تجاوز إلى المحتوى

من «الروضة الفيحاء في أعلام النساء» لياسين الخطيب العمري (ت ١٢٣٣هـ)

حبابة جارية الخليفة يزيد بن عبد الملك بن مروان الأموي

كانت من أجمل نساء زمانها، اشتراها يزيد قبل أن يلي الخلافة بأربعة آلاف دينار، وأحبّها حبّاً شديداً، وهام بها، وترك القراءة، ومعاناة أمور المملكة فبلغ ذلك أخاه أمير المؤمنين سليمان، وحجر عليه، وأخذ منه الجارية حبابة وباعها، واستمر يزيد مقهوراً إلى أن ولي الخلافة، فاتّفق يوماً أنّ زوجته قالت له: هل بقي في نفسك شيء من الدنيا؟ قال: نعم قالت: وما هو؟ قال: حبابة. فأرسلت زوجته واشترت حبابة، من غير علمه، وزيّنتها وطيّبتها وأجلستها من وراء الستار، وهو لا يعلم، وقالت له: هل بقي في نفسك شيء من الدنيا؟ فقال يزيد: أما قلت [لك] بقي حبابة؟ فقالت: ها أنت وحبابة. وأمرتها بالخروج فخرجت عليه فرحّب بها، وقرّبها إليه، وخرجت زوجته من عنده، فكان ما كان ثم غلبت حبابة على عقل يزيد، وترك سياسة المملكة، ولم ينتفع بالخلافة، وقد شغف بحبابة فقال يوماً: الناس يقولون لم يصفُ الدهر لأحدٍ من الملوك يوماً واحداً، وإني أريد أكذّبهم: فأقبل على لذّاته واختلى مع حبابة يوماً بعد ما أحضر آنية المدام والطعام. فبينما هو في صفو عيش، وهو يلاعب حبابة، إذ تناولت حبابة حبّة رمان، وهي تضحك، فشرقت بها، وماتت من وقتها فطاش عقل زيد، واختلّ وذهبت مروّته، واعتلّ وتركها عنده أياماً لم يدفنها حتى جافت وهو يقبّلها ويلاعبها ويلعب بها. فاجتمع بنو أميّة، وعنّفوه، وهو لا يزداد إلاّ عشقاً، ثم دفنها فهاجت بلابله ونبشها بعد أيّام وقد تفصّلت مفاصلها ثم دفنها، ولم يعش بعدها سوى خمسة عشر يوماً، ومات سنة مائة وخمس.

قال في الطب: العشق مرض وسواسي يجلبه الإنسان إلى نفسه بتسليط فكره على استحسان بعض الصور والشمائل التي تكون في المحبوب، وقال أرسطو: هو عماء الحس عن إدراك عيوب المحبوب، وأكثر ما يعتري الغرباء والبطّالين، وعلامة العشق غور العينين وجفافها، وسمن الجفن مع قلّة الحركة والسّهر، وهزل البدن، واختلاف النّبض عند الذكر الحبيب، وتغيّر اللون، قال الشاعر:

علامةُ منْ أخفى الهوى بفؤادهِإذا ما رأى محبوبهُ يتغيّرُ
ويصفرُّ منهُ الوجهُ بعدَ احمرارهِوإنْ خاطبوهُ بالكلامِ تعثّرُ

وعلاج العشق، قال في "الفوائد": لا شيء أنفع للعاشق من وصال المعشوق، وإن لم يتّفق بالوجه الشرعي، فتسليط العجائز على العاشق حتى تُكرِّهه المعشوق بإظهار بعض العيوب. وإن كان من أهل الكمال فتنفعه النصيحة والاستهافة، وإلا بتصوير صورة المحبوب، وإلا فبالاشتغال بالعلوم العقلية والمحاكاة، وكثرة الجماع واللعب، وإلا فبسفر طويل، وقال في الأسباب: الجماع لغير المعشوق ينقص العشق. وقال في الكامل: ينفع العاشق الرياضة المعتدلة والنظر إلى البساتين والمزارع والأزهار، ويهيج العاشق المخاصمة والمنازعة، وذكر بعضهم: أن عظم اللقلق إذا علق على العاشق سلى عن محبوبه، وكذلك أربع شعيران نيل محلول بالماء إذا شربه العاشق سلي. وفي ذكر العشاق المشهورين في الآفاق ما حكى، أن الملك العزيز الأيوبي كان في أيام أبيه السلطان صلاح الدين يوسف يهوى جارية فبلغ أباه ذلك. فمنعه عن صحبتها، فحزن ولم يقدر على الاجتماع بها، فأرسلت له الجارية مع خادم لها كرة عنبر، فكسرها فوجد فيها زراً من الذهب فلم يفطن لذلك فحدث به القاضي الفاضل، فأنشد القاضي:

أهدت لك العنبر في وسطهزرٌّ من التبر رقيقُ اللحام
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «أهدت لك العنبر في وسطه»
فالزرُّ بالعنبرِ تفسيرهُزر هكذا مستتراً في الظلامِ

ففهم الملك العزيز المراد واجتمع بها في الليل، وحكى الجاحظ أن محمد بن حميد الطوسي كان جالساً مع ندمائه وقد أخذ الشراب برؤوسهم إذ غنت جارية له من وراء الستارة هذين البيتين شعراً:

يا قمرَ القصرِ متى تطلعُأشقى وغيركَ يستمتعُ
إن كان ربّي قضى كل ذامنك على رأسي فماذا أصنعُ

وكان على رأس محمد غلام أحسن ما يكون، وبيده قدح فوضعه، وقال: تصنعين مثل ذا، وألقى بنفسه من الدار إلى دجلة، فلما رأت الجارية ذلك هتكت الستارة وألقت بنفسها على إثره فغرقا جميعاً فحزن لذلك محمد، وقطع الشراب شهراً كاملاً.

وذكر في كتاب "ديوان الصبابة" أن رجلاً من بني عذرة عشق جارية فراسلها، وأظهرت له الجفاء فوقع مضنى، وظهر أمره فلم تزل النساء يكلمن الجارية حتى جاءت تعوده فلما دخلت عليه ونظر إليها بكى، وأنشد يقول شعر:

أريتك إن مرّت عليكِ جنازتيتلوحُ بها أيدٍ طوالٍ وشرّعِ
للشاعر ابن عابس الكندي، اقرأ القصيدة
أما تتبعين النّعشَ حتى تسلميعلى رمم ميّت بالحفيرة مودعِ

فبكت الجارية رحمة له، وقالت: ما ظننت الأمر يبلغ بك إلى هذا، فوالله لأواصلك متى عوفيت فهملت عيناه بالدمع. وأنشد:

دنت وحياض الموت بيني وبينهاوجادت بوصلِ لا ينقطع الوصلُ

وشهق ومات فوقعت عليه الجارية تبكي، وأغشي عليها، وما مكثت بعده إلا أياماً قلائل، وماتت.

وحكى أحمد بن الفضل: أن غلاماً وجارية كانا في كتاب فعشق الغلام الجارية، ولم يزل يتلطف بمعلمه حتى قربه إليها، فكتب الغلام في لوح الجارية هذا البيت. مفرد:

ماذا تقولينَ فيمنْ شفّه سقممنْ طولِ حبّك حتّى صارَ حيرانا

فقرأته الجارية وذرّفت عيناها بالدموع رحمة له، وكتبت تحته: مفرد:

إذا رأينا محبّاً قدْ أضرَّ بهطولُ الصبابةِ أوليناهُ إحسانا

فقدم المعلّم، وسمع ذلك، فأخذ اللوح وكتب فيه هذين [البيتين: شعر].

صلي العريفَ ولا تخشينَ منْ أحدٍإن العريفَ صغيرُ السنِ ولهانا
أمّا الفقيهُ فما يسطوا إذاً أبداًلأنّه قدْ بُلي بالعشقِ ألوانا

وحكي: أنّ بعض الأدباء كان يعشق جارية فقالت له: أنت صحيح الحبّ كامل الوفاء؟ فقال: نعم. قالت: فامض بنا حيث شئت. فلمّا حصلت في منزله لم يكن له همّة، إلاّ أن رفع ساقيها، وجعل يجامعها بجميع جواره، فقالت له، وهي في القالب، وأنشدت، مفرد:

أسرفتَ في.. و.... مصلحةأرفق بصبّك إنّ الرِّفق محمود

فأجابها وهو في عمله لا يفترّ عنه. مفرد:

ولمْمنْ تبقى مودّته ... لكن ... هذا فيك مجهود

فنفرت من تحته، وقالت: أراك يا فاسق على خلاف العادة كأنك جماعي سببا لذهاب حبّك، والله ما جمعني وإياك بعد هذا سقف. انتهى.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من المقالة الثانية في ذكر النساء الطالحات

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.