من «الروضة الفيحاء في أعلام النساء» لياسين الخطيب العمري (ت ١٢٣٣هـ)
سجاح بنت الحارث التميمية
كانت صاحبةُ نيرنجات وشعبذات، وبلغ منها أنها ادّعت النبوة، وذلك في العام الذي تُوفي فيه رسول الله ﷺ وتبعها بنو عمِّها، وأظهرت لهم أنها أُنزل عليها سورة مِثل القرآن، فمنها: يا أيها المتَّقون لنا نصفُ الأرض، ولقريش نصفها ولكن قريش يبغون. فتبعها بنو عمّها بنو تميم، وأخوالها بنو تغلب وبنو ربيعة، وعظُمتْ عندهم، وكثرت جيوشها واشتهرت بين الناس، وأظهرت دعوتها، وقصدت مُسيلمة الكذّاب، وكان في اليمن مقامه، وقومه بنو حنيفة، وهو الذي قدم على النبي ﷺ [في وفد بني حنيفة وأسلم وأمر لهم النبي ﷺ] لكل واحد بخمس أواق من الفضة، فقال مسيلمة: إن جعل لي هذا الأمر من بعده اتّبعته، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال له: لو سألتني هذا ما أعطيتك؛ وكان بيده عسيبُ نخل، فلمّا رجع عدوّ الله إلى مكانه ارتدّ، وادّعى النبوّة استقلالا، ثم مشاركة مع النبي ﷺ.
وذُكر في "مختصر ابن الوردي": لمّا قُتل حمزة ﵁ قال بعضهم: ويل لوحشيٍّ من النار! فقال ﷺ: "أمّا حمزة فأجله قد انقضى، وأما وحشي فسوف يدرك الشرف من بعده". فقالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: "هو يقتل مُسيلمة الكذّاب" فكان كما قال.
ولما قربت سجاح من اليمّامة، خرج إلى قتالها مسيلمة، ونزل قريبا منها، ثم أرسل لها مسيلمة قبّة مبخّرة، بخّرها بالعود والعنبر والمسك، وطيّبها، وسبب ذلك الطيب أن النساء إذا شممن رائحة الطيب هجن للجماع، فسارت سجاح إليه ودخلت القبّة، واجتمعت به تحت القبّة وقالت له: ما أوحي إليك؟ فقال: ألم تر كيف فعل ربُّك بالحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاوق وحشا، ثم قالت: ما أنزل عليك أيضا؟ قال: إن الله خلق للنساء أفراجا، وجعل الرجال لهنّ أزواجا، لهنّ أزواجا، فيولجن فيهنّ أولاجا، ثم يخرج ما يشاء إخراجا. فقالت: أشهد أنك نبي: حق، فقال: هل لكِ أن أتزوّجكِ؟ قالت: نعم. فقال لها، وأرجز، لعنه الله:
ألا قومي إلى... فقد هيي لك المضجع
فإن شئت ففي البيتوإن شئت ففي المخدع
وإن شئت ضجعناكوإن شئت على أربع
وإن شئت بثلثيهوإن شئت به أجمع
فقالت: بل به أجمع يا رسول الله! فقال لها: وبذلك أوحي إليّ. فأقامت عنده ثلاث ليال. ثم خرجت من عنده، وقدمَت إلى عند قومها، وهم لها منتظرون فلما دنت منهم سألوها عنه، فقالت: وجدته نبيا حقا فاتبعته وصدّقت به، ثم بعث مسيلمة يخطبها من قومها، فزوّجوه إياها، وطلبوا مهرها منه. فقال لهم: قد وضعتُ عنكم صلاة العصر. وذلك لزيادة تأكيدها بالفريضة لقوله تعالى: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ... " الآية. قيل: هي صلاة العصر. فبنو تميم لا يُصلّون العصر، ويقولون: هذا مهر كريمتنا. ودخل عليها مسيلمة وصب نبوَّته في رحمها ولم تحمل منه. وقتل مسيلمة الكذّاب في أول خلافة الصِّدِّيق ﵁. وكان لمسيلمة نيرنجات، وبذلك اغترَّ قومه، ومن أراجيزه قوله: يا ضفدع نقِّي كم تنقِّين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين. وقوله: أُخرجُ لكم حنطة وزوانا ورطبا وتمرنا. ولمّا قُتل مسيلمة الكذّاب، انتقلت سجاح إلى أخوالها بني تغلب، وقد ذهبت نبوّتها بقتل زوجها، قال الشاعر:
إذا ذهبَ الحمارُ بأمِّ عمروفلا عادتْ ولا عادَ الحمارُ
وأقامت في بني تغلب، وهم أخسّ العرب، فلله درّ القائل:
والتّغلبيّ إذا تنحنحَ للقرىحكَّ استه وتمثّل الأمثالا
فلمّا ولي الخلافة معاوية ونفى بني تغلب أسلمت سجاح وانتقلت إلى البصرة، وأقامت هناك إلى أن ماتت.
وممّن سوّلت له نفسه العصيان، وتابع الشيطان أحمد بن الحسين المتنبّي، الشاعر المشهور، ادّعى النبوّة في بريّة سماوة، وتبعه خلق من بني كلب، وفيه يقول بعضهم:
أيُّ فضلٍ لشاعرٍ يطلبُ الفضلَمنَ الناسِ بُكرةً وعيشَّا
عاشَ حيناً يبيعُ في الكوفةِ الماءَوحيناً يبيعُ ماءَ المحيَّا
ولمّا ادّعى النبوّة، وأظهر الدّعوة وأغوى كثيرا من الناس قبض عليه ابن علي الهاشمي واسمه لؤلؤ في قرية كوثلين من أعمال حمص، وحبسه وجعل في رجليه وعنقه قرمتين من خشب الصفصاف فقال:
زعمَ المقيمُ بكوثلينَ بأنّهُمِنْ آلِ هاشم وبنِ عبد منافِ
فأجبته مذُ صرتَ منْ أبنائهمْصارت قيودهمْ منَ الصفصافِ
وله عبارات يزعم أنّها مثل القرآن، فمنها: [والنّجم] السّيّار والفلك الدّوّار، والّليل والنّهار، إنّ الكافر لفي أخطار، امض على سننك: واقفُ على أثر من قبلك من المرسلين، فإنّ الله قامع بك زيغ من ألحد في الدين، وضلّ عن سبيله. وسئل مرة عن نبينا محمد ﷺ فقال: أخبر بنبوتي بقوله: لا نبي بعدي، وأنا اسمي في السماء لا. ثم تاب المتنبي وأسلم ولبعضهم فيه:
يا نسمة الصبح هبّيمن قفا المتنبيّ
ويا قفاهُ تدانىحتى تكونَ بقربي
ويا يدايا اصفعيهولا ترفقا بضربِ
إن كنتَ أنتَ نبيالا شكَّ أن القردَ ربي
وممّن أظهر الزندقة فغضب الله عليه، ومحقه أحمد بن عبد الله الضرير أبو العلاء المعرّي الشاعر المشهور، فإنه كان يُظهر الزندقة، وعارض القرآن العظيم بكلام ذميم، وممّا ظهر من كلامه السخيف قوله: أقسم بخالق الخيل، والريح الهابّة بالليل، بين الشّرط ومطالع سُهيل، إن الكافر لطويل الويل، وإن العمر لمكفوف الزّيل، اتّق مدراج السيل، وطالع التوبة من قبيل تنجُ، وما إخالك بناج ومِنْ شعره وجرأته قوله:
إذا ما ذكرنا آدمَ وفعالهِوتزويجهُ بنتيهِ ابنيه ِبالخنا
علمنا بأنَّ الخلقَ منْ نسلِ فاجروأنَّ جميعَ الناسِ منْ عنصرِ الزّنا
قبّحه الله ما أجرأه على الفكر، وقد ردّ أهل ملّة الإسلام، وأثبتوا أنّه هو مقرٌّ بالزنا، فإقراره عليه هكذا ذكره السّيوطي، وقال في "تاريخ ابن الوردي": كان علاّمة عصره في النحو واللغة، وله تصانيف، وله من النظم "لزوم ما لا يلزم" في خمس مجلدات و"سقط الزّند" ولا يبعد أنّه تاب وأناب.
وممّن أظهر الكفر والخلاف، وتخلّق بالكفر وقلّة الإنصاف كرمنيّة إمام القرامطة، ظهر بسواد الكوفة، وتبعه خلق كثير، وأظهر لهم كتابا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، يقول الفرج بن عثمان من قرية نصرانة أنّه داعية المسيح، وهو عيسى، وهو الكلمة، وهو المهدي، وهو أحمد بن محمد بن الحنفيّة، وهو جبرائيل، وأنا المسيح تصوّر في جسم إنسان وقال: إنك الدّاعية، وإنك النّاقة، وإنك الدّابة، وإنك يحيى بن زكريا، وإنك روح القدس وعرفة، وإن الصلاة أربع ركعات، ركعتان قبل الشمس، وركعتان بعد الغروب، وإن الأذان، الله أكبر ثلاث مرات، أشهد أن لا إله إلا الله مرّتان، أشهد أن آدم رسول الله، أشهد أن نوحا رسول الله، أشهد أن إبراهيم رسول الله، أشهد أن عيسى رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن أحمد بن محمد بن الحنفيّة رسول الله، انتهى. ويقول الخبيث: القِبلة بيت المقدس.
وممّن استحقّ اللعان، وطرد عن باب الرحمن: ابن يحيى بن إسحاق المعروف [بابن الرّواندي]. مات إلى لعنة الله سنة ثلاث وتسعين ومائتين، وكان له في الكفر والإلحاد، ومناقضة الشريعة الغرّاء مصنفات منها "قضيب الذهب" و"والدّامع" و"الفريد" و"الزّمرّد". وقد أجابه العلماء عن معارضته السمجة والرّكيكة، وكان الخبيث وضع كتابا لليهود، وقال لهم: إن موسى ﵇ قال: لا نبيّ بعدي. وقال العلاّمة ابن الجوزي: إن الله يُعذّب هذا الزنديق أشدّ كم إبليس [الذي] خاطب الله تعالى، بالأدب فقال: " ... فبعزّتك ... " وهذا الملعون أساء الأدب مع الله، وتكلم بكل كفر، ومن العجيب أنّ العوام يضحكون لأقواله، ويغفلون عن كونه سبّ النبيّ ﷺ في مصنفاته. شعر:
ألا ليتني مكِّنتُ منهُفكنتُ فعلتُ فيهِ ما أشاءُ
فإنَّ أبي ووالدتي وعرضيلعرض محمدٍ منهُ وقاءُ
وممّن بدمشق ظهر وادّعى النبوة وكفر عيسى الدمشقي، ادّعى أنه نبي الله عيسى بن مريم، ﵇ وأضلّ طائفة، وكان يزعم أنّه أُنزلت عليه هذه السورة، وهي معارضة ل"سورة الكوثر" قوله: لعنه الله: إنّا أعطيناك الجماهر، فصلّ لربِّك، ولا تجاهر، ولا تطع كلّ ساحر. ولمّا شاع ذكره قبض عليه صاحب دمشق وصلب على عود، فوقف عنده الظّرفاء وقال له مخاطبا: يا لعين، إنّا أعطيناك العود، فصلّ لربّك قعود، وأنا ضامن لك أن لا تعود، انتهى. وفي ذكر هؤلاء الزّنادق كفاية.
حُكي: أنّ الرئيس ابن سينا اجتمعت عنده فرقة من تلاميذته، وحرّضوه على أن يدّعي النبوّة فأبى وأعرض عنهم، وهم يلحّون عليه بذلك، فاتّفق أن ليلةً شاتية كان عنده بعض تلامذته فاستيقظ الشيخ الرئيس في السَّحر، وقال لتلامذته: ما أشدّ برد هذه الليلة! فقال له الرجل: نعم. فقال: أريد منك أن تذهب إلى رأس العين وتأتيني منه بماء حار حتّى أتوضّأ. فأبى ذلك الرجل وقال: إنّي لا أقدر أذهب من شدّة البرد، وكان المؤذّن فوق المنارة يؤذّن فقال له الشيخ الرئيس: أنتم تأمروني أن أدّعي النبوّة، والنبيّ لا يُردّ كلامه، وأنا أطلب منك شيئا يسيراً، وأنت تمتنع أن تفعله خوفا على نفسك، أما تسمع هذا المؤذّن في المنارة يدعو الناس إلى الصلاة ممتثلاً لأمر النبي محمد ﷺ فأفٍّ لكم، أتريدون أن تضلّوني بعد إذ هداني الله؟ فالنبوّة لا تحصل بالكسب بل هي من عند الله يرسل جبرائيل، ويأمر الأنبياء والرسل بإظهار الدّعوة، وقد علمتم أن نبيّناً محمداً ﷺ هو خاتم الأنبياء والمرسلين، وقد صحّ عنه ﷺ، أنّه قال: "لا نبيّ بعدي" فمن اعْتقد هذا فهو مؤمن، ومن جحد هذا فقد كفر.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع