من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
الكتاب الخامس
وأنشد:
لا يبعد الله التّلبّب والغارات إذ قال الخميس نعم
هو من قصيدة للمرقش الأكبر، واسمه عمرو وقيل عوف بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن ثعلبة. وأول القصيدة:
هل بالدّيار أن تجيب صمملو كان رسما ناطقا كلّم
الدّار قفر والرّسوم كمارقّش في ظهر الأديم قلم
وبهذا البيت سمي مرقشا. ومنها:
النّشر مسك والوجوه دنانير وأطراف الأكفّ عنم
ومنها:
ليس على طول الحياة ندمومن وراء المرء ما يعلم
يهلك والد ويخلف مولود وكلّ ذي أب يلتم
وبعده البيت:
والعدو بين المجلسين إذاولّى العشيّ وقد تنادى العمّ
فائدة:
قال الأموي: المرقش هذا هو الأكبر، وأما المرقش الأصغر فهو ابن أخي المرقش الأكبر، اسمه ربيعة بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة.
والمرقش الأصغر عم طرفة بن العبد. ولهم مرقس، بفتح الميم والقاف وسين مهملة، طائي أحد بني معن بن عبود، واسمه عبد الرحمن. ولهم يرقش، بالياء، شاعر تميمي مدح العباس.
وأنشد:
تقيّ نقيّ لم يكثّر غنيمةبنهكة ذي قربى ولا بحقلّد
تقدّم شرحه في شواهد لو.
وأنشد:
يبسط للأضياف وجها رحبابسط ذراعيه بعظم كلبا
وأنشد:
تركت بنا لوحا ولو شئت جاءنابعيد الكرى ثلج بكرمان ناصح
هذا من قصيدة لجرير يمدح بها عبد العزيز بن مروان، أولها:
أربّت بعينيك الدّموع السّوافحفلا العهد منسيّ ولا الرّبع نازح
وقبل هذا البيت:
منعت شفاء النّفس ممّن تركتهبه كالجوى ممّا تجنّ الجوانح
وبعده:
رأيت مثيل البرق تحسب أنّهقريب وأدنى صوبه منك نازح
ومنها:
مدحناك يا عبد العزيز وطالمامدحت فلم يبلغ فعالك مادح
تفدّيك بالآباء في كلّ موطنشباب قريش والكهول الجحاجح
والأرباب: الاقامة. واللزوم: للشيء. واللوح: العطش، يقال: لاح يلوح لوحا بالفتح، إذا عطش، وأمّا لاح بمعنى لمع ظهر فمصدره لواح، شبه ثغرها لبياضه بالثلج. وناصح: خالص البياض ناصح. وأضافه إلى كرمان لأنها بلاد ثلج.
وأنشد:
أفنى تلادي وما جمّعت من نشبقرع القوارير أفواه الأباريق
هذا للأقيشر، واسمه المغيرة بن الأسود الأسدي. وقبله:
أقول والكأس في كفّى أقلّبهاأخاطب الصّيد أبناء العماليق
لا تشربن أبدا راحا مسوّدةإلّا مع الشّمّ أبناء البطاريق
الصيد: بالكسر، جمع أصيد، وهو الملك الذي لا يلتفت الى غيره. والراح:
الخمر. والمسودة: المتوالية. والشم: جمع أشم، مأخوذ من الشمم في الأنف.
ويروى بدله: (الغرّ) جمع أغرّ، والبطاريق: كبار الروم، الواحد بطريق.
والتلاد: المال القديم. والنشب: بالمعجمة، المال الأصيل. والقوارير: جمع قارورة. ويروى: القواقيز، بقافين وزاي جمع قاقوزة، وهي أوان يشرب بها.
وأفواه: يروى بالرفع فاعلا، وبالنصب مفعولا، لأن من قرعك فقد قرعته.
والأباريق: جمع ابريق. والبيت استشهد به على إضافة المصدر الى مفعوله على الأولى، والى فاعله على الثانية.
وأنشد:
أظلوم؟ إنّ مصابكم رجلاأهدى السّلام تحيّة ظلم
هو للعرجى، كذا قال الحريري في درة الغواص وغيره. وقال العيني:
الصحيح انه للحارث بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله المخزومي، وكذا في الاغاني من قصيدة أوّلها:
أقوى من آل ظليمة الحرمفالعيرتان فأوحش الحطم
وبعد هذا البيت:
أقصيته وأردت سلمكمفليهنه إذ جاءك السّلم
ومنها:
لفّاء ممكور مخلخلهاعجراء ليس لعظمها حجم
خمصانة قلق مرشّحهارود الشّباب علابها عظم
أقوى: خلا. وظليمة: تصغير ظلمة، وهي أم عمران زوجة عبد الله بن مطيع. وكان الحارث يتشبب بها ولما مات زوجها تزوّجها بعده. والحرم: بضم الحاء، موضع. وكذا العيرتان بفتح العين المهملة وسكون التحتية. والحطم:
بضم الحاء وسكون الطاء المهملتين كلاهما موضعان. ولفاء: ضخمة الفخذين مكتنزة. ومخلخلها: موضع خلخالها، وهو الساق. يقال: امرأة ممكورة الساقين أي حدلاء. وعجراء، بمهملة وجيم وراء، سمينة، كذا قاله العيني. ورأيته في الأغاني بالزاي. وخمصانة: بضم الخاء المعجمة ضامرة البطن. ورود الشباب:
حسنته. والرادة: الشابة الناعمة. والعلاب، بكسر المهملة، وسم في طول العنق.
ويقال: علب اللحم، اذا اشتدّ. قوله: أظلوم، يروى: (أظليم) وهو الصحيح، وهو مرخم ظليمة. ومصابكم: مصدر ميمي بمعنى أصابتكم، وقد عمل عمل الفعل فأضيف الى فاعله. ورجلا: مفعول. والبيت استشهد به المصنف على ذلك.
ومصابكم، اسم إن والخبر ظلم. وجملة: أهدى السلام، صفة رجلا، وتحية مصدر أهدى السلام من باب قعدت
جلوسا.
قال الصولي في كتاب الأوراق: حدّثنا القاسم بن إبراهيم وعون بن محمد وعبد الواحد بن عباس والطيب بن محمد بن يزيد، بعضهم عن بعض، قالوا: حدّثنا أبو عثمان المازني قال: كان سبب طلب الواثق لي أن مخارقا غنى في مجلسه:
أظليم إنّ مصابكم رجلاأهدى السّلام إليكم ظلم
فقال مخارق: (رجل) فتابعه بعض من حضر وخالفه الباقون، فسأل الواثق عمن بقي من النحويين فذكرت له، فأمر بحملي، فلما دخلت إليه وسلمت عليه قال لي:
ممن الرجل؟ فقلت: من بني مازن. قال: من مازن تميم أم مازن قيس أم مازن يمن. قلت: من مازن ربيعة. قال لي: ما اسبك. وهي لغة كثيرة في قومنا، فقلت، على القياس: أبي بكر. فضحك وقال: اجلس، واطمئن فسألني عن البيت فأنشدته:
إنّ مصابكم رجلا. فقال: أين خبر أن. قلت: ظلم الحرف الذي في آخر البيت. أما ترى يا أمير المؤمنين أن البيت كله مغلق لا معنى له حتى يتم بهذا الحرف، إذا قال:
أظليم إنّ مصابكم رجلاأهدى السّلام إليكم
فكأنه ما أفاد شيأ حتى يقول ظلم. قال: صدقت، قال: ألك ولد؟ قلت: بنية لا غير. قال: فما قالت حين ودّعتها؟ قلت: أنشدت شعر الأعشى:
تقول ابنتي حين جدّ الرّحيلوإنّا سواء ومن قد يتم
أبانا فلا رمت من عندنافإنّا بخير إذا لم ترم
أرانا إذا أضمرتك البلاد نجفى وتقطع منّا الرّحم
قال: فما قلت لها. قلت: ما قال جرير:
ثقي بالله ليس له شريكومن عند الخليفة بالنّجاح
قال: ثق بالنجاح إن شاء الله، إن ههنا قوما يختلفون الى أولادنا فامتحنهم، فمن كان عالما ينتفع به ألزمناه إياهم،
ومن كان بغير هذه الصفة قطعناه عنهم، فاجمعوا اليّ، فامتحنتهم، فما وجدت طائلا فحذروا ناحيتي، فقلت: لا بأس على أحد. فلما رجعت، قال: كيف رأيتهم؟ قلت: يفضل بعضهم بعضا في علوم، ويفضل الباقون في غيرها، وكل يحتاج إليه. فقال: إني خاطبت منهم واحدا فكان على غاية الجهل في خطابه! قلت: يا أمير المؤمنين، أكثر من تقدّم منهم بهذه الصفة، ولقد أنشدت فيهم:
إنّ المعلّم لا يزال مضعّفاولو اعتلى فوق السّما بلواء
من علّم الصّبيان أصبوا عقلهحتّى بني الخلفاء والأمراء
فأعجبه ذلك وأمر لي بألف دينار. أخرجه في الأغاني من طريق الصولي.
وأنشد:
وهنّ وقوف ينتظرن قضاءهبضاحي غداة أمره وهو ضامر
هو للشماخ، وقبله:
كأنّ قتودي فوق جائب مطردمن الحقب لاحته الجداد العواذر
طوى ظمئها في جمرة القيظ بعد ماجرت في عنان الشّعرتين الأماغر
ديوانه، وانظر حاشية الامير.
فظلّت بأعراف كأنّ عيونهاإلى الشّمس هل تدنو ركىّ نواكر
وهنّ وقوف ينتظرن قضاءهبضاحي عداة أمره وهو ضامر
فلمّا رأين الورد منه عزيمةمضين ولاقاهنّ خلّ مجاور
القتود: أداة الرحل وأعواده. والجائب: الحمار الغليظ. والمطرد: مفعل من الطرد، وهو مطاردة الصائد اياه. والحقب: جمع أحقب، وهو الحمار الأبيض الحقوين. ولاحته: غيرته. والجداد: اليابسات اللبن، واحدها جدود. والعواذر:
القليلات اللبن، واحدها عاذر. والظمؤ: مدّة بقاء الحمار بلا شرب. وجمرة القيظ:
أحرّ القيظ وأشدّه. والقيظ: صميم الحرّ. وعنان الشعرتين أوّل حرّهما.
والشعرتان: كوكبان، يقال لاحدهما العميصاء، وللأخرى اليمانية، وهي العبور.
والأماغر: جمع أمغر، وهي الأرض الغليظة ذات الحجارة. وجرى الأماغر ههنا سيلانها، وهو كناية عن السراب. وظلت: أقامت. والأعراف: ظهور الرمال، واحدها عرف. والركى الآبار، واحدها ركية. والنواكر: الغوائر التي جف أكثر مائها. والضاحي: البارز من الأرض للضحى، وهو الشمس. والعداة: الأرض الكريمة الطيبة. والضامر: الساكت. والورد: طلب الماء. والخل: الطريق في الرمل. والمجاور: النافذ الى غيره.
فائدة:
الشماخ، اسمه معقل، وقيل الهشيم بن ضرار بن سنان. وقيل ابن حرملة الذبياني، صحابي. وهو وأخوه مزرد شاعر أيضا، وكذا أخوه جزء. قال الحطيئة في وصيته: أبلغوا الشماخ أنه أشعر غطفان.
وأنشد:
أتقرح أكباد المحبّين كالّذيأرى كبدي من حبّ بثنة يقرح
هو من قصيدة لجميل أوّلها:
أمن آل ليلى تغتدي أم تروّحوللمغتدي أمضى هموما وأسرح
ومنها:
إذا أنت لم تظفر بشيء طلبتهفبعض التّأنّي في اللّبانة أنجح
فو الله ما يدري جميل بن معمرأليلى بقوّ أم بثينة أنزح
وكلتاهما أمست ومن دون أهلهالعوج المطايا والقصائد مسبح
سلوا الواحدين المخبرين عن الهوىوذو البثّ أحيانا يبوح فيصرح
أتقرح أكباد المحبّين كالّذيأرى كبدي من حبّ بثنة يقرح
أسرح: أعجل. والتأبي: الرفق. واللبانة: الحاجة. والعوج: الضوامر.
ومسبح: مذهب بعيد.
وأنشد:
إذا شاؤوا أضرّوا من أرادواولا يألوهم أحد ضرارا
وأنشد:
إنّك إن يصرع أخوك تصرع
هو لجرير بن عبد الله البجلي. وقال الصغاني: هو لعمرو بن جثارم العجلي وصدره:
يا أقرع بن حابس يا أقرع
والبيت استشهد به على رفع جزاء الشرط مع كون فعل الشرط مضارعا، وخرج على انه ليس بالجواب بل خبر إن. وجملة الشرط وقعت حشوا بين أن وخبرها، والجواب محذوف لدلالة الخبر عليه.
وأنشد:
خليليّ ما واف بعهدي أنتما
لم يسم قائله. وتمامه:
إذا لم تكونا لي على من أقاطع
قوله: أقاطع من قاطع أخاه وقطعه.
وأنشد:
وحبّذا نفحات من يمانية
تقدّم شرحه في حرف الميم ضمن قصيدة جرير.
وأنشد:
ألا حبّذا لولا الحياء وربّمامنحت الهوى ما ليس بالمتقارب
هو لمرّار بن همّاس الطائي، ويقال لمرداس بن همّاس. وقبله:
هويتك حتّى كاد يقتلني الهوىوزرتك حتّى لا مني كلّ صاحب
وحتّى رأى منّي أعاديك رقّةعليك، ولولا أنت مالان جانبي
قال أبو العلاء: تقدير البيت: ألا حبذا ذكر هذه النساء لولا أنني أستحيي أن أذكرهنّ. فألا: للتنبيه. وحبذا: كلمة المدح. وقوله: (وربما .. الخ) أي وربما منحت هواي ما لا مطمع في دنوّه. ويروى: من ليس، أي ربما أحببت من لا ينصفني ولا مطمع فيه، فما أو من موصولة مفعول ثان لمنحت، وجملة ليس بالمتقارب صلتها. والبيت استشهد به على حذف المخصوص بالمدح كما تقدّم تقريره.
وأنشد:
وإن مدّت الأيدي إلى الزّاد لم أكنبأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل
هذا من قصيدة للشنفرى الأزدي وأوّلها:
أقيموا بني عمّي صدور مطيّكمفإنّي إلى أهل سواكم لأميل
فقد حمّت الحاجات واللّيل مقمروشدّت لطيّات مطايا وأرحل
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذىوفيها لمن خاف القلى متحوّل
لعمرك ما في الأرض ضيق على امرئسرى راغبا أو راهبا وهو يعقل
حمت الحاجات: أي قدّرت. والطيات: جمع طية، وهي الحاجة. والمطايا:
جمع مطية. والأرحل: جمع رحل البيت. ومنأى: مفعل من النأي، وهو البعد.
والقلى: بكسر القاف، البغض والعداوة. والأجشع: بجيم وشين معجمة وعين مهملة، أفعل من الجشع، وهو الحرص على الأكل، وفعله جشع بالكسر. ومن أبيات هذه القصيدة قوله:
لئن كان من جنّ لأبرح طارقاوإن يك إنسا ماكها الإنس تفعل
وقد استشهد به النحاة على جر الكاف الضمير شذوذا.
وأنشد:
إذا كانت الهيجاء وانشقّت العصافحسبك والضّحّاك سيف مهنّد
قال ابن يسعون في شرح شواهد الايضاح: العصا هنا: الجماعة. ضرب انشقاق العصا مثلا في اختلاف الأقوام لهول المقام، وإن الضحاك فيه أعني حسام، وإنما ضرب المثل بها لقلة جدائها عند افتراق أجزائها. قال: والبيت استشهد به الفارسي على مدّ الهيجاء. قال: ويروى الضحاك بالرفع والنصب والجر. فالرفع على انه مبتدأ خبره سيف وخبر حسبك محذوف لدلالة الكلام عليه، لأنه في معنى الأمر، أي فلتكثر ولتشق، والضحاك سيفك الأوثق. والنصب على أنه مفعول معه مبتدأ وسيف خبره. والمعنى: كافيك سيف مع صحبة الضحاك وحضوره، أي حضور هذا السيف المغني عن سواه. والجر على أن الواو واو قسم أو عطفا على الكاف في حسبك. قال: وكلاهما مخالف للمعنى، لأن القصد الإخبار بأن الضحاك نفسه هو السيف الكافي لا الاخبار بأن المخاطب يكفيه ويكفي الضحاك سيف.
وأنشد:
ها بيّنا ذا صريح النّصح فاصغ له
وأنشد:
خرجت بها أمشي تجرّ وراءنا
هو من معلقة امرئ القيس، وقد تقدّم شرحه في شواهد لو.
وأنشد:
عهدت سعاد ذات هوى معنّىفزدت، وعاد سلوانا هواها
لم يسم قائله. والمعنّى: الأسير في الحب، من عناه يعنيه. والعاني: الأسير.
وسلوان: بضم السين، بمعنى السلوة. قال الأصمعي: يقول الرجل لصاحبه سقيتني سلوة وسلوانا، أي طيبت
نفسي عنك. ويقال: السلوان دواء يسقاه الحزين فيسلو. ومعنى البيت: أنه لما كان مغرما بها كانت خالية، فلما زاد سلوانا زادت هي غراما. وقوله: ذات هوى: حال من المفعول، وهو سعاد. ومعنى: حال من الفاعل في عهدت.
وأنشد:
ومن يقترب منّا ويخضع نؤوه
لم يسم قائله. وتمامه:
ولا يخش ظلما ما أقام ولا هضما
نؤوه: من آواه يؤويه ايواء. والهضم: الظلم، وقوله: ويخضع بالنصب
بإضمار أن بعد الواو العاطفة على الشرط قبل الجواب.
وأنشد:
تمنّى ابنتاي أن يعيش أبوهما
هو للبيد من أبيات قالها قرب وفاته وتمامه:
وهل أنا إلّا من ربيعة أو مضرفقوما فقولا بالّذي تعلمانه
ولا تخمشا وجها وتحلقا شعروقولا هو المرء الّذي لا صديقه
أضاع ولا خان الخليل ولا غدرإلى الحول ثمّ اسم السّلام عليكما
ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
قوله: الى الحول متعلق بقولا. وقوله: ثم اسم السلام عليكما، كناية عن الأمر بترك ما كان قد أمرهما به من القول والبكاء. ولفظ اسم مقحمة. والمعنى:
ثم السلام. وقد استشهد به البيضاوي في تفسيره، وابن أم قاسم في شرحه على ذلك.
وأنشد:
من الرّقش في أنيابها السّمّ ناقع
تقدم شرحه في الكتاب الثاني ضمن قصيدة النابغة.
وأنشد:
ولست بالأكثر منهم حصىوإنّما العزّة للكاثر
هذا من قصيدة للأعشى ميمون يهجو بها علقمة بن علاثة ويمدح عامر بن الطفيل، وأوّلها:
شاقتك من نبلة أطلالهابالشّطّ فالوتر إلى حاجر
فركز مهراس إلى مادرفقاع منفوحة ذي الحائر
دار لها غيّر آياتهاكلّ ملثّ صوبه ماطر
وقد رآها وسط أترابهافي الحيّ ذي البهجة والسّامر
إذ هي مثل الغصن ميّالةتروق عيني ذي الحجى الزّائر
كبيعة صوّر محرابهامذهّب ذي مرمر مائر
أو بيضة في الدّعص مكنونةأو درّة سيقت لدى تاجر
قد حجم الثّدي على صدرهافي مشرق ذي بهجة نائر
يشفي غليل الصّدر لاه بهاحوراء تصبي نظر النّاظر
ليست بسوداء ولا عنفصتسارق الطّرف إلى الدّاعر
عهدي بها في الحيّ قد سربلتصفراء مثل المهرة الضّامر
عبهرة الخلق لباخيّةتزّينه بالخلق الطّاهر
لو أسندت ميتا إلى نحرهاعاش ولم ينقل إلى قابر
حتّى يقول النّاس ممّا رأوايا عجبا للميّت النّاشر
دعها فقد أعذرت في ذكرهاواذكر خنا علقمة الخاتر
أسفها أم عدت يا ابن استهالست على الأعداء بالقادر
يحلف بالله لئن جاءهعنّي ثنا من سامع خابر
ليجعلنيّ ضحكة بعدهاجدّعت يا علقم من ناذر
ليأتينه منطق فاحشمستوثق للسّامع الآثر
عضّ بما أبقى المواسي لهمن أمّه في الزّمن الغابر
وكنّ قد أبقين منه أذىعند الملاقي وافر الشّافر
لا تحسبنّي عنكم غافلافلست بالواني ولا الفاتر
فارغم فإنّي طبن عالمأقطع من شقشقة الهادر
حولي ذوو الآكال من وائلكاللّيل من باد ومن حاضر
المطعمون الضّيف لمّا شتواوالجاعلو القوّة على الياسر
من كلّ كوماء سجوف إذاجفّت من اللّحم مدى الجازر
هم يطردون الفقر عن جارهمحتّى يرى كالغصن الزّاهر
كم فيهم من شطبة خيفقوسابح ذي ميعة ضامر
وكلّ جوب مترص صنعهوصادق أكعبه حادر
وكلّ مرنان لها أزملوصارم ذي هبّة باتر
وفيلق شهباء ملمومةتقصف بالدّارع والحاسر
باسلة الوقع سرابيلهابيض إلى أقربها الطّاهر
فانظر إلى كفّ وأسرارهاهل أنت إن أوعدتني ضائر
إنّي رأيت الحرب إذ شمّرتدارت بك الحرب مع الدّائر
يا عجبا للدّهر إذ سويّاكم ضاحك منكم وكم ساخر
إنّ الّذي فيه تماروننابيّن للسّامع والنّاظر
ما جعل الجدّ الظّنون الّذيجنّب غيث اللّجب السّاطر
مثل الفراتيّ إذا ما طمايقذف بالنّوصيّ والماهر
أقول لمّا جاءني فخرهسبحان من علقمة الفاجر
علقم لا تسفه ولا تجعلنعرضك للوارد والصّادر
أؤوّل الحكم على وجههليس قضائي بالهوى الجائر
حكّمتموه فقضى بينكمأبلج مثل القمر الزّاهر
لا يأخذ الرّشوة في حكمهولا يبالي غبن الخاسر
لا يرهب المنكر منكم ولايرجوكم الأتقى الآمر
كم قد قضى شعري في مثلهفسار لي في منطق سائر
إن ترجع الحكم إلى أهلهفلست بالمسدي ولا النّائر
ولست في السّلم بدي نائلولست في الهيجاء بالجاسر
ولست بالأكثر منهم حصىوإنّما العزّة للكاثر
ولست في الأثرين من مالكولا إلى بكر ذوي النّاصر
هم هامة الحيّ إذا ما دعواومالك في السّؤدد القاهر
ساد وألفى قومه سادةوكابرا سادوك عن كابر
فاقن حياء أنت ضيّعتهمالك بعد الجهل من عاذر
علقم ما أنت إلى عاصرالنّاقض الأوتار والواتر
واللّابس الخيل بخيل إذاثار الغبار الكبّة الثّائر
إن تسد الخوص فلم تعدهموعامر ساد بني عامر
قد قلت شعري فمضى فيكماواعترف المنفور للنّافر
لقد أسلّي النّفس حين اعترىبجسرة دوسرة عاقر
زنّافة كالفحل خطّارةتلوي بشرجي مثبت فاتر
شتّان ما يومي على كورهاويوم حيّان أخي جابر
أرمي بها البيد إذا أعرضتوأنت بين القور والعاصر
في مجدك شيّد بنيانهيزلّ عنه ظفر الطّائر
قال شارح ديوان الأعشى: لما قال الأعشى هذه القصيدة هدر علقمة بن علاثة دمه وجعل له على كل طريق رصدا، فاتفق الأمر أن الأعشى يريد وجها ومعه دليل، فأخطأ به الطريق فألقاه في ديار عامر بن صعصعة، فأخذه رهط علقمة بن علاثة فأتوه به، فقال له علقمة: الحمد لله الذي أمكنني منك. فقال الأعشى:
أعلقم قد صيّرتني الأمور إليك وما أنت لي منقص
فهبط نفسي فدتك النّفوس ولا زلت تنمي ولا تنقص
فقال قوم علقمة: اقتله وأرحنا منه والعرب من شرّ لسانه، فقال علقمة:
إذن تطلبوا بدمه ولا ينغسل عني ما قاله، ولا يعرف فضلي عند القدرة. فأمر به فحلّ وثاقه وألقى عليه حلة وحمله على ناقة وأحسن عطاءه، وقال: انج حيث شئت.
وأخرج معه من بني كلاب من يبلغه مأمنه، فقال الأعشى بعد ذلك:
علقم يا خير بني عامرللضّيف والصّاحب والزّائر
والضّاحك السّنّ على همّهوالغافر العثرة للعاثر
وعلقمة بن علاثة صحابي قدم على رسول الله ﷺ وهو شيخ فأسلم وبايع، انتهى. وروى حديثا واحدا.
وأخرج ابن مندة وابن عساكر من طريق الأعمش عن أبي صالح، حدثني علقمة بن علاثة قال: أكلت مع النبي ﷺ رؤسا. واستعمله عمر ابن الخطاب على حوران فمات بها.
وأخرج أبو نعيم والخطيب وابن عساكر عن محمد بن سلمة قال: كنت عند النبي ﷺ وعنده حسان فقال: يا حسان، أنشدنا من شعر الجاهلية ما عفا الله لنا فيه، فأنشده حسان قصيدة الأعشى في علقمة بن
علاثة:
ما أنت إلى عامرالنّاقض الأوتار والواتر
فقال النبي ﷺ: لا تنشدني بعد اليوم يا حسان، فقال حسان:
يا رسول الله، تمنعني من رجل مشرك هو عند قيصر أن أذكر هجاء له. فقال:
يا حسان، إني ذكرت عند قيصر وعنده أبو سفيان بن حرب وعلقمة بن علاثة، فأما أبو سفيان فلم يترك فيّ، وأما علقمة فحسن القول، وانه لا يشكر الله من لا يشكر الناس. وأخرجه ابن عساكر من وجه آخر وفيه: فقال حسان: اعرض عن ذكر علقمة فان أبا سفيان ذكرني عند هرقل فشعّث مني فردّ عليه علقمة، فقال حسان: يا رسول الله، من نالك شكره وجب علينا شكره.
وأنشد:
على أنّني بعد ما قد مضىثلاثون للهجر حولا كميلا
هو للعباس بن مرداس السلمي، وبعده:
يذكّرنيك حنين العجولونوح الحمامة تدعو هديلا
قال: فصل بين ثلاثين وبين مميزها، شبهها بالضرورة. وكميل: بمعنى كامل.
ويذكرنيك: متعلق على. والعجول: بفتح العين المعجمة وضم الجيم، الناقة التي فقدت ولدها. وقيل: التي ألقته قبل أن ينم بشهر أو شهرين. والحنين: مدّ الصوت اشتياقا الى إلف أو وطن أو ولد، وأصله في الإبل. ونوح الحمامة: صوت تستقبل به صاحبها، لأن أصل النوح التقابل. والهديل: عظيم صوت الحمام.
وقيل: ذكره، وقيل: فرخه. تزعم الأعراب أنّ جارحا صاده في سفينة نوح فالحمام تبكيه الى يوم القيامة. فنصبه على الأول على المصدر لتدعو لأنه بمعنى تهدل، أو لفعل دل عليه تدعو. ومفعول تدعو محذوف، أو على الحال، أي هؤلاء. وعلى
الآخرين على المفعول به لتدعو. قال الجاحظ: يقال في الحمام: هدل يهدل باللام، وربما قالوا بالراء. وقال أبو زيد: الجمل يهدر، ولا يقال باللام.
وأنشد:
له حاجب من كلّ أمر يشينه
عزاه القالي في أماليه لمروان بن أبي حفصة، وتمامه:
وليس له عن طالب العرف حاجب
وقبله:
يصمّ عن الفحشاء حتّى كأنّهإذا ذكرت في مجلس القوم غائب
وأنشد:
فارسا ما غادروه ملحما
تقدم شرحه في شواهد لو.
وأنشد:
دعوني فيا لبّى إذ هدرت لهم
تمامه:
شقاشق أقوام فاسكتها هدري
وأنشد:
لقلت لبّيه لمن يدعوني
لم يسم قائله، وصدره:
إنّك لو دعوتني ودونيزوراء ذات مترع بيون
زوراء: بفتح الزاي وسكون الواو والمدّ، البئر البعيد القعر، والأرض البعيدة أيضا. ومترع: قيل بالمثناة الفوقية والراء، من قولهم حوض ترع بالتحريك، إذا كان ممتلئا. وقيل: بالنون والزاي، من قولهم بئر نزوع إذا كانت قريبة القعر ينزع منها باليد، والأول أصح وأقرب. وبيون: بفتح الموحدة وضم التحتية المخففة ونون، البئر البعيدة القعر الواسعة. والبيت استشهد به على إضافة لبى إلى ضمير الغيبة شذوذا.
وأنشد:
فلبّى؛ فلبّى يدي مسور
قاله أعرابي من بني أسد وصدره:
دعوت لما نابني مسورا
لما نابني: أي لما أصابني من النائبة، فاللام جارة ولا موصولة له. قوله:
(فلبى) أي قال لبيك: والأصل فلباني، فحذف المفعول. قوله (فلبى يدي مسور) أي فأجابة له مني بعد إجابة إذا سألني في أمر نابه جزاء لصنعه، وخص يديه بالذكر لأنهما اللتان أعطتاه المال. وقيل: ذكر اليدين على سبيل الإقحام والتأكيد. والفاء:
في (فلبى) الأولى للعطف المؤذن بالتعقيب. والثانية سببية. والبيت استشهد به
على إضافة لبى إلى الظاهر، وهو شاذ وعلى أنه ليس إسما مفردا، وإلا لم تقلب ألفه عند الإضافة الى الظاهر ياء كما يقال (على يد زيد). وذكر بعضهم أن لبى الأولى تكتب بالألف والثانية بالياء، ليعرف أن الاولى فعل والثانية
مصدر منصوب بالياء.
وقال الفارسي: لا حجة في البيت على ما ذكر لأنه يجوز في نحو هذه الألف التي تطرفت أي تقلب ياء في الوقف، فيقال في هذه: أفعى أفعى، بقلب الألف ياء. ومنهم من يجري الوصل مجرى الوقف. فيمكن أن يكون فلبي يدي مسور من ذلك. قال أبو حيان: وهذا الذي قاله الفارسي ممكن لو سمع من كلامهم (لبّى زيد).
وأنشد:
وقد جعلت إذا ما قمت يثقلنيثوبي فأنهض نهض الشّارب الثّمل
هو لأبي حية النميري، واسمه المشمر بن الربيع بن زرارة. وقيل هو للحكم ابن عبدل الأعرج الأسدي من شعراء الدولة الأموية. وقيل انه وقع في البيت تحريف، وإنما هو هكذا:
وقد جعلت إذا ما قمت يرجعنيظهري فأنهض نهض الشّارب السّكر
وكنت أمشي على رجليّ معتدلافصرت أمشي على أخرى من الشّجر
وفي البيان للجاحظ: قال أبو ضبة في رجله:
وقد جعلت إذا ما نمت يرجعنيظهري وقمت قيام الشّارب الظّهر
قد كنت أمشيالبيت
وأنشد:
نطوّف ما نطوّف ثمّ نأويذوو الأموال منّا والعديم
إلى حفر أسافلهنّ جوفوأعلاهنّ صفّاح مقيم
تقدم شرحهما في شواهد إذا ضمن قصيدة البرج.
وأنشد:
ما للجمال مشيها وئيدا
هو للزباء، ونسبه العيني للخنساء. وفي الأغاني قيل إنه مصنوع. وبعده:
أجندلا يحملن أم حديداأم صرفانا باردا شديدا
أم الرّجال قمّصا قعودا
الجمال: جمع جمل. ووئيد: بفتح الواو وكسر الهمزة ودال مهملة، صوت شدة الوطء على الأرض يسمع كالدوي من بعده. والجندل: بفتح الجيم ودال مهملة بينهما نون ساكنة، الحجر. والصرفان: بفتح المهملتين وفاء. قال ثعلب في أماليه:
وقد أنشد البيت، وزعم قوم انه الرصاص. وبارد: ثابت. وقال أبو عبيدة: هو جنس من التمر، لم يكن يهدي لها شيء كان أحب إليها منه من التمر. وقمصا:
بضم القاف وتشديد الميم وصاد مهملة، من قمص الفرس، أي استن، وهو أن يطرح يديه ويرفعهما معا ويعجز رجليه. ويروى بدله (جثما) وهو جاثم من جثم: تلبد بالأرض. واستدل الكوفيون بقوله: (مشيها وئيدا) على جواز تقديم الفاعل.
وخرّجه البصريون على أنه مبتدأ حذف خبره وبقي معموله، أي مشيها يكون وئيدا ويوجد وئيدا. وقال أبو علي: مشيها بدل من الضمير في للجمال، أو مبتدأ. رويدا:
حال سدّت مسد الخبر. ويروى (مشيها) بالنصب على المصدر أي يمشي مشيها.
وبالجرّ بدل اشتمال من الجمال.
وأنشد:
فإن لا مال أعطيه فإنّيصديق من غدوّ أو رواح
وأنشد:
بربّك هل ضممت إليك ليلى
عزى لقيس المجنون.
أخرج في الأغاني عن الهيثم بن عدي قال: مرّ المجنون ذات يوم بزوج ليلى وهو جالس يصطلي في يوم شات، فوقف عليه، ثم أنشأ يقول:
بربّك هل ضممت إليك ليلىقبيل الصّبح أو قبّلت فاها
وهل زفّت عليك قرون ليلىزفيف الأقحوانة في نداها
فقال: اللهم إذ حلّفتني فنعم! فقبض المجنون بكلتا يديه قبضتين من الجمر،
فما فارقهما حتى سقط مغشيا عليه، وسقط الجمر مع لحم راحتيه، فقام زوج ليلى مغموما بفعله متعجبا منه.
وأنشد:
وكوني بالمكارم ذكّرينيودلّي دلّ ماجدة صناع
أنشده أبو زيد، وقبله:
ألا يا أمّ فارغي لا تلوميعلى شيء رفعت به سماعي
المعنى: لا تلوميني على ما يرتفع به صيتي وذكري، وذكريني: كوني مذكرة لي بالمكارم.
وأنشد:
إنّ الّذين قتلتم أمس سيّدهملا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما
وأنشد:
إنّي إذا ما القوم كانوا أنجيهواضطرب القوم اضطراب الأرشيه
هناك أوصيني ولا توصي بيه
هو من أبيات الحماسة. وبعد المصراع الثاني:
وشدّ فوق بعضهم بالأردية
قال التبريزي: خبر (إن) في قوله: (أوصيني). والمعنى: إني أهل لأن يوصى إليّ حينئذ غيري، ولا يوصى غيري بي. و (ما) في ما القوم زائدة.
وأنجيه: جمع نجي. والمعنى: صاروا فرقا لما حربهم من الشر يتناجون ويتشاورون. واضطرب القوم: أي لجزعهم لم يثبتوا على الخيل. والأرشية:
الدلاء، جمع رشا، بكسر الراء، وشد فوق بعضهم: أي خوف السقوط لضعف الاستمساك عند غلبة النعاس، أو لأنهم أسروا.
وأنشد:
أأكرم من ليلى عليّ فتبتغيبه الجاه أم كنت امرا لا أطيعها
تقدم شرحه.
وأنشد:
نعم الفتى المرّيّ أنت إذا همحضروا لدى الحجرات نار الموقد
هو لزهير بن أبي سلمى من قصيدة يمدح بها سنان بن أبي حارثة المرّي، وأوّلها:
لمن الدّيار غشيتها بالفدفدكالوحي في حجر المسيل المخلد
وقبل هذا البيت:
وإلى سنان سيرها ووسيجهاحتّى تلاقيها بطلق الأسعد
الفدفد: المكان المرتفع فيه صلابة وحجارة. ويقال: هي أرض مستوية. وقوله:
كالوحي: أي كالكتاب. وإنما جعل في حجر المسيل لأنه أصل له. والمخلد:
المقيم، من أخلد، إذا أقام. والوسيج: بالجيم، ضرب من السّير. والطلق:
اليوم الطيب لا برد فيه ولا أذى. الأسعد: اليمن، من السعود. والحجرات:
جمع حجرة، وهي شدة الشتاء. والمرّيّ: نسبة الى مرّة، وهو نعت للفتى.
والبيت استشهد به على نعت فاعل نعم. وأنت المخصوص بالمدح.
وأنشد:
أزمعت يأسا مبينا من نوالكمولن ترى طاردا للحرّ كاليأس
هو من قصيدة للحطيئة يخاطب بها الزبرقان بن بدر. وقبله.
لمّا بدا لي منكم عيب أنفسكمولم يكن لجراحي منكم آسي
وبعده:
جارا لقوم أطالوا هون منزلهوغادروه مقيما بين أرماس
ملّوا قراه وهرّته كلابهموجرّحوه بأنياب وأضراس
دع المكارم لا ترحل لبغيتهاواقعد، فإنّك أنت الطّاعم الكاسي
من يفعل الخير لا يعدم جوائزهلا يذهب العرف بين الله والنّاس
أخرج الجمحي وابن عساكر عن يونس النحوي قال: كان سبب هجاء الحطيئة الزبرقان انه قدم المدينة، فقال: وددت أنّي أصبت رجلا يحملني وأصفيه مديحتي وأقتصر عليه. فقال الزبرقان: قد أصبته، تقدم على أهلي فإنّي على أثرك. وأرسل الى امرأته أن أكرمي مثواه. وكان مع الحطيئة ابنة جميلة، فكرهت امرأته مكانها
فأظهرت لهم جفوة، فأخذه بغيض بن عامر، وهو يومئذ ينازع الزبرقان الشرف، فبنى عليه قبّة، ونحر له فأكرمه كل الإكرام، فعمل الحطيئة هذه القصيدة فاستعداه الزبرقان الى عمر وادّعى عليه أنه هجاه فقال له: ما قال لك؟ فأنشده القصيدة فقال:
ما أسمع هجاء انما اسمع معاتبة. فقال: وما تبلغ مروءتي الى أن آكل وأشرب؟
فسأل عمر حسان ولبيد: أترونه هجاه؟ قالا: نعم، فحبسه.
وأخرج الزبير بن بكار وأبو الفرج وابن عساكر وغيرهم عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: لما حبس عمر الحطيئة، كلمه عمرو بن العاص وغيره فيه فأخرجه من السجن فقال:
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخزغب الحواصل لا ماء ولا شجر؟
غادرت كاسبهم في قعر مظلمةفاغفر، هداك مليك النّاس يا عمر
أنت الإمام الّذي من بعد صاحبهألقت إليك مقاليد النّهى البشر
لم يؤثروك بها إذ قدّموك لهالكن لأنفسهم كانت بك الخير
فامنن على صبية بالرّمل مسكنهمبين الأباطح يغشاهم بها القرر
أهلي فداؤك كم بيني وبينهممن عرض داوية تعمى بها الخبر
فبكى عمر، ثم قال: أشيروا عليّ في الشاعر فانه يقول الهجو، ويشبب بالنساء، ويمدح الناس، ويرميهم بغير ما فيهم، ما أراني إلا قاطع لسانه. ثم قال: عليّ بالطست، فأتى بها. ثم قال: عليّ بالمخصف، لا بل عليّ بالسكين، فأتى بها. ثم قال: عليّ بالموسى، فهي أوجى. فقالوا: لا يعود يا أمير المؤمنين! قال: النجاء أذهب. فلما أدبر قال: يا حطيئة، فرجع إليه فقال: كأني بك قد دعاك فتى من قريش
فبسط لك نمرقة، وكسر لك أخرى، ثم قال لك: غننا يا حطيئة، فطفقت تغنيه بأعراض المسلمين. قال: فو الله ما ذهبت الليالي حتى رأيت الحطيئة عند عبد الله بن عمر بن الخطاب قد بسط له نمرقة وكسر له أخرى وقال: غننا يا حطيئة! فغناه، فقلت:
يا حطيئة، أما تذكر قول عمر لك، ففزع ثم قال: يرحم الله ذلك المرء، أما لو كان حيا ما فعلنا هذا. وقلت لعبد الله: سمعت أباك يذكر كذا وكذا فكنت ذلك الرجل.
وفي البيان للجاحظ: كان عمر أعلم الناس بالشعر، ولكنه لما ابتلي بالحكم بين الحطيئة والزبرقان كره أن يتعرّض له بنفسه، فاستشهد حسان وأمثاله ثم حكم بما يعلم. وأخرج أبو الفرج في الاغاني عن أبي عمرو بن العلاء قال: لم تقل العرب قط بيتا أصدق من بيت الحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه
وأخرج عن كعب الأخبار أنه سمع رجلا ينشد هذا البيت فقال: والذي نفسي بيده، إن هذا البيت لمكتوب في التوراة.
وأنشد:
إنّ من يدخل الكنيسة يومايلق فيها جآذرا وظباء
تقدم شرحه.
وأنشد:
أظبي كان أمّك أم حمار
هو لخداش بن زهير، صدره:
فإنّك لا تبالي بعد حول
وقد استشهد به سيبويه على الإخبار في باب كان بالمعرفة عن النكرة ضرورة.
وقد أشكل على كثيرين فقالوا: إنما أخبر عن معرفة بمعرفة إذ اسم كان ضمير، وأجيب بأنه لا ضمير في كان بل
ظبي اسمها قدم للضرورة. وكان الأصل أظبيا كان أمّك؟ بنصب الظبي ورفع الأم. ثم عكس الإعراب وترك الظبي في موضعه لانه خبر في المعنى، وإن كان مرفوعا. ورفع حمار لأنه تابع. وقيل: ليس ظبي اسما لكان المذكورة بل لكان مذكورة تفسرها المذكورة. والتقدير: أكان ظبي أمك.
فالبيت من باب الاشتغال. ومعنى البيت: إن الإنسان إذا استغنى بنفسه لا يبالي عن من انتسب إليه من شريف أو وضيع. وضرب الظبي والحمار لهما مثلا. وذكر الحول لأن هذين يستغنيان بأنفسهما بعده. ثم أشار إلى أن الزمان لعدم جريه على مقتضى القياس قد التحق فيه الوضيع بالشريف، في قوله بعد هذا البيت:
فقد لحق الأسافل بالأعاليوماج القوم واختلط النّجار
وعاد الفند مثل أبي قبيسوصار مع المعلهجة العشار
المعلهج: الهجين.
وأنشد:
وربّ السّموات العلى وبروجهاوالأرض وما فيها: المقدّر كائن
وأنشد:
حنّت نوار ولات هنّا حنّت
هو لشبيب بن جعيل الثّعلبي. كان بنو قتيبة بن معين، أسروه في حرب فأنشد ذلك يخاطب أمّه نوار بنت عمرو بن كلثوم، وتمامه:
وبدا الّذي كانت نوار أجنّتلما رأت ذات السّلا شربا لها
والفرت يعصر في الإناء أرنّت
حنت: من الحنين، وهو الشوق. ونوار: علم امرأة من باب حذام.
والواو في (ولات) للحال. قال المصنف في شواهده: وكذا وجدتها حيث وقعت قبل لات. ولات عند الفارسي مهملة. وهنا خبر. وحنت مبتدأ بإضمار ان مثل:
(ومن آياته يريكم البرق) وعند ابن عصفور معملة. وحنت: بتقدير وفت، وحنت وهو الخبر. وعند الخباز إنها
مهملة وهنا مضافة الى حنت. قال المصنف: ويرده ان اسم الاشارة لا يضاف. وذهب بعضهم الى أن هنا خبر لات واسمها محذوف، تقديره ليس الحيا حين حنينها. وبدا: بمعنى ظهر. وأجنت: بجيم، سترت.
والسلا: بالقصر، الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد من المواشي. وأرنت: صاحت.
والبيت استشهد به ابن مالك على الاشارة بهنّا للزمان، وهي بضم الهاء وتشديد النون، لغة في هنا. وذكر أبو عبيدة: أنّ هذين البيتين لحجل بن نضلة.
وأنشد:
مضت سنة لعام ولدت فيهوعشر قبل ذاك وحجّتان
هو للنابغة الجعدي، وقبله:
ومن يك سائلا عنّي فإنّيمن الفتيان أيّام الختان
وبعده:
فقد أبقت صروف الدّهر عنّيكما أبقت من السّيف اليماني
قال ابن حبيب: أيام الختان وقعة لهم. قال قائل منهم: وقد لقوا عدوّهم أختنوهم بالرماح فسمى ذلك العام عام الختان.
وأنشد:
هذا وجدّكم الصّغار بعينه
قال سيبويه: هو لرجل من مذحج. وقال أبو رياش: هو لهمّام أخى حسان ابن مرّة. وقال الأصفهاني: هو
لضمرة بن ضمرة. وقال الآمدي في المؤتلف:
هو لابن أحمر من بني الحارث بن مرّة بن عبد مناة، باهلي. قال المصنف:
ويشكل عليه نداؤه في ضمرة في أول القصيدة. وقال: وقد يكون نادى آخر اسمه كاسمه. وقال الحاتمي: هو لابن أحمر. وقال ابن الأعرابي: لرجل من بني عبد مناة قبل الاسلام بخمسمائة سنة يخاطب أبويه وأهله، وكانوا يؤثرون عليه أخاه جندبا، وأوّل القصيدة:
يا ضمر أخبرني ولست بكاذبوأخوك نافعك الّذي لا يكذب
أمن السّويّة أن إذا استغنيتموأمنتم فأنا البعيد الأجنب
وإذا الشّدائد بالشّدائد مرّةأشجتكم فأنا الحبيب الأقرب
ولجندب سهل البلاد وعذبهاولي الملاح وحزنهنّ المجدب
وإذا تكون كريهة أدعى لهاوإذا يحاس الحيس يدعى جندب
هذا لعمركم الصّغار بعينهلا أمّ لي إن كان ذاك ولا أب
عجبا لتلك قضيّة وإقامتيفيكم على تلك القضيّة أعجب
ضمر: مرخم ضمرة. وجملة: (ولست بكاذب) حالية، أو مستأنفة. فهي توصية له بالصدق على الأوّل، وثناء عليه به على الثاني. والسوية: العدل. والأجنب:
يروى بالجيم والنون، من الجنابة، وهو البعد، وبالخاء المعجمة والياء، من الخيبة.
وأشجتكم: من أشجاه إذا أغضبه. والملاح: بكسر الميم، جمع مليح وهو المالح.
وضبطه العيني بضم الميم، وهو نبات الحمض، وأصده بتشديد اللام فخفف للضرورة.
وقيل تخفيفه لغة، انتهى. والحزن: ما غلظ من الارض. والكريهة: القصة المكروهة، وأنثت بالتاء لغلبة الإسمية، كالنطيحة. يطلق على الحرب. والحيس: طعام فاضل عندهم يتخذ من تمر وسمن وأقط. وجندب: بفتح الدال
وضمها. والصغار:
بفتح الصاد، الذل والهوان. وفي البيت الإعتراض بين المبتدأ والخبر بالقسم. وبين المتعاطفين بالشرط. وزيادة الباء في كلمة العين المؤكدة بها. وقيل: ان بعينه في موضع الحال أي هذا الصغار. وقوله: لا أم لي، أي إنه لقيط لا يعرف له أب ولا أم إن رضي بهذا الصغار. وكان تامة، واستشهد به على رفع اسم الثاني مع تكرير لا مع فتح الأول، أما على الغاء الثانية ورفع تاليها بالعطف على محل الأولى مع اسمها، أو على إعمال الثانية عمل ليس. وعجبا: مصدر ثابت من أعجب. ويروى بالرفع على الابتداء. وإن كان نكرة لتضمنه معنى التعجب، أو لأنه مصدر في الأصل، وإنما عدل الى رفعه لافادة معنى الثبوت.
وأنشد:
زعمتني شيخا ولست بشيخإنّما الشّيخ من يدبّ دبيبا
هذا لأبي أميّة أوس الحنفي، وبعده:
إنّما الشّيخ من يستره الحيّويمشي في بيته محجوبا
إن أراد الخروج خوّف بالذّئب وإن كان لا يرى الحي ذيبا
كيف يدعى شيخا أخو مضلّعاتليس يثني تقلّبا وركوبا
يدب: بكسر الدال، يدرج في المشي رويدا. ومضلعات: من الأضلاع، وهو الإمالة. ويقال: حمل مضلع، أي مثقل. وقوله: (ولست بشيخ) جملة حالية.
والبيت أورده المصنف في التوضيح شاهدا على نصب زعم مفعولين.
وأنشد:
تعلّم شفاء النّفس قهر عدوّها
هو لزياد بن سيّار بن عمرو بن جابر، من أقران النابغة وتمامه:
فبالغ بلطف في التّحيّل والمكر
وقد استشهد به النحاة، منهم المصنف في التوضيح على أن تعلم بمعنى أعلم بنصب مفعولين.
وأنشد:
فقلت: أجرني أبا خالدوإلّا فهبني امرأ هالكا
هو لابن همّام السلولي. قال المصنف: قوله: (امرأ) مفعول ثان موطئ لقوله: هالكا. وهالكا صفة له، وهو المقصود بالمفعولية. ونظيره في باب الخبر:
(بل أنتم قوم تجهلون). وفي باب الحال: (أقبل زيد رجلا وراكبا). وفعل الشرط محذوف، أي وإن لا تجرني. ودخلت الفاء في الجواب لأنه انشاء ولأنه جامد. وقد استشهد بالبيت على تعدية هب بمعنى اعتقد الى مفعولين.
وأنشد:
لا نسب اليوم ولا خلّة
تقدّم شرحه في شواهد لا.
وأنشد:
اعتاد قلبك من سلمى عوائدهوهاج أحزانك المكنونة الطّلل
ربع قواء أذاع المعصرات بهاوكلّ حيران سار ماؤه خضل
وأنشد:
إنّ من لام في بني ابنة حسّان ألمه وأعصه في الخطوب
هو للأعشى ميمون. وبعده:
إنّ قيسا قيس الفعول وآل الأشعث أمست أمداده لشعوب
كلّ عام يمدّني يحموم عند وضع العنان أو بنجيب
تلك حبلى منه وتلك ركابيهنّ صفر أولادها كالزّبيب
قال شارع أبيات الايضاح: حذف الهاء التي هي ضمير الشأن للضرورة، ولولا تقديرها ما جزم بمن، ولذلك جزم المد لأن الشرط لا يعمل فيه ما قبله الإبتداء.
[وأنشد:
فلم أعط شيئا ولم أمنع]
أخرج مسلم في صحيحه والبيهقي في دلائل النبوّة عن رافع بن خديج: أن النبيّ ﷺ أعطى المؤلفة قلوبهم من سبي حنين كل رجل منهم مائة من الإبل، فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة، وأعطى صفوان بن أمية مائة، وأعطى عيينة بن حصن مائة، وأعطي الأقرع بن حابس مائة، وأعطى علقمة بن علاثة مائة، وأعطي مالك بن عوف النضري مائة، وأعطي العباس بن مرداس ثمانين، فأنشأ يقول:
أتجعل نهي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع
فما كان حصن ولا حابسيفوقان مرداس في مجمع
وقد كنت في الحرب ذا تدرءفلم أعط شيئا ولم أمنع
وما كنت دون امرئ منهمومن تضع اليوم لا يرفع
فأتمّ له رسول الله ﷺ مائة. وأخرج البيهقي عن عروة بن الزبير وموسى بن عقبة قالا: قال العباس بن مرداس السلمي حين رأى رسول الله صلّي الله عليه وسلّم يقسم الغنائم:
وكانت نهابا تلافيتهاوكرّي على المهر بالأجرع
وإيقاظي الحيّ أن يوقدواوإذ هجع النّاس لم أهجع
فأصبح نهبي ونهب العبيد
الأبيات بعده، فبلغ رسول الله ﷺ فدعاه وقال: أنت القائل:
فأصبح نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة؟
فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي، لم يقل كذلك ولا والله، ما أنت بشاعر، وما ينبغي لك، وما أنت برواية. قال: فكيف؟ فأنشده أبو بكر، فقال النبي ﷺ: هما سواء ما يضرّك بأيهما بدأت بالأقرع أم بعيينة. فقال رسول الله ﷺ: اقطعوا عني لسانه، ففزع منها، وانما أراد رسول الله ﷺ أن يقطعوه بالعطية. العبيد اسم فرس له. وأورد ابن اسحق الأبيات، وزاد بعد قوله:
فلم أعط شيئا ولم أمنعإلّا أنا قليلا عطيتها
عديد قوائمه الأربع
نهبى: بفتح النون وسكون الهاء، هو الغنيمة ويجمع على نهاب. والعبيد:
بضم العين، اسم فرس للعباس بن مرداس. وذا تدرء: عدة وقوّة على دفع الأعداء، بضم المثناة الفوقية وسكون الدال المهملة وفتح الراء آخره همزة، من الدرء، والتاء فيه زائدة. قوله: فلم أعط شيأ: أي طائلا، فحذف الصفة بدليل قوله: ولم أمنع. وقوله: يفوقان مرداس، استشهد به ابن مالك وغيره على منعه الصرف وهو مصروف للضرورة.
وأنشد:
وليست دارنا هاتا بدار
هو لعمران بن حطّان الخارجي، وصدره:
وليس لعيشنا هذا مهاه
وبعده:
لنا إلّا ليال باقياتوبلغتنا بأيّام قصار
ولا تبقى ولا نبقي عليهاولا في الأمر نأخذ بالخيار
وما أموالنا إلّا عوارسيأخذها المعير من المعار
مهاه: وزنها فعال، ولامه هاء، أي صفاء ورونق ومنظر جميل، يقال: وجه له مهاه، هذا قول النحويين. وقال الأصمعي: مهاة، بالتاء، بوزن فعلة كحصاة.
والمهاة: البلق والبقرة الوحشية. وقيل: إنه أيضا بمعنى الصفاء والرونق. ويروى:
وليست دارنا الدّنيا بدار
والبيت أورده المصنف شاهدا على الإشارة بهاتا. ولنا في البيت بعده في صلة البيت الأول. والبلغة: بمعنى البلوغ الى الوقت الذي هو الأجل.
النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع