من «الدرة الخطيرة في شعراء الجزيرة» لابن القطاع الصقلي (ت ٥١٥هـ)
أبو الحسن علي بن عبد الرحمان الأنصاري الكاتب
رحل إلى مصر.
فمن شعره قوله يمدح الناصر للدين أبا محمد اليازوري:
توالت فتوحات وأدرك ثاروقر لأمر المسلمين قرار
وجرد سيف الله ناصر دينهفصال به حد له وغرار
ودانت له الحرب العوان وإنهاوإن رئمت أنساً به لنوار
يرد إليه أمرها وهي شامسلها مسحل من قهره وعرار
كأن مطاف الحادثان بشاهقٍمنيف الذرى للفتح فيه مطار
تزل خطوب الدهر عن صفحاتهكما زل عن صفح الحسام غبار
فيا ناصر الدين الذي فخرت بهبناة المعالي يعرب ونزار
لقد علم الأعداء أنك منتضٍحساماً لهم هلك به ودمار
وأنك حزب الله تسعى بهديهوتغضب في مرضاته وتغار
بكفك سيف الله تضربهم بهوهل يحتمي من ذي الفقار فقار
تسلهم خيل الإله عوابساكما طرد الليل البهيم نهار
كتائب في ذات الإله مشيحةلها بغياث المسلمين شعار
فولوا فراراً والرماح تنوشهملهم حيدٌ عن وقعها ونفار
وجاؤوك في دوحٍ، قناك غصونهفليس لها إلا الرؤوس ثمار
أضفتهم حتى إذا ما تمردواأضفت بهم تبا لهم وخسار
وأروع بسامٍ عليه سكينةمن الله بادٍ نورها ووقار
عمرت به جيد المعالي قلائدايطول بها الإمتاع وهي قصار
فيا علم المجد الذي طرزت بهحلاه وأضحى في ذاره منار
تنام الرعايا ملء أجفانها كرىفنومك تسهاد له وغرار
فلا عطلت منك الوزارة إنهاهي المعصم الحالي وأنت سوار
وعش يا "غياث المسلمين" فإنماحياتك عز للورى وفخار
ودم ملكا ما ساوت العين أختهاوما صحبت يمنى اليدين يسار
وقال فيه أيضاً:
يمينك أندى العارضين سحاباوعزمك أمضى الضاربين ذبابا
وأنت أعم الناس طولا وسؤدداوأطيبهم جرثومة ونصابا
وأشرعهم يوم اللقاء أسنةوأمرعهم يوم العطاء جنابا
شهادة برٍ لا يحابى بمثلهاألا ربما كان السحاب محابى
حللت بدار الملك ثم قطنتهاكما قطن الليث الغضنفر غابا
وأنشبتها بالسمهرية والظبىطعانا نفى عنها العدى وضرابا
وفجرت فيها للنضار جداولاوسطرت فيها للسماح كتابا
يقولون إن المزن يحكيك صوبهمجاملة: ها قد شهدت، وغابا
وكم أزمةٍ عم البرية بؤسهافهل ناب فيها عن نداك منابا؟
همت ذهبا فيها يداك عليهموضنت يداه أن ترش ذهابا
ولو كان للأسياف عزمك ما نبتولا ناط بالخصر النجاد قرابا
تغار من المجد المعالي، وتنتميإلى اسمك حبات القلوب طرابا
وما زلت ترضي الله في نصر دينهبمألكةٍ تزجي الأسود غضابا
إذا طويت كانت وغى وقساطلاوإن نشرت كانت ظبا وحرابا
وما أنت إلا مطعم النصر أينماأغرت على نهبٍ لزمت نهابا
وكم نعم خولته لم تشلهبخيلٍ ولم توجف عليه ركابا
وأبلح ميمون النقيبة لو دعاإلى نصره وحش الفلا لأجابا
أجل ملوك الأرض من ظل لاثماترابا علته رجله وركابا
سقى حلبا من جود كفك ماطرإذا لم تصب فيه المواطر صابا
علوتهم بالمرهفات كأنمامددت عليهم بالبروق سحابا
وأطلعت سحبا من بنانك ثرةتفيض عليهم نائلا وعقابا
وقال أيضاً:
عرفت لها طيفا على النأي طارقايساعد مشتاقا ويسعد شائقا
ألمت وفي جفني بقايا مدامعمرتها نواها فاستهلت سوابقا
وأومض في رجع الحديث ابتسامهاوميض الحيا أهدى لنجدٍ شقائقا
فولت بقلبٍ أسلمته يد الهوىإلى الشوق مغلوب التجلد وامقا
سقاها الحيا حيث استهلت مواطراكجود "غياث المسلمين" دوافقا
رعى الله "تاج الأصفياء" وإنمادعوت بأن يرعى الدنى والخلائقا
فيا "ناصر الدين" الذي بنوالهإذا الشعر بين الجود والبخل فارقا
ملكت فؤادا بالمعالي متيماًوأعطيت قلباً بالمكارم عاشقا
وما ابتدر الأملاك غاية سؤددومكرمةٍ إلا وجدناك سابقا
فمن كان منهم مانعا كنت باذلاومن كان منهم حارما كنت رازقا
وخولك الله المغارب كلهاتنفذ فيها حكمه والمشارقا
تنكبت عن ظل الهوادة سالكاهواجر في طرف العلى وودائقا
وملمومةٍ أزديةٍ ناصريةٍبعثت على الأعداء منها البوائقا
قرعت بها عظم العراق فلم تزلله بشفار المشرفي عوارقا
وقد جمعت منه خراسان ذيلهاعلى عجلٍ لما قددت البنائقا
قددت غمام السابري عليهممضاعفة لما انتضيت البوارقا
بكفك آجال الأعادي وإنماأخذت على الأعمار منها المضايقا
إذا خاطبٌ لم يعل أعواد منبرٍبما تشتهي من خطبة كان فاسقا
إذا ردهم لم يبد بين سطورهبذكرك سطر كان زيفا مزابقا
إذا ما تعاطى الجود بعدك مدعٍله أو تحلى باسمه كان سارقا
ومن يبغ أن يحظى نداه بمنعمٍسواك كمن يبغي مع الله خالقا
وكان الذي كانت خراسان دارهبها مغرما ثم استقل مفارقا
إذا هم تقويَضاً تلفت باكياًبساتين في أكنافها وجواسقا
تريه مناه مرفقا في طماعةٍإذا ساغت الأطماع كنت مرافقا
وقد نصحته نفسه وهي حربهإذا نصح الأعداء كانوا أصادقا
وبالموصل أستأصلت شافة ملكهبكرات حملاتٍ تشيب المفارقا
يقيك بشحط الدار منها فلم تزلتجوب سهوباً دونها وسمالقا
ذكرت الردينيات في جنباتهابواسق تعلو في ذراها البواسقا
جلبت من الأجبال "طيء"كراديس شكت بالكماة الرساتقا
فظلت وقد عادت جواسقها ربىوكانت رباها قبل ذاك شواهقا
إذا خاطر الرعديد أنهل رمحهكما اختلس اللحظ المحب مسارقا
وساقت "عقيل" في رؤوس رماحهاعقائل من أموالهم ووسائقا
وهرت "كلاب" في الوشيج فأقعصتثعالب في أجحارها وخرانقا
ملكت رجالات العراق براحةٍتفيض حيا طورا وطوراً صواعقا
فقد أنطقت بالجود من كان أخرسا=وقد أخرست بالبأس من كان ناطقا
تصافح أيديها الألوف صوامتاوما عرفت من قبل إلا الدوانقا
وكم قلعةٍ بالمشرفي اقتلعتهاوأذريتها وجه الرياح سواحقا
وثقت بنصر الله في كل موطنوكنت أمرأ
مذ كنت
بالله واثقا
كساك أمير المؤمنين مناقبافكنت بها يا "ناصر الدين" لائقا
وأصفاك من بين البرية خلةرآك لها محض المودة صادقا
وقوله من أخرى يمدح فيها سماء الرؤساء شمس الكفاة أبا الحسن علي بن أحمد بن المدبر أولها:
هذي العيون وهذه الحدقفليدن من بفؤاده يثق
لو أنهم عشقوا لما عذلوالكنهم عذلوا وما عشقوا
عنفوا علي بلومهم سفهالو جرعوا كأس الهوى رفقوا
ما الحب إلا مسلك خطرعسر النجاة وموطئٌ زلق
من أجل هذا ظل يقنص ليث الغاب فيه الشادن الحزق
ومسربل بالحسن معتجرمنه بأكمله ومنتطق
عجبي لجبهته وطرتهوضح الصباح وما انجلى الغسق
يا ليلة نادمت كوكبهافي حيث أطلعه لي الأفق
لو لم أعاجل كأسه بجنىفيه البرود لكنت أحترق
حتى إذا صرعته سورتهاقمرا عليه الشهب تأتلق
قبلت وجنته وقد ظهرتفي صحنها من قلبي الحرق
قد كانت الآمال ذاويةظمأى مكدر شربها رنق
حتى أتيح لها أبو حسنٍفنمت وعم غصونها الورق
يستصغر الدنيا، فأهون ماتعطي يداه العين والورق
في صورةٍ جمع الكمال لهاوالأحسنان الخلق والخلق
وتخرق في الجود يعظمهفيكاد يحسب أنه خرق
وقال في النارنج:
ألا أنعم بنارنجك المجتنىفقد حضر السعد لما حضر
فيا مرحبا بخدود الغصونويا مرحبا بنجوم الشجر
كأن السماء همت بالنضارفصاغت لنا الأرض منه أكر
وقال يصف النخل وقد أربى خلال روضة:
وروضٍ حديقٍ كالشباب طرقتهوللنجم في أفق السماء ركود
ترقوق في أحداق نرجسه الندىكما استعبر العشاق
وهو جليد
وتفتر فيه للأقاحي مباسمفتخجل فيه للشقيق خدود
وترتج من فوق الغصون ثمارهاكما ارتج من بان القدود نهود
يسل عليها المشرفيات جدولٌله ثغب عذب الرضاب برود
وقامت عذارى النخل من كل جانبحواسر في لباتهن عقود
وقال لي كنت بحضرة رئيس الرؤساء فقدمت بين يديه أطباق فيها ورد أحمر وأبيض مضعف، فقلت فيه ارتجالا:
كأنما الورد الذي نشرهيعبق من طيب معاليكا
دماء أعدائك مسفوكةقد قابلت بيض أياديكا
وقوله:
تضمن فوه دراً من ثناياجلاه لنا بدر من كلامٍ
وشال عذاره من تحت صدغٍفصار بصحن وجنته كلامٍ
وقوله في مثله:
يمين أبي العلاء إذا استهلتسحائب جودها هطلت نوالا
تفيض على العفاة حيا وإن لمتفض سحب الكرام وغضن وإلا
وقوله:
إن كان لم يخبرك قلبك أننيقد ذبت من كمدٍ فلست كذاكا
لا تطلبن شهادة من غيرهاسأله عن أحبابه وكفاكا
وله من قصيدة يمدح فيها الوزير رئيس الرؤساء:
لحظات من شبيهات الدمىصرعتني بين ظلم ولمى
بعد ما قلت تناهت صبوتيرجعتني مستهاماً مغرما
لائمي أقصر فإني كلمازدت لوماً زاد سمعي صمما
بأبي من جاءني معتذراوجلاُ مما جناه ندما
فرأيت البدر في طلعتهضاحكا من وجهه مبتسما
زائر أسأل عنه مقلتيهل رأته يقظة أو حلما
بوشاح ناقض الحجل فذاباح بالسر وهذا كتما
كيف تخفى زورة الصبح وقدفتح الروض وجلى الظلما
عجبي من سقمٍ في طرفهيورث السقم ويشفي السقما
قمر يعبده عاشقهعبد المفتون قبل الصنما
قد أعار الكأس منه وجنةوثنايا ورضابا وفما
أحباباً ما أثار الماء فيجوها أم حدقا أم أنجما
جال فيها لؤلؤاً منتثراوعلاها لؤلؤاً منتظما
كيف أعتد بلقيا هاجرٍقبل ما حاول وصلي صرما
لو تجاسرت على الفتك بهلم أعد أقرع سني ندما
أي شيء ضرني لو أننيكنت في الحل طرقت الحرما
أنا عندي من شفى غلتهمن حبيب مسعدٍ ما أثما
ولقد ذقت بكاسات الهوىعسلاً طوراً وطوراً علقما
وجليس قد شنأنا شخصهمذ عرفناه ملحا مبرما
ثقل الوطأة في زورتهثم ما ودع حتى سلما
بعض ما لاقيت منه أنهنفر الرئم الذي قد رئما
ذل من يأوي إلى ملتجئليس يؤوي ويروي من ظما
وأعز الخلق طرا عائذبرئيس الرؤساء اعتصما
نحن منه في جنانٍ ورعٍنلبس العز ونجني النعما
قد بلوناه على علاتهفبلونا العارض المنسجما
وله أيضاً:
أقول ولاح لي خد وصدغ:لمن تفاحة مع صولجان؟
بودي لو لثمتهما جميعاًولكني أحاذر صول جان
وله:
زماننا منقلب فاسديرفع أهل الجهل والعجب
كالنقش في الخاتم لا يستويختم به إلا مع القلب
وله أيضاً:
أنت عما حل بي في شغلإنما يرثي لمثلي من بلي
لي وعد عند عينيك مضىدونه عمري ووافى أجلي
فوريحان العذار الخضلفوق ورد الوجنة المشتعل
يا حبيب النفس لو أبصر ماحل بي منك عدوي رق لي
وله:
جاء بكمثرى جني غدامنظره بيدي لنا خبره
من كل زهراء خلوقيةتجمع بين النهد والسرة
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع