من «سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
الشيخ عبد علي بن ناصر بن رحمه الحوزي
فاضل قال من الفضل بظل وريف. وكامل حل من الكمال بين خصب وريف. فالأسماع من زهرات أدبه في ربيع ومن ثمرات فضله في آخر خريف. إن إنشاء أبدى من فنون السجع ضرائب. أو طفق بنظم أهدى الشنوف للأسماع والعقود للترايب. ومؤلفاته في الأدب. أحلى من رشف الضرب. بل أخدى من نيل الأرب. ومتى جاراه قوم في كلام العرب. كان النبع وكانوا القرب. واتصل بحكام البصرة وولاتها. فوصلته بأسى أفضالها وأهنى صلاتها. وهبت عليه من قبلهم رخاء الاقبال. وعاش في كنفهم بين نضرة العيش ورخاء البال. ولم يزل بها حتى انصرمت من الحياة أيامه. وفوضت من هذه الدار الفانية خيامه. ومن مؤلفاته المعول. في شرح شواهد المطول. وقطر الغمام. في شرح كلام الملوك ملوك الكلام. وغير ذلك وله ديوان شعر بالعربية وانتخب منه نبذة سماها مجلى الأفاضل وله أشعار بالفارسية والتركية. إلا أنها عند العارفين بها متروكة منسية. ومن انشائه ما كتبه إلى القاضي تاج الدين المالكي. طبقات صحائف الأوراق. وإن كانت السبع الطباق. وأعلام الأقلام. وإن كانت عدد الأجام. وبحار المداد. وإن سفحت على الأطواد. ليست بمستقلة بالاحاطة بيسير من كثير الاشتياق. وليس ضرب الصفح. وطي الكشح. عن أعلامه من مكارم الأخلاق. فرقمت هذه الصحيفة عن سويداء القلب بسواد الأحداق. انموذجاً يستدل به الاخوان على الأحزان. بما جرى من شان عن الشان. محيلة ما تجده القلوب عليها مرجعة ما يطلب منها إليها.
وحق من أرتجي شفاعتهيوم تكون السماء كالمهل
ما سرت عنكم ولا حشا بسوىخيالكم مذ نأيت في شغل
يا تاج الاخاء ما أنا منيعقل عنكم ركائب الرسل
لكنني قد جعلت معتمديما أثبتته لنا يد الأزل
وخذ على البعد ما همى مطرتحية من أخيه عبد علي
فراجعه القاضي تاج الدين بقوله. وصل الكتاب الذي تفتقت كمايم ألفاظه عن زهور معانيه فإذا هي من حميد حكمي. وتلا المخلص عند وروده أنه ألقى إلى كتاب كريم فقبله المخلص ألفاً وقراه حرفاً حرفاً ولم يكد يستطع أن يتجاوز فقرة منه إلى أخرى واعترف أن منشيه بالتقدم في محراب البلاغة أحرى. وأما الشوق فلو دخل التسلسل في دائرة الامكان. لأنهى المخلص ما يجد من الهيمان. وكيف ينهى شوق لا يتناهى. وتوق كلما وصل إلى رتبة تجاوزها وتعداها. لكن نفث بانموذج من ذلك نفثة مصدور. وتنفس من البين مزتور.
والله والله ثم ثالثةبخاتم الأنبياء والرسل
تجر اشتياقي إليك منسرجما سار ركب العشاق في رمل
وليس في توسلي طلبغير حصول اللقاء بالعجل
يا سيداً أكدت سيادتهتسمية فضلت من الأدب
كلّلت تاجي لؤلؤاً فعلىبذاك دين الأخافي الملل
عليك ما هبت الصبا سحراًتحية من محب عبد علي
ومن بديع شعره قوله يمدح علي باشا ابن قرا سباب حاكم البصرة ويهنيه بعيد الفطر
لمن العيس عشياً تترامىتركتها شقق البين سهاما
كلما برقعها ريح صبالبست من أحمر الدمع لثاما
وترامت خضعاً أعناقهاكلما هزله البرق حساما
شفها جذب براها للحمىوهي تثنى لربا نجد زماما
وتلقيها نسيماً حاملاًعن ثرى وجرة أنفاس الخزاما
ما على من حملت لو وقفواساعة نشرح وجداً وغراما
ومن الجهل ارتجائي يقظةارباً لا أترجاه مناما
يا بني عذرة هل من أخذبدمي المسفوك من حل الخياما
قمر لو لم ير البدر دجىما حوى البدر كمالاً وتماما
غادر لم يرع مني نسباًدون أن يحفظ عهداً وزماما
نسباً أيسره أن الحشامثل خديه لهيباً واضطراما
ولجسمي من بقايا حبهشبه الطرف فتوراً وسقاما
يا نديميّ دعا خمريكماأن أراق الحب من فيه مداما
وتثنى يا قضيب البان إذرنحت سكر اللمى ذاك القواما
واصغ يا روض أناجيك إذافلقد لاح لنا الثغر ابتساما
أيها الظاعن عن عيني وفيمهجتي قد شاد ربعاً ومقاما
عاقب الله بأدهى صممأذني إن سمعت فيك ملاما
وعشت يوم ترى ذاك إليهامقلتي إن زارها النوم لماما
أنا من ينظر في شرع الهوىكل شيء ما سوى الموت حراما
فقت أهل العشق طراً مثل مافاق في المجد عليٌّ وتساما
ملك راحته غيث ندارشحها يخجل بالسح الغماما
وهزبر يصدم الموت إذاما تنادت أسد الحرب الصداما
رب سيب فاض من أنملهفكفى رزق أيامى ويتاما
وعنيد كسرت صولتهوحمام قد أذاقته حماما
ومكرّ كسفت شمس الضحىفيه وانصاع سنا الأفق ظلاما
طلعت فيه نجوم من ظباوتردت عوض الليل قتاما
موقف لا يبصر الطرف بهإن رنا إلا حساماً أو هماما
انعل الخيل بأجساد العدابعد ما قد توج السمر اللهاما
وثنا عنه الظبا مخمورةوالكؤوس الروس والدم المداما
قلب الطرف به فكراً تجدديمة تهمى وضرغاماً شهاما
وأخا فضل إذا ما انسجمتسحبه أخجل سحبان نظاما
أبحر الدنيا إذا ما سجلتجوده أقعدها الفخر وقاما
لو أتاه يوم حشر سائلوهو لا يملك إذ ذاك حطاما
لتلقاه بأعلى همةوحباه بالذي صلّى وصاما
أيها المولى الذي من ربهسمّى المولى وسميّت الغلاما
لا تضعني وأجد تربيتيتلفني إذ صدق الجد تماما
واهن بالعيد الذي أنت بنامثله في الدهر فضلاً واحتراما
وألقه شكراً ببشر إذا أتىبعد أن صمت فوفيت الصياما
واسم واسلم بالمعالي مقصداًنحوك الخلق رجاء تترامى
وقال يمدحه ويستأذنه لحج بيت الله الحرام. وزيارة نبيه ﵊
لمع البرق في أكف السقاةوبدا الصبح من سنا الكاسات
فالبدار البدار حي على الراحوهبوا لأكمل اللذات
نار موسى بدت فأين كليم الذات يمحو بها حجاب الصفات
صاح ديك الصباح يا صاح بالراح فوات الأفراح قبل الفوات
واصطبحها اصطباح من راح لا يفرق بين الشموس والذارات
تلق فيها العقول منتقشاتكانتقاش الأشخاص في المرآة
فهي الشربة التي عثر الخضرعليها في عين ماء الحياة
وتقصى الاسكندر البحث عنهافعداها وتاه في الظلمات
سكنت من حضاير القدس حاناجل عن أن يقاس بالحانات
نور حق بنفسه قام ما أحتاج إلى كرة ولا مشكاة
قبس أشعلته أيدي التجليفأضاءت به جميع الجهات
حجبت بالزجاج وهي عيانكاحتجاب البدور بالهالات
يا نديمي أجل عرايس ستربغواشي الكؤوس محتجبات
هات راحي وناد خذها فإنيلست أنسى يوم اللقا خذ وهات
فلقد هد ركن نحسي لماسعدت بالحبيب كل جهاتي
هي شهد الشهود بل راحة الارواح بل حسن طلعة الحسنات
غير بدع ممن حساها إذا ارتاح وقال الوجود بعض هباتي
قام زين القياد من شربها قطباًعليه دارت رحي البينات
فتلاشى بشعلة فتح العينين منها إلى عيون الذوات
وخطت بالجنيد لجة بحرغرقت فيه أكثر الكائنات
ورمت بالحسين حتى ترقىبانا الحق أرفع الدرجات
أسمعتنا من شيح بسطام ما أعظم شاني بالنفي والاثبات
وقصاري خلع العذار بها نيل مقام يقاوم المعجزات
رب وفر منها نصيب فتى المجدعليّ العلى سريّ السراة
فهو في سره المنزه سرىوإذا لم يهم بجوز الفلاة
حاد عن ظاهر التقشف وانحاز إلى مذهب الحماة الكماة
وتردى برد البواطن والأصل خلوص الأعمال بالبينات
فهو في السر خادم الفقر عافوهو في الجهر ضيغم الملك عات
وله في مراتب الفضل ذهنهو مفتاح مقفل المشكلات
كتمته الدهور حيناً فأبدتهـ على فترة من المكرمات
فأفادت بمجده البصرة الفيحاء حلى المعاهد العاطلات
حل من خفض نفسه للمساكين بسنام المراتب العاليات
أسد في ملاحم الحرب غيثفي الندى خضرم بعلم اللغات
كفه مقلة العدو فلا ينفككل عن شيمة المرسلات
وكذا خيله وأفئدة الأعداء سيان في وحا العاديات
وكذا ما له وأرواح من عاداه في كونهن في النازعات
أن يضع وقت من سواي فأنيلي بعلياه أشرف الأوقات
شملتني منه العناية حتىشمخت همتي على النيرات
يا امام الكرام يا صادق الوعدإذا لم يف الورى بالعدات
وهماماً تعود الحلم والجودوهاتان أكرم العادات
نلت من جودك العميم نوالاًوجبت فيه حجتي وزكاتي
عرف الناس في حماك وقوفيفأجزني الوقوف في عرفات
ومرادي لك الثواب وللرققضاء المناسق الواجبات
طوف بيت الله الحرام وتقبيل ثرى قبر سيد السادات
لم أفارق حمى عليّ لبيتغير بيت العلي ذي الدرجات
وابق واسلم على الرجال مليكاًطوع ما تشتهي الزمان المواتي
وقال أيضاً وهي من حر الكلام وناصع النظام
قام يجلوها في الأجفان غمضوالندامى نوّم بعض وبعض
والضيا يرمى به الفجر الدجىولخيل الصبح في الظلماء ركض
وكان الليل غيم مقلعلمعان الكاس في جنبيه ومض
في رياض نسجت فيها الصباولها في زهرها بسط وقبض
ضرج الورد بها وجنتهوالأقاحي ضحك والآس غض
وكان النرجس الغض بهاأعين العين وما فيهن غمض
وكان البان قدّ مايسكل غصن منه عرق فيه نبض
وكان الأرض مما أنبتتنهرها جو السما والجوّ أرض
مجلس طل دم الكاس بهوله ظل له طول وعرض
نظمت فيه اللآلي حبباًحين عنها صدف الدن يغض
بي وبالراح الذي أجفانهتحسب البيض صحاحاً وهي مرض
كيف ترجو البيض نحوي رسمهاولها في حدها رد ونقض
ما وفت ديني منها ولهافي فؤادي أبداً نشر وقرض
يا حبيباً قد غدا معتزليليس لي عن سنة العشاق رفض
إن يكن قد شيب دمعي بدميحمرة فالود بالاحشاء محض
مستقر نهك العظم بهبعد أن ذاب به لحم ونحض
وبقلبي عقرب الصدغ لهكلما هب الصبا نهش وعض
حملت جسمي أعباء الهوىوهو لا يمكنه بالثوب نهض
وقال أيضاً وهي قصيدة تشتمل على أنواع من البديع
قلبي وطرفك منصوب وكسوركلاهما مطلق منا ومأسور
ناديت دمع جفوني كي ترخمهيا مستغاثي مالي عنك تحذير
حاكى فؤادي منك الوجه وافترقافذاك نار لتعذيب وذا نور
قدري وقدك مخفوض ومنتصبوالثغر والدمع منظوم ومنثور
بخفض قدري فيك الناس تعرفنيوهكذا الحب تعريف وتنكير
قد أعرب الحب نحواً بيننا حسناًفالشعر والشعر مرفوع ومجرور
يا طرف من نهبت قلبي محاسنهذكرى كسيفك في الآفاق مشهور
ينجاب ذو الجهل عنى حين يبصرنيكأنما أنا أصبح وهو ديجور
لو رمت فخراً على المحبوب قلت لهدمعي وثغرك ياقوت وبلور
أصناف جورة عطار بطلعتهفخاله عنبر والخد كافور
أقام سوى الهدى خد له أبداًلحبة القلب فيه اليوم تسعير
لا ترج مني امتناعاً عن محبتهوطرفه قادر والقلب مقدور
لنا بمقلته النجلاء ذو شطبله على فلك المريخ تدوير
أبدى ضروب بديع طرفه فلهفي فتية العشق تصريع وتشطير
حمت لواحظه معسول ريقتهيا كوثراً متعتنا ورده الحور
يقول إن صدقتنا القول مقلتهيا محرمي العشق إني كعبة زوروا
قد أخلصت كيمياء الحب وجنتهكأنها للهوى العذري أكسير
لو لم يكن كيمياء ما تيسر للأنفاس والدمع تصعيد وتقطير
يحيى بجعفر دمعي فيه فضل وفىأنا الرشيد به والقلب مسرور
يا دمع مقلتي الكشاف أنت لفيتقدير للحب تأويل وتفسير
وسعت بالدمع أشكالاً خلقت بهااقليدساً ولها في الخد تحرير
لله مجلسنا والغصن يعطفهمن نسمة الصبح تقديم وتأخير
والنهر جسم بثوب الزهر ملتحفوالزهر برد من الريحان مزرور
فصل الربيع إذا ما العشق وافقهللقلب فيه وللأشجار تقطير
وللسماء التباس بالرياض لماحكت كواكبها منها التصاوير
فالزهرة الورد والسعد الشقائق والمجرة النهر والجوزاء منثور
تصرفت بي أيامي لتنقصنيفما تغيرت والتصريف تغيير
لا ينفع المرء تدبير يهذبهإلا إذا عضد التدبير تقدير
وقال أيضاً
شهودي على أني لاذن العلى قرطلباس التقى والعلم والشعر والخط
فإن قبلت مني الشهادة أثبتتمرادي وإلا فالصوارم والخط
حويت ملاك المجد من قبل أن يرىلمسك عذاري في صفا عارضي خط
ولم يقض لي الدهر الخوون مطالبيوها قد بدا للشيب في لمتي وخط
ألا أتشكى من زماني وقد غداسلاحاً به يسطو على الأجدل البط
وتفترس الضان احتقاراً أسودهويقصر عما يدرك الجعفر الشط
وتخضع شمس الأفق منه لدى السهىويسجد لليل النهار وينحط
تخالف حكم الفضل والنقص عندهفهذا به قبض وهذا له بسط
وليس لأهل النظم فيه محركفلا ماجد يعطى ولا شاذن يعطو
إلى الله أشكو جور دهري وجيرةنأوا بالجفا عني ولم ينأهم شحط
تباين ما بيني وبين أحبتيكان لم يكن وصل لدينا ولا ربط
نصيبهم مني دنو إذا جفوارضا ونصيبي منهم أبداً سخط
ولو صوبوا أنظارهم بي وحاولواخطا وصواباً لم يصيبوا ولم يخطوا
وقال
بدا شيب المحب فبان لماعذار حبيبه في الخد لاحا
فهذا صبحه أمسى مساءًوذاك مساءه أضحى صباحاً
وقال
دع الدنيا ولا تركن إليهافزخرفها سيذهب عن قليل
وإن ضحكت بوجهك فهو منهاكضحك السيف في وجه القتيل
وأنشدني له شيخنا الشيخ جعفر بن كمال الدين البحراني في مرثية له في السيد مبارك بن مطلب قال وهو مما زعم أنه لم يسبق إليه وكان يقول لو لم يكن لي من الشعر إلا هذان البيتان لكفى
سفها توهم ما أرقن من الظباأيدي القيون من الأشعة جوهرا
هذا عمود الماء طلقاً جارياًوافاه ما صدع العلى فتكسرا
قلت فإني لأعجب من زعمه أنه لم يسبق إليه وليس فيه غير تشبيه فرند السيف بالماء المتكسر وهذا المعنى في قول أبي العلا المعري من قصيدته المشهورة
وكل أبيض هندي به شطبمثل التكسر في جار بمنحدر
وقلت أنا في السيف وأظن أني لم أسبق إليه والله أعلم
لا تحسبن فرند صارمه بهوشياً أجادته القيون فأبهرا
هذا ندى يمناه سال بمتنهفغدا يلوح بصفحتيه مجوهرا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع