تجاوز إلى المحتوى

من «نزهة الألباء في طبقات الأدباء» لأبي البركات الأنباري (ت ٥٧٧هـ)

أبو عثمان بن جني

وأما أبو الفتح عثمان بن جني النحوي، فإنه كان من حذاق أهل الأدب، وأعلمهم بعلم النحو والتصريف.

صنف في النحو والتصريف كتباً أبدع فيها؛ كالخصائص، والمنصف، وسر الصناعة، وصنف كتاباً في شرح القوافي، وفي العروض، وفي المذكر والمؤنث، إلى غير ذلك.

ولم يكن في شيء من علومه أكمل منه في التصريف، فإنه لم يصنف أحد في التصريف، ولا تكلم فيه أحسن ولا أدق كلاماً منه.

وكان أبوه جني مملوكاً رومياً لسليمان بن فهد الأزدي الموصلي، وكان يقول الشعر ويجيده، فمنه:

فإن أصبح بلا نسبٍفعلمي في الورى نسبي
للشاعر ابن جني، اقرأ القصيدة
على أني أءول إلىقرومٍ سادة نجبِ
أولاك دعا النبي لهمكفى شرفاً دعاء نبي
للشاعر ابن جني، اقرأ القصيدة

ومن شعره أيضاً في العتب على صديق له:

صدودك عني ولا ذنب لييدل على نية فاسدة
للشاعر ابن جني، اقرأ القصيدة
وقد وحياتك مما بكيتخشيت على عيني الواحدة
ولولا مخافة ألا أراكلما كان في تركها فائدة
للشاعر ابن جني، اقرأ القصيدة

وإنما قال: "خشيت على عيني الواحدة"، لأنه كان أعور.

وأخذ عن أبي علي الفارسي؛ وصحبه أربعين سنة وكان سبب صحبته إياه أن أبا علي الفارسي كان قد سافر إلى الموصل، فدخل إلى الجامع، فوجد أبا الفتح عثمان بن جني يقرأ النحو وهو شاب، وكان بين يديه متعلم وهو يكلمه في قلب الواو ألفاً، نحو "قام" و"قال"، فاعترض عليه أبو علي، فوجه مقصراً، فقال له أبو علي: زببت قبل أن تحصرم، ثم قام أبو علي ولم يعرفه ابن جني، فسأل عنه، فقيل له: هذا أبو علي الفارسي النحوي، فأخذ في طلبه، فوجده ينزل إلى السميرية، يقصد بغداد، فنزل معه في الحال، ولزمه وصاحبه من حينئذ إلى أن مات أبو علي وخلفه ابن جني، ودرس النحو ببغداد بعده، وأخذ عنه، وكان تبحر ابن جني في علم التصريف؛ لأن السبب في صحبته أبا علي وتغربه عن وطنه، ومفارقة أهله مسألة تصريفية، فحمله ذلك على التبحر والتدقيق فيه.

وأخذ عنه أبو القاسم الثمانيني وأبو أحمد عبد السلام

البصري، وأبو الحسن علي بن عبد الله السمسي، وغيرهم.

وتوفي ابن جني يوم الجمعة لليلتين بقيتا من صفر سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة في خلافة القادر بالله تعالى.

النص من طبعة مكتبة المنار بالزرقاء (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نزهة الألباء في طبقات الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.