تجاوز إلى المحتوى

من «نزهة الألباء في طبقات الأدباء» لأبي البركات الأنباري (ت ٥٧٧هـ)

الخليل بن أحمد

وأما الخليل بن أحمد، فهو أبو عبد الرحمن بن أحمد البصري الفرهودي الأزدي، سيد أهل الأدب قاطبة في علمه وزهده، والغاية في تصحيح القياس واستخراج مسائل النحو وتعليله. وكان من تلاميذ أبي عمرو بن العلاء.

وأخذ عنه سيبويه؛ وعامة الحكاية في كتاب سيبويه عن الخليل؛ فكلما قال سيبويه: سألته، أو قال: [قال] من غير أن يذكر قائله؛ فهو الخليل بن أحمد.

وأخذ عنه أيضاً النضر بن شميل وأبو فيد مؤرج السدوسي وعلي بن نصر الجهضمي وغيرهم.

وهو أول من استخرج علم العروض، وضبط اللغة، وأملى كتاب العين على الليث بن المظفر.

وكان أول من حصر أشعار العرب. وكان يقول البيتين والثلاثة ونحوها في الآداب؛ مثل ما روى عنه أنه كان يقطّع العروض، فدخل عليه ولده في تلك الحالة، فخرج إلى الناس وقال: إن أبي قد جُنَّ، فدخل الناس عليه فرأوه يقطّع العروض، فأخبروه بما قال ابنه، فقال له:

لو كنت تعلم ما أقول عذرتنيأو كنت تعلم ما تقول عذلتكا
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
لكن جهلت مقالتي فعذلتنيوعلمت أنك جاهل فعذرتكا
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة

وكما روى عنه أيضاً:

وقبلك داوى الطبي المريضفعاش المريض ومات الطبيب
فكن مستعداً لدار الفناءفإن الذي هو آتٍ قريب

وكان رحمه الله تعالى من الزهاد في الدنيا المعرضين عنها. ويروى أنه وجه إليه سليمان بن علي من الأهواز لتأديب ولده، فأخرج الخليل إلى رسول سليمان خبزاً يابساً، وقال: كلْ فما عندي غيره، وما دمت أجده فلا حاجة لي إلى سليمان، فقال له الرسول: فما أبلغه [عنك] ؟ فأنشأ يقول:

أبلغ سليمان أني عنه في سعةٍوفي غنى غير أني لست ذا مال
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
سخي بنفسي أني لا أرى أحداًيموت هزلاً ولا يبقى على حال
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
والفقر في النفس لا في المال تعرفهومثل ذاك الغنى في النفس لا المال
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
فارزق عن قدر لا العجز ينقصهولا يزيدك فيه حول محتال

ويحكى عنه أنه قال: إن لم تكن هذه الطائفة - يعني أهل العلم - أولياء الله تعالى فليس لله تعالى وَلِيّ.

ويروى عن سفيان أنه كان يقول: من أحب أن ينظر إلى رجل خلق من الذهب والمسك؛ فلينظر إلى الخليل بن أحمد.

ويروى عن النضر بن شميل أنه قال: كنا نمثل بين ابن عون والخليل بن أحمد، أيهما نقدم في الزهد والعبادة؟ فلا ندري أيهما نقدم! وكان النضر يقول: ما رأيت رجلاً أعلم بالسنة بعد ابن عون من الخليل بن أحمد.

وكان يقول: أكلت الدنيا بعلم الخليل بن أحمد وكتبه؛ وهو في خص لا يشعر به [أحد].

وما يحكى عنه من العلم والزهد أشهر من أن ينشر، وأظهر من أن يذكر. توفي سنة ستين ومائة رحمة الله عليه ورضوانه.

النص من طبعة مكتبة المنار بالزرقاء (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نزهة الألباء في طبقات الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.