال. والآية: العلامة بيننا اذا جاء سائل ليسأل ما اقتنيت من المال. وحييت:
رددت التحية. والتشحط: البعد. وخير حديثنا: أي حالنا حسنة. وكنا لا نأمن تغير الايام ولا يأمن ذلك إلا مضلل جاهل. وينحل: بالحاء المهملة، يعطي. وحمر:
أي ولنا إبل حمر. ومتونها: ظهورها، وذي أعالي. وكثب: جمع كثيب. قد
بلها: أي لبدها. قوله: (فلا الجارة) أي جارتنا. لا تلحي إبلها: أي لا تشتمها لأنها تصب من لبنها والدنيا القريبة. وقوله: (إن أناخ) أي برك راحلته. ومحول:
من التحويل. وقوله: (تلحينها) استشهد به على دخول نون التأكيد بعد لا النافية، تشبيها لها في اللفظ بلا الناهية. قوله: (ورابني) أي أبصرت ما أنكره، تبدّلت ضعفا بعد قوّة، وبياضا بعد سواد، ومنهما بعد صحة. قوله: (دعاني العذارى) في ديوان النمر، وقول العذارى: وهو معطوف على فاعل رابني وأنشده النحاة بلفظ دعاني. والعذارى: جمع عذراء وهي الجارية التي لم يسمها رجل، وهي البكر. والغواني: جمع غانية، وهي المرأة التي غنيت بحسنها عن الزينة، وفيه شاهد على ترك تاء التأنيث للفصل. ويروى: دعا العذارى، مصدر مضاف لفاعله، والمفعول الأول محذوف، أي دعا العذارى إيّاي عمهن، ودعا: نصب بتقدير أنكرت. وروى (دعاني العذارى) على اضافته للمفعول الأول. قوله: (وخلتني) أي خلت نفسي، وفيه اتحاد الفاعل والمفعول ضميرين متصلين لمسمى واحد، وهو من خصائص أفعال القلوب. واستشهدوا به على استعمال خال بمعنى تيقن.
وجملة لي: اسم في موضع المفعول الثاني، وجملة: (وهو أول) حال. قوله:
(وقولي إذا ما أطلقوا) أي اذا أرسلوا بعيرهم، أقول لا يعود أبدا ولا يردّه أحد لما أجد في نفسي من الضعف. وقوله: (تلاقونه) على حذف لا، أي لا تلاقونه.
والمنخل: رجل مضى من غير تجني قيظا فلم يعد، وهو بضم الميم وفتح النون وتشديد الخاء المعجمة المفتوحة. قوله: فيضحي، أي البعير. وغربة: بعد. وأرسل: أي فإني أي أحلف ولا أستثني. قوله: (وظلعي ولم أكسر) أي أعمر من غير أن يصيبني كسر. قوله: (وإن ظعينتي) أي امرأته تعتزله، أي استخفت به من الكبر.
قوله: (وبطئي عن الداعي) أي المستغيث، وكلها عطف على فاعل رابني. وينوء:
أي ينهض بمشقة.
وأنشد:
يقولون: لا تبعد، وهم يدفنونني،وأين مكان البعد إلّا مكانيا
هذا من قصيدة لمالك بن الريب يرثي بها نفسه أوّلها:
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلةبجنب الغضا أزجي القلوص النّواجيا
ومنها:
ألم ترني بعت الضّلالة بالهدىوأصبحت في جيش ابن عفّان غازيا
أقول وقد حالت قوى الكرد دونناجزى الله عمرا خير ما كان جازيا
إن الله يرجعني من الغزو ولم أكنوإن قلّ مالي طالبا من ورائيا
ومنها:
ولمّا تراءت عند مرو منيّتيوحلّ بها سقمي وحانت وفاتيا
أقول لأصحابي: ارفعوني فإنّنييقرّ بعيني أن سهيل بداليا
فيا صاحبي رحلي! دنا الموت، فانزلابرابية، إنّي مقيم لياليا
أقيما عليّ اليوم أو بعض ليلةولا تعجلاني قد تبيّن مابيا
وقوما إذا ما استلّ روحي فهيّئآلي السّدر والأكفان عند وفاتيا
ولا تحسداني بارك الله فيكمامن الأرض ذات العرض أن توسعا ليا
إلى أن قال:
وقوما على بئر الشّبيك فأسمعابها الحيّ والبيض الحسان الرّوانيا
بأنّكما خلّفتماني بقفرةتهيل عليّ الرّيح فيها السّوافيا
يقولون لا تبعد وهم يدفنوننيوأين مكان البعد إلّا مكانيا
غداة غد، يا لهف نفسي على غدإذا أدلجوا عنّي، وأصبحت ثاويا
وأصبح مالي من طريف وتالدلغيري وكان المال بالأمس ماليا
قال القالي في أماليه: قال أبو عبيدة: لما ولّى معاوية سعيد بن عثمان ابن عفّان خراسان، سار فيمن معه فأخذ
طريق فارس، فلقيه بها مالك بن الرّيب ابن حوط بن قرط بن حلّ بن ربيعة بن حرقوص بن مازن بن مالك بن عمرو ابن تميم، وكان مالك فيمن ذكروا من أجمل العرب جمالا وأبينهم بيانا، فلما رآه سعيد أعجبه، فقال له: ويحك يا مالك! ما الذي يدعوك إلى ما يبلغني عنك من العداء وقطع الطريق؟ فقال: أصلح الله الأمير، العجز عن مكافأة الإخوان. قال: فإن أغنيتك واستصحبتك أيكفّك ذلك عسا تفعل وتبتغي؟
قال: نعم، فاستصحبه وأجرى عليه خمسمائة دينار في كل شهر، وكان معه حتى قتل سعيد، ومكث مالك بخراسان حتى هلك هناك. فقال هذه القصيدة يذكر مرضه وغربته. وقال بعضهم: بل مات في غز وسعيد، طعن فسقط وهو بآخر رمق.
وقال بعضهم: بل مات في خان، فرثته الجنّ لما رأت من غربته ووحدته، ووضعت الجنّ القصيدة تحت رأسه، فالله أعلم أيّ ذلك كان، انتهى.
ثم قال القالي: الغضا شجر ينبت في الرمل ولا يكون غضاء إلا في الرمل.
وأزجي: أسوق. والنواجي: السراع. وقوله:
ألم ترني بعت الضّلالة بالهدى
يقول: بعت ما كنت فيه من الفتك والضلالة بأن سرت في جيش سعيد بن عثمان بن عفان. وقوله: (يقرّ بعيني أن سهيلا) لا يرى بناحية خراسان، فيقول:
ارفعوني لعلي أراه فتقرّ عيني لأنه يراه من بلده. والرواني: النواظر. وتهيل:
تثير. والسوافي: ما جازت الريح الى أصول الحيطان. والثاوي: المقيم.
والطريف والطارف: المال المستحدث. والتالد والتليد: العتيق الموروث.
وأنشد:
فلا تشلل يدا فتكت بعمروفإنّك لن تذلّ ولن تضاما
قال أبو زيد في نوادره: هذا الرجل من بكر بن وائل جاهلي، وأورده بلفظ:
ولن تلاما. وبعده:
وجدنا آل مرّة حين خفناجريرتنا هم الأنف الكراما
ويسرح جارهم من حيث أمسىكأنّ عليه مؤتنفا حراما
قال الجرمي: يدا لا تشلل. ثم أقبل على صاحب اليد يخاطبه فقال: فانك لن تذل. وقال أبو زيد: أي لا أشلها الله، يقال: شلّت يده، ولا يقال شلت ولكن أشلّت. ويقال فتكت به أفتك فتكا وفتكا إذا وثبت به من غير أن يعلم فقتلته أو قطعت منه شيئا. والجريرة: ما جروا على أنفسهم من الذنوب، وجمعها جرائر.
والأنف الذين يأنفون من احتمال الضيم. ويسرح: أي يرسل ماشيته في المرعى.
وقوله: (من حيث أمسى) أي لأمنه في موضعه. ومؤتنف: من الأنف الذي لم يرع جعل له وحرم على غيره. وقال أبو سعيد السكري: قوله: مؤتنفا حراما، يريد شهرا حراما فلا يهاج فيه، أي هو من الأمن كأنه في شهر حرام. قال: وفي مؤتنفا بكسر النون، فان لم يكن غلطا فإنه أراد كان عليه وهو مؤتنف مستأنف شهرا حراما.
نصب مؤتنفا على الحال، انتهى.
وأنشد:
إذا ما خرجنا من دمشق فلا نعدلها أبدا ما دام فيها الجراضم
عزاه المصنف للفرزدق. وقال أبو عبد الله المفجع في كتابه المسمى بالمنقذ:
هو للوليد بن عقبة يعرض بمعاوية، وبعده:
بصير بما في الطّبل بالبقل عالمجروز لما التفّت عليه اللهازم
أراد بالجراضم معاوية، لأنه كان كثير الأكل جدا. وهو بضم الجيم:
الأكول الواسع البطن، وكذلك الجرضم. والطبل: السلة التي يجعل فيها الطعام.
وجروز: بفتح الجيم وضم الراء، آخره زاي، معناه: آكل لما بين يديه. واللهازم:
جمع لهزمة وهي الأشداق. والبيت استشهد به على جزم فعل المتكلم بلا الناهية، وهو قليل.
وأنشد:
وتلحينني في اللهو أن لا أحبّهوللهو داع دائب غير غافل
عزاه المبرد في الكامل للأحوص، وقبله.
ألا يا لقومي قد أشطّت عواذليويزعمن أن أودى بحقّي باطلي
وأنشد:
أبى جوده لا البخل واستعجلت بهنعم من فتى لا يمنع الجود قاتله
قال الزمخشري في أحاجيه: هذا المبنى غامض المعنى وما رأيت أحدا فسره.
وحكي يونس عن أبي عمرو بن العلاء: إنه جرّ البخل بإضافة لا إليه. وقال السخاوي: هذا البيت أورده أبو علي بنصب البخل، وزعم أنه مفعول أبي، وإن (لا) زائدة. وحكي ذلك عن أبي الحسن الأخفش قال: وأما بقية البيت فلم يفسره وهو مشكل جدا. وأقول في معناه: إنه مدح لكريم أبي لجوده أن ينطق بلا التي للبخل، أي التي يقولها البخيل، واستعجلت بجوده لا، أي سبقت نعم لا كما قال:
واستعجلونا وكانوا من صحابتناكما تعجّل فرّاط لورّاد
أي سبقونا وتقدمونا، أي أن نعم استعجلت لا، أي سبقتها، صادرة من فتى لا يمنع. والهاء في قائله تعود على نعم، أي قائل نعم يمنع الجود، ثم قال:
وقوله: (لا يمنع الجود قاتله) أراد الجود، وإن قتله لا يمنعه، فقاتله منصوب على الحال، أي لا يمنع الجود في حال قتله إياه لأن الجود يفقره. وقد قال: الفقر هو الموت الأحمر. قال: ويجوز أن ينتصب قاتله على أنه مفعول، أي أنه لا يمنع من يريد أن يقتله الجود بذلك عليه كما قال:
ولو لم يكن في كفّه غير نفسهلجاد بها، فليتّق الله سائله
قال: ويجوز أن يكون معنى قاتله من قتل، من يكرم عليه لأن فاعل ذلك قاتل له، ومع ذلك فلا يمنعه ذلك أن يجود عليه، وقد قال الله: (فإن قاتِلُوهُمْ). ولا يصح أن يكون هذان البيتان في شعر واحد، لأن الأوّل مرفوع القافية، والثاني منصوبها، بل يجوز أن يكون الثاني بيتا آخر في شعر آخر وقد وقع ذلك للشعراء كثيرا، انتهى.
وأنشد:
لا وأبيك ابنة العامريّ لا يدّعي القوم أنّي أفرّ
هو من قصيدة لامرئ القيس بن حجر فيما ذكر أبو عمرو والمفضل وغيرهما. وزعم أبو حاتم أنها لرجل من النّمر بن قاسط يقال له ربيعة بن جشم، وأوّلها:
أحار بن عمرو كأنّي خمرويعدو على المرء ما يأتمر
لا وأبيك ابنة العامريّ لا يدّعي القوم أنّي أفرّ
تميم بن مرّ وأشياعهاوكندة حولي جميعا صبر
إذا ركبوا الخيل واستلأمواتحرّقت الأرض واليوم قرّ
الى أن قال:
وهرّ تصيد قلوب الرّجال وأفلت منها ابن عمر وحجر
رمتني بسهم أصاب الفؤاد غداة الرّحيل فلم أنتصر
برهرهة رؤدة رخصةكخرعوبة البانة المنفطر
فتور القيام، قطيع الكلامتفترّ عن ذي غروب خصر
فبتّ أكابد ليل التّماموالقلب من خشية مقشعرّ
فلمّا دنوت تسدّيتهافثوبا نسيت وثوبا أجرّ
ولم يرنا كاليء كاشحولم يفش ممّا لدى الباب سرّ
ومنها:
وأركب في الرّوع خيفانةكسا وجهها سعف منتشر
لها حافر مثل قعب الوليدركّب فيه وظيف عجر
لها ثنن كخوافي العقابأسود يفين إذا تزبئزّ
وساقان كعباهما أصمعانلحم حانيهما منبتر
لها عجز كصفاة المسيلأبرز عنها جحاف مضرّ
لها ذنب مثل ذيل العروستسدّ به فرجها من دبر
لها متنتان خظاتا كماأكبّ على ساعديه النّمر
لها عذر كقرون النّساءركّبن في يوم ريح وصرّ
وسالفة كسحوق اللّيانأضرم فيها الوليد السّعر
لها جبهة كمرآة المجنّحذّقة الصّانع المقتدر
لها منخر كوجار السّباعفمنه تريح إذا تنبهر
وعين لها حدرة بدرةسقت مآقيهما من أخر
قوله: حار: مرخم حارث. وخمر: بفتح الخاء وكسر الميم، الذي يخالطه داء أو سكر. ويعدو: يرجع. ما يأتمر: ما يريد أن يوقعه بغيره. وقيل: (ما) مصدريه، أي: ويعدو على الرجل ائتماره أمرا ليس برشد، فكأنه يعدو عليه ويهلكه. والواو استئنافية أو للتعليل على رأي من أثبته أي: كأني خامرني داء لأجل عدوان. الائتمار، أمر ليس برشد. وأورد ابن أم قاسم في شرح الألفية هذا المصراع شاهدا على التنوين الغالي بلفظ: ما يأتمرن وكذا خمرن. قوله:
(لا وأبيك): أي وحق أبيك. والعامريّ: وهو سلامة بن عبد الله بن عليم.
وتميم: بدل من القوم، أو عطف بيان. وصبر: بضمتين، جمع صابر.
واستلأموا: أي لبسوا اللأمة، وهي الدرع. وتحرقت: بحاء مهملة، اشتعلت من شدة الحرب. وقر: أي بارد. وهر: جارية، وهي ابنة العامري. وحجر:
أبو امرئ القيس، ضم جيمه اتباعا. وبرهرهة: رقيقة الجلد. وقال الأصمعي:
هي الممتلئة المترجرجة. ورخصة: ناعمة. والرّؤدة: بضم الراء، الشابة الناعمة.
والخرعوبة: بضم الخاء، القضيب الرخص. والبانة: شجر معروف. والمنفطر:
الذي ينفطر بالورق، وهو ألين ما يكون وأشده تثنيا حين يجري فيه الماء، ويورق بعضه. ولم يقل: المنفطر، لأنه ردّه على القضيب. وقوله: (فتور القيام) لثقل عجيرتها. قطيع الكلام: لكثرة حيائها. وتفتر: تبدي أسنانها ضاحكة. وغروب السنّ: حدّها. وخصر: بفتح الخاء وكسر الصاد، بارد. وأكابد: أقاسي.
وليل التّمام: بكسر التاء، أطول الليل. ودنوت: قربت. تسدّيتها: علوتها وركبتها. وقوله:
فثوبا نسيت وثوبا أجرّ
يروى: فثوب بالرفع، وقد أورده المصنف في الكتاب الرابع. ويروى صدره:
فأقبلت زحفا على الرّكبتين
قال الزمخشري: يريد أنه اجتهد في الوصول إليها في الليل الطويل، وقاسى شدة من خوف رقبائها فزحف على ركبتيه حتى وصل إليها، ونسي بعض ثيابه عندها، لأنها ذهبت بفؤاده، فلم يدر كيف خرج من عندها. وكاليء: حارس.
وكاشح: عدوّ. ويفش: يظهر. والرّوع: الفزع. وخيفانة: أي فرس
خفيفة شبهها بالجرادة. وسعف: بمهملتين وفاء، شعر الناصية، شبهه بسعف النخله، قاله ابن قتيبة. ومنتشر: متفرّق. وقد أورد المصنف هذا البيت في آخر الكتاب الرابع. وقعب: قدر صغير. والوليد: الصبي. والوظيف: بمعجمة، ما فوق الحافر. وعجر: غليظ. وثنن: بمثلثة، ونونين، الشعر الذي حول مؤخر الحافر. والخوافي: ريش في الجناح. ويعنن: بلا همز، يكثرن وتزبئر:
بزاي ثم موحدة وهمزة وراء، تتنفس. وأصمعان: صغيران. وقال ابن قتيبة:
الصمع: اللزوق، يريد أنهما ليستا برهلتي المفاصل. وحمانيهما: عضلتا الساقين.
ومنبتر: منقطع من الشدة. وعجز: كفل. وصفاة: الصخرة الملساء. قال ابن قتيبة: يريد أن عجزها ملساء ليس بها فرق، والفرق إشراف إحدى الوركين على الأخرى، وذلك عيب. والمسيل: مجرى السيل. وأبرز: كشف. وجحاف:
بجيم مضمومة ثم حاء مهملة وفاء، سيل عظيم. ومضر: يقلع كل ما يمرّ به.
وقال ابن قتيبة: جحاف: بالكسر، مجاحفة السيل الصخرة. ومضرّ: دان متقارب. والذيل: آخر الثوب. ومتنتان:
جانب الصلب. وحظاتا: بالظاء المعجمة، كثيرتا اللحم. قال ابن قتيبة: وفيه قولان، أحدهما: أنه أراد حظاتان: فحذف نون التثنية، يقال: مت حظاه. والثاني: إنه أراد حظتا أي ارتفعتا، فاضطر فزاد ألفا.
قال: والقول الأول أجود. وقوله: كما أكب: يريد كأن فوق متنها نمرا باركا.
وأكب: برك. وعذر: شعر الناصية. وقال ابن قتيبة: ذوائب وقرون النواصي.
وصرّ: برد. وسالفة: جانب العنق. وسحوق: طويلة. والليان: بكسر اللام وتحتية ونون، النخل، الواحدة، لينة. وأضرم: أوقد. والسعر: النار. وسراة:
ظهر. والمجنّ: الترس، مدحها بسعة الجبهة. وحذّقه: صنعه بحذق. وو جار:
بفتح الواو وكسرها وجيم وراء، حجر، شبه المنخل بحجر السبع لسعته. قال ابن قتيبة: وتريح: تتنفس. وتبتهر: تضيق نفسها. وحدرة: عظيمة. وبدرة: تبدر بالنظر. والمآقي: مؤخر العينين. وأخر: بمعنى آخرهما.
النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع