من «سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
أبو البحر جعفر بن محمد حسن بن علي بن ناصر بن عبد الامام الشهير بالخطي البحراني العبيدي أحد بني
عبد القيس بن شن بن قصي بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان رحمه الله تعالى
ناهج طرق البلاغة والفصاحة. الزاخر الباحث الرحيب المساحة. البديع الأثر والعيان. الحكيم الشعر الساحر البيان. ثقف بالبراعة قداحه. ودار على السامع كؤوسه وأقداحه. فأتى بكل مبتدع مطرب. ومخترع في حسنه مغرب. ومع قرب عهده فقد بلغ ديوان شعره من الشهرة المدى. وسار به من لا يسير مشمر وغني به من لا يغنى مفرداً. وقد وقفت على فرائده التي لمعت. فرأيت ما لا عين رأت ولا أذن سمعت. وكان قد دخل الديار العجمية فقطن منها بفارس. ولم يزل بها وهو لرياض الأدب جان وغارس. حتى اختطفته أيدي المنون. فغرس بفناء الفنا وخلد عرايس الفنون. وكانت وفاته سنة ثمان وعشرين وألف رحمه الله تعالى ولما دخل أصبهان اجتمع بالشيخ بهاء الدين محمد العاملي وعرض عليه أدبه فاقترح عليه معارضة قصيدته الرائية المشهوره التي مطلعها
سرى البرق من نجد فجدد تذكاريعهوداً بحزوى والعذيب وذي قار
فعارضها بقصيدة طنانة أولها
هي الدار تستسقيك مدمعك الجاريفسقيا فخير الدمع ما كان للدار
ولا تستطع دمعاً تريق عيونهلعزّته ما بين نوء وأحجار
فأنت امرءٌ قد كنت بالأمس جارهاوللجار حق قد علمت على الجار
عشوت إلى اللذات فيها على سنىسناء شموس ما يغبن وأقمار
فأصبحت قد أنفقت أطيب ما مضىمن العمر فيما بين عون وأبكار
نواصع بيض لو أفضن على الدجىسناهن لاستغنى عن الأنجم الساري
حراير ينصرن الأصول بأوجهتغص بأمواه النضارة أحرار
معاطير لم تغمس يداً في لطيمةلهن ولا استعقبن جونة عطار
أيحنك ممنوع الوصال نوازلاًعلى حكم ناه كيف شا وأمّار
إذا بت تستسقى الثغور مدامةأتتك فحيتك الخدود بأزهار
أموسم لذاتي وسوق مآربيومجني لباناتي ومهبط أوطاري
سقتك برغم المحل أخلاق مزنةتلفّ إذا جاشت سهولاً بأوعار
وفج كما شا المجال حشوتهبعزمة عواد على الهول كرار
تمرس بالأسفار حتى تركتهبدقته كالقدح أرهفه الباري
إلى ماجد يعزى إذا انتسب الورىإلى معشر بيض أماجد أخيار
ومضطلع بالفضل زر قميصهعلى كنز آثار وعيبة أسرار
سمي النبي المصطفى وأمينهعلى الدين في إيراد حكم واصدار
به قام بعد الميل وانتصبت بهدعائم قد كانت على جرف هار
فلما أناخت بي على باب دارهمطاياي لم أذمم مغبة أسفار
فكان نزولي إذ نزلت بمغدقعلى المجد فضل البرد عار من العار
أساغ على رغم الحوادث مشربيوأعذب ورد العيش لي بعد امرار
وأنقذني من قبضة الدهر بعدماألح بأنياب عليّ واظفار
جهات على معروف فضلي فلم يكنسواه من الأقوام يعرف مقداري
ولما انتهى إلى هذا البيت في الانشاد قال له وأشار إلى جماع من سادات البحرين وأعيانهم كانوا عنده وهؤلاء يعرفون مقدارك إنشاء الله تعالى رجع
على أنه لم يبق فيما أظنهمن الأرض شبر لم تطبقه أخباري
ولا غرو فالا كسيراً أكبر شهرةوما زال من جهل به تحت أستاري
متى بلّ لي كفاً فليس بأسفعلى درهم إن لم ينله ودينار
فيابن الأولى أثنى الوصي عليهمبما ليس تثنى وجهه يد انكار
بصفين إذ لم يلف من أوليائهوقد عض نابا للوغى غير فرار
وأبصر منهم حرب جن تهافتواعلى الموت إسراع الفراش إلى النار
سراعاً إلى داعي الحروب يرونهاعلى شربها الأعمار مورد أعمار
أطاروا غمود البيض واتكلوا علىمفارق قوم فارقوا الحق فجار
وأرسلوا وقد لاثوا على الركب الجثىبروكاً كهدي أبركوه لجزار
فقال وقد طابت هنالك نفسهرضيّ وأقروا عينه أيّ اقرار
فلو كنت بواباً على باب جنةكما أفصحت عنه صحيحات آثار
يشير بذلك إلى همدان وهي قبيلة من اليمن ينتهي إليهم نسب الممدوح وكانوا قد أبلوا يوم صفين بلاء حسناً فروى أنهم في بعض أيامها حين استحق القتل وراوا فرار الناس أغمدوا سيوفهم فكسروها وعقلوا أنفسهم بعمائهم وجثوا على الركب وبركوا للقتل فقال أمير المؤمنين علي ﵁
لهمدان أخلاق ودين يزينهاوبأس إذا لاقوا وحسن كلام
فلو كنت بواباً على باب جنةلقلت لهمدان ادخلوا بسلام
وقال فيهم يوم الجمل لوت تمت عدتهم ألفاً لعبد الله حق عبادته وكان إذا رآهم تمثل بقول الشاعر
ناديت همدان والأبواب مغلقةومثل همدان ثنى فتحة الباب
كالهند وإني لم تقلل مضاربهوجه جميل وقلب غير وجاب
ذكره ابن عبد ربه في كتاب العقد وهمدان بسكون الميم وبعدها دال مهمله وإن همذان بفتح الميم والذال المعجمة فبلد من بلاد العجم وهي أول عراق العجم وإليها ينسب بديع الزمان الهمذاني في صاحب المقامات الذي اقتفى الحريري أثره فيها وتمام القصيدة يؤخذ من ديوان الشاعر المذكور ولما أتم انشادها كتب إليه الشيخ بهاء الدين مقرظاً. أيها الأخ الفاضل الأعز الألمعي بدر سما أدباء الاعصار. وغرة سيما بلغاء الأمصار. أيم الله إني كلما سرحت بريد نظري في رياض قصيدتك الغراء. ورويت رايد فكري من حياض خريدتك العذرا. زاد بها ولوعي وهيامي واشتد إليها ولهي وأوامي. فكأنما عناها من قال
قصيدتك الغراء يا فرد دهرهتنوب عن الماء الزلال لمن يظما
فنروى متى نروي بدائع نظمهاونظمأ إذا لم نرو يوماً لها نظما
ولعمري لا أزال إلا آخذاً فيها بأزمة أو أبد اللسن. نقودها حيث أردت. ونورها إني شئت وارتدت. حتى كأن الألفاظ تتحاسد على التسابق إلى لسانك. والمعاني تتغاير في الانهيال على جنانك. والسلام. ومن بديع قصايده أيضاً قوله في صباه يمدح وزير البحرين ركن الدين محمد بن نور الدين وهي أول قصيدة أثبتها في المدح وأنشدها يوم عيد الفطر للسنة الحادية بعد الألف
ماذا يفيدك من سوال الأربعوهي التي إن خوطبت لم تسمع
سفه وقوفك في رسوم رثةعجماء لا تدري الكلام ولا تعي
فذر الوقوف على محاني منزلعافٍ لمختلف الرياح الأربع
وامسك عنان الدمع عن جريانهفي دمنة لا تحمدنك ومربع
الله جارك هل رأيت منازلاًعطلت فحلتها عقود الأدمع
واستبق قلباً لا تعيش بغيرهوشعاع نفس إن يغب لم يطلع
واصرف بصرف الراح همك إنهامهما تفرق من سرورك تجمع
كرميّة تذر البخيل كأنمانزل ابن مامة من يديه باصبع
فهي التي آلت اليّة صادقأن لا تجاورها الهموم بموضع
مع كل ساحرة اللحاظ كأنماترنو بناظرتي مهاة مرضع
وكأنما تثني على شمس الضحىأما هي انتقبت حواشي البرقع
وكأنما وضع البرى منها علىعشر تعاوره الحيا أو خروع
يا من يفر من الخطوب وصرفهاإني أراه يفر عنها يتبع
لذ بالوزير فإنما تأوى إلىالكنف الأعز المنع ابن الأمنع
ملك رقى درج الفخار فلم يدعفيها لراق بعده من مضمع
وتناولت كفاه أشرف رتبةلو قام يلمسها السهى لم يسطع
أندى من الغيث الملث إذا اجتدىأحمى من الليث الهزبر إذا دعى
التارك الأبطال صرعى في الوغىفكأنهم اعجاز نخل منقع
يذر الجماجم في المكر سواقطاًسقط الثمار من المحب الزعزع
أفديه وهو على أغر محجلظامي الغصوص سليم سبر الأكرع
نهد المراكل واللبان بعيد ماوضع العنان به عصيّ طيّع
فكأنه لما استقام تليهمضع تلقف نباة من برقع
في جحفل كاليمّ إلا أنهلا ماء فيه غير لمع الأدرع
حتى ترجل للصلاة ولم نجدأسداً يصلي قبله في مجمع
بيناه أفتك فاتك أبصرتهفي النسك أخشع خاشع متخشع
حييت يا كسرى الملوك تحيةتربى على كسرى الملوك وتبع
يا ابن الأولى جعلوا مراكز سمرهمحب القلوب بكل يوم مفظع
واستبدلوا للبيض من أغمادهافي الحرب هامة كل ليث أروع
النازلين من العلى في رتبةهام السهى منها بأدنى موضع
ما حدثت نفس امرءٍ ببلوغهاإلا ومات بغلة لم تنفع
وإليك من عرب الكلام خريدةجآتك مسفرة ولم تتبرقع
عذراء أولى ما جلاه لناظرٍنظمي وأول ما تلاه لمسمع
من شاعر ذرب اللسان مفوهطب بتركيب القوافي مصفع
فاضمم عليه يديك تحظ بآحظأزكى من المتقدمين وأبرع
فليسمعنّك إن بقى لك بعدهاما تستبين لديه ذل الأشجع
قال مؤلفه عفا الله عنه لما وقفت على هذه القصيدة راق لي هذا الوزن والروي فأحببت أن الظم عليها وبالله التوفيق
يا دار مية باللوى فالأجرعحياك منهمل الحيا من أدمعي
وسرى نسيم الروض يسحب ذيلهبمصيف أنس في حماك ومربع
لو لم تبيتي من أنيسك بلقعاما بت أندب كل دار بلقع
لم أنس عهدك والحبة جيرةوالعيش صفو في ثراك الممرع
أيام لا أصغي للومة لائمسمعاً وأن تفر الصبابة أسمع
حيث الربا تسري برياها الصباوالروض زاهي النور عذب المشرع
تحنو عليّ عواطفاً أفنانهعند المبيت به حنو المرضع
والورق في عذب الغصون سواجعتشدو بمراي من سعاد ومسمع
كم بت فيه صريع كاس مدامةحلف البطالة لا أفيق ولا أعي
أصبو بقلب لا يزال موزعاًفي الحب بين معمم ومقنع
مستهتر طوع الصبابة في هوىقمري جمالٍ مسفراً ومبرقع
ما سآني أن كنت أول مغرمبجمال رب ردا وربة برقع
يعتادني زهو الشباب وعفتيفيه عفاف الناسك المتورع
لله أيامي بمنعرج اللوىحيث الهوى طوعي ومن أهوى معي
لم أنسه والبين ينعق بيننامتصاعد الزفرات وهو مودعي
إن شب في قلبي الغضا بفراقهفلقد ثوى بالمنحني من أضلعي
أتجشم السلوان عنه تكلفاًوالطبع يغلب شيمة المتطبع
رجع. ومن غرر قصايده أيضاً قوله يصف حاله وقد ضربته في وجهه سمكة تعرف بالسبيطية فشجته وهو خارج من قرية يقال لها مرى بكسر الميم وتشديد الراء المهملة وبعدها ياء مثناة من تحت متجاوز من بحرين يقال لأحدهما البلاد والأخر نويلي ومعه ابنه حسان ومن تأمل هذه القصيدة عرف سمو مقداره في البلاغة وأخذه برقاب الكلام وتلاعبه بمحاسن المعاني وهي قوله
برغم العوالي والمهندة والبتردماء أراقتها سبيطية البحر
ألا قد جنى بحر البلاد ونويليعليّ بما ضاقت به ساحة البر
فويل بني شن ابن قصي وما الذيرمتهم به أيدي الحوادث من وتر
دم لم يرق من عهد نوح ولا جرىعلى حد ناب للعدوّ ولا ظفر
تحامته أطراف القنا وتعرضتله الحوت يا بؤس الحوادث والدهر
لعمري أبى الأيام أن باءً صرفهابثار امرءٍ من كل صالحة مثر
فلا غرو فالأيام بين صروفهاوبين ذوي الأخطار حرب إلى الحشر
ألا فابلغ الحيين بكراً وتغلباًفما الغوث إلا عند تغلب أو بكر
أيرضيكما أن امرأ من بنيكماوأي امرءٍ للخير يدعي وللشر
يراق على غير الظبا دم وجيهويجري على غير المثقفة السمر
وتنبو ينوبٌ عنه أيضاً وينثنيأخو الحوت عنه دامي الفم والثغر
ليقض امرء من قصتي عجباً ومنيرد شرح هذا الحال ينظر إلى شعري
أنا الرجل المشهور ما من محلةمن الأرض إلاّ قد تخللها ذكري
فإن أمسي في قطر من الأرض أن ليبريد اشتهار في مناكبها يسري
طوالع بي صرف القضاء ولم يكنلتجري صروف الدهر الأعلى الحر
توجهت من مرّى ضحى فكأنماتوجهت من مرّى إلى العلقم المر
تلججت خور القريتين مشمراًوشبلي معي والماء في أول الجزر
فما هو إلا أن فجئت بظافرمن الحوت في وجهي ولا ضربة الفهر
لقد شق يمنى وجنتيّ بنطحةوقعت لها دامي المحيا على قطر
فخيّل لي أن السموات أطبقتعليّ وأبصرت الكواكب في الظهر
وقمت كجدي ندّ من يد ذابحوقد بلغت سكينه ثغرة النحر
يطوحني نزف الدماء كأننينزيف طلا مالت به نشوة الخمر
فمن لامرءٍ لا يلبس الوشي قد غداوراح موشى الجيب بالنقط الحمر
ووافيت بيتي ما رآني امرؤ ولميقل أو هذا جاء من ملتقى الكر
فها هو قد أبقى بوجهي علامةكما اعترضت في الطرس اعرابة الكسر
فإن يمح شيئاً من محياي أثرهابمقدار أخذ المحو من صفحة البدر
فلا غرو بالبيض الرقاق إذا لهاعلى العنق ما لاحت به سمة الأثر
وقل بعد هذا للسبيطيّة افخريعلى سائر الشجعان بالفتكة البكر
وقل للظبا مهلاً إليك عن الطلىوللسمر لا تهززن يوماً إلى صدر
فلو همّ غير الحوت لي لتواثبترجال يخوضون الحمام إلى نصري
فأما إذا ما عزّ ذاك ولم يكنلادراك ثاري منه ما مد في عمري
فلست بمولى الشعر إن لم أزجهبكل شرود الذكر أعدى من العسر
أمر على الأجفان من حادث العمىوأبلى على الآذان من عارض الوقر
يخاف على من يركب البحر شرهاوليس بمأمون على سالك البر
تجوس خلال البحر تطفح تارةوترسو رسو الغيض مبتدر القعر
لعمر أبي الخطيّ إن بات ثارهلدى غير كفوء وهو نادرة العصر
فثار عليّ بات عند ابن ملجموأعقبه ثار الحسين لدى شمر
ولما عرضت هذه القصيدة على الشريف العلامة ماجد بن هاشم البحراني قدس الله سره كتب عليها مقرظاً قوله. أجلت رايد النظر في ألفاظها ومعانيها. وأحللت صاعد الفكر في أركانها ومبانيها. فوجدتها قرة في عين الابداع. ومسرة في قلب الاختراع. والحق أحق بالاتباع. فالحمد لله على تجديد معالم الأدب بعد اندراسها. وتقويم راية البلاغة بعد أساسها. ورد غرايب الفصاحة إلى مسقط راسها وإزالة وحشتها وإيناسها. وكتب ماجد بن هاشم البحراني وقال وهو بشيراز وكتبها إلى أهله بالبحرين يتشوق إليهم. ويبث لواعج أشجانه عليهم
سلام يغادي جوكم ويراوحهونشر ثناء تحكيم روايحه
ولا زال مرفوع الثناء يؤمكمعلى كاهل البرق الشمالي صالحه
أأحبابنا والمرء يا ربما دعىأخا النأي إن ضاقت عليه منادحه
هل الدهر مدنيني إليكم فمبردلهيب اشتياق يرمض القلب لافحه
ومجمع دمع كلما هتفت بهدواعي هواكم قرح الجفن سافحه
كفى حزناً أني بشيراز مفردأبا كرما يضني الحشا وأرايحه
وفرط هموم لو تضيفون يذبلاتضاءل واستعلت عليه أباطحه
وشوقاً لو استجلى ثناء أخو الدجىلأغناه عن ضوء المصابيح قادحه
غدا وهو عنوان الحوادث فاستوىلديه به خافي البداد وواضحه
وأشياء ضاق النظم عنها وبعضهايلوذ بظل الاستقالة جارحه
أحن فلا ألفي سوى هاتف الضحىيطارحني شكوى النوى أطارحه
يقطع آناء النهار بنوحهإلى أن يرى وجه الظلام يصافحه
وإنّ له بعد الهدو لعولةوأجزى وأشجى النوح ما لح نايحه
شكا وحشتي سجن وناى فأجرشتله رقة مما يحن جوارحه
يكاد إلى هز الجناح فخانهتغص بترجيع الحنين جوانحه
خلا أنه ذو رفقة فمتى دعاتجبه على قرب المكان صوادحه
وإني إذا ما اشتقتكم حال دونكمودوني غيلان الفلا وصحاصحه
وملتطم الأمواج ما عبثت بهيد الريح إلا وامتطى النجم طافحه
على أنه في السجن أرغد عيشةولا يستوي داني القرين ونازحه
يشن عليّ البعد غارات جورهوتهتف بي من كل فج صوائحه
له الغلب فليثن الأعنة مبقياًعليّ فما عندي جنود تكافحه
ولا المفرد العاني يهز رماحهلطعن ولا تنضي الضروب صفائحه
سقى جد حفص البيض سحا ولو سمالها الدمع أغناها عن الغيث راشحه
ولا زال خفاق النسيم إذا سرىعليلاً يماسي جوها ويصابحه
بلاد أقام القلب فيها فلم يزلوإن طمحت بالجسم عنها طوامحه
هل الله مستبق ذمامي بعودةإليها يريني الدمع قد هش كالحه
ويصبح هذا البعد قد ريض صعبهوأمكن من فضل المفادة جامحه
وقال في صدد آخر
لعبت بعطفيه الشمول فماداكالغصن حركه الهوى فأنادا
ريم أعار مهى الصريم لواحظاًنجلاً وآرام الحمى أجيادا
خنث اللحاظ وأنها لا شد منبيض الظبا يوم القراح جلادا
هاتيك جاورت الجفون وهذهأبت الجفون وحلت الأكبادا
نازعته راحا كبرد رضا بهطعماً وجمرة خده ايقادا
فانقاد كالمهر الجموح جذبتهرفقاً ثنى لعنانه فانقادا
والليل زنجي الملاة لناشرلمماً كأحداق الحسان جعادا
فضا دجاه بغرة أوفى بهاحسناً على البدر المنير وزادا
قسماً بخوص كالحنيّ ضوامروصلت بتدآب السرى الأسادا
يحملنّ شعثاً من ذوابة وائلشم المعاطس سادة أمجادا
لأفارقن الخط غير معولفيها على من ضن أو من جادا
بلد تهين الأكرمين بلومهاتروى الزمان وتكرم الأوغادا
وقال أيضاً
عاطنيها قبل ابتسام الصباحفهي تغنيك عن سنا المصباح
أنت تدري أن المدامة نارفاقتدحها بالصب في الأقداح
فهي تمحو بضوءها صبغة الليل فيغدو بها الدجى وهو ضاح
وإذا ما أخاط بي وقد همّمهدياً إلى طرائف الأتراح
فأرسلنها وردية كدم الكبشأسالته مدية الذبّاح
فهي تقصي إذا دنت وارد الهموتدني شوارد الأفراح
الحفت في السؤال هل من فكاكلا سير ما إن له من سراح
مزجوها فقيدوها فلو تتركصرفاً طارت بغير جناح
يا خليلي ولا أرى لي من الناس خليلاً إلا فتى غير صاح
يتلقى عذل العذول بهيهاتويحثو في أوجه النصاح
ألف الراح فهو بين اغتباقلا ينادي وليده واصطباح
رح على الراح بي فليس على الأجسام عيب في السعي للأرواح
واسقنيها صرفاً فللنار أنائيجانباً عن وصال ماءٍ قراح
خير ما يشرب المدام عليهوجه خود من الحسان قراح
ذات قد تثنى الغصون عليهاحين تجفو به نسيم الرياح
فقوه طرة تظل محياجايلاً ماؤه مضيىء النواحي
فهي من نور وجهها وظلام الشعر في حالتي مسا وصباح
وثغور يخلن في بارد الظلمحباباً يطفو على وجه راح
ما ترى الدهر كيف رقت لياليه فشقت عن أوجه الأفراح
وقال أيضاً
خذ في البكا أن الخليط مقوضفمصرح بفراقهم ومعرض
واذب فؤادك فالنصير على النوىعين تعيض ومهجة تتعضض
هاتيك أحداج تشد وهذهأطناب أحبية تحل وتنقض
ووراء عيسهم المناخة عصةأكبادهم وهم وقوف تركض
وقفوا وأحشاء الضماير بالأسىتحشى وأوعية المدامع تنفض
يتخافتون ضنى فمطلب أنةومطامن من زفرة ومخفض
قبضوا بأيديهم على أكبادهموالشوق ينزع من يد ما تقبض
فإذا هم أمنوا المراقب عرضوابشكاتهم وإذا استرابوا أعرضوا
رحلوا وأرآء البكاة وراءهمشتى فسافح عبرة ومغيض
أتبعتهم نفساً ودمعاً نادراًتشوى الرياض وماء ذاك يروض
من ناشد لي بالعقيق حشاشةطاحت وراء الركب ساعة قوضوا
لم تلو راجعة ولم تلحق بهمحتى وهت مما تطيح وتنهض
أترى رماتهم دروا من أوغلوافي قلبه تلك السهام وخضخضوا
أنا قد رضيت بما أراقوا من دميعمداً على سخط القتيل فهل رضوا
فهناهم صفو الزمان وإن همبالريق يوم وداعهم لي أجرضوا
باتوا أصحاء القلوب وعندنامنهم على الناي المعل الممرض
يا صاح أنت المستشار لمن عدامن حادث الأيام والمستنهض
أشكو إليك صباتعين على دميبرق تالق بعد وهن يومض
فمن المذم على المحاجر من سنابرق لصل الرمل حين ينضض
فلق الوميض فليس يغمض طرفهليلاً ولا يدع المحاجر تغمض
نشرت له ليلاً على كثب الحمىحلل تذهب تارة وتفضض
أحيا الدجى نبضاً وأحياني فماأجلى سناه وفي عرق ينبض
ويمنحني الجرعاء حي ثوروابالقلب ثايرة الظعون واربضوا
ولقد دعوت ووجد شوقي مقبلبهم ووجه الصبر عني معرض
ردوه أحيا يرده أو فالحقواكلى به فالحي لا يتبعض
نفسوا بردهم النفيس وعوضواعنه الأسي بعداً لما قد عوضوا
يا صاح هل يهب التجلد واهبأو يقرض السلوان عنه مقرض
وأبي لقد عز العزاء وما بقىبيديّ من سيف التجلد مقبض
أنفضت من زاد السلو وما عسىيبق عقيب نفاد زاد منفض
ومن محاسن مراثيه قوله يرثي الشيخ أبا علي عبد الله بن ناصر بن حسين بن المقلد من بني وائل للسنة الحادية بعد الألف
أكف البرايا من تراسهم صفروبيض المنايا من دمائهم حمر
وخيل الرزايا ما تزال معدةتقاتلنا فرسانها ولها النصر
تكر علينا البيض والسمر بالرديفتبلغ ما لا يبلغ البيض والسمر
ومورد هذا الأمر مر وأنهلأعذب شيءٍ عندنا ذلك المر
خليلي من أبناء بكر بن وائلقفا واندبا شيخاً به فجعت بكر
وبدراً ترآى للنواظر فاهتدتبه برهة ثم اختفى ذلك البدر
وعضباً ثنت أيدي النوايب حدهوكان اعتراها من مضار به عقر
أرامي الردى أخطأتنا وأصبتهأسأت بنا شلّت أناملك العشر
فيا أيها الثاوي الذي اتخذ الثرىمقاماً فهل لا كان في صدري القبر
وهل لاستخار الغاسلون مدامعيلجسمك غسلاً ثم شيب به السدر
فإن جعل الماء القراح بزعم منراه لكم طهراً فأنتم له طهر
وإن بليت أكفانك البيض في الثرىفما بلى المعروف منك ولا الذكر
كأنك مغناطيس كل مهذبفما كامل إلا وفيك له قبر
ليهنك فخراً إن ظفرت بتربهيعفر خداً دون إدراكها العفر
ثوابك من آل المقلد سيدهو الذهب الابريز والعالم الصغر
فتى كرمت أباؤه وجدودهوطابت مساعيه فتم له الفخر
عفيف ملاث البرد عن كل زلةوفي أذنه عن كل فاحشة وقر
جواد له في كل أنملة مجدبصير له في كل جارحة فكر
ويا بلد الحظ اعتراك لفقدهمدا الدهر كسر لا يرام له جبر
من الآن بدؤ الشر فيك وأنهلمتصل باق وآخره الحشر
فأي فتى لا يرهب الضيم جارهفقدت ويسر لا يمازجه عسر
وليث وغى لو قبابل الليث أعزلاوحاربه لم يغنه الناب والظفر
فاقسم لولا موته في فراشهلجردت البيض المهندة البتر
وأرعشت الملد المثقفة السمروأقبلت الخيل المسومة الشقر
عليهن من آل المقلد غلمةمساعير حرب لا يضيع لهم وتر
تثقف ملاّد الرماح أكفهموتمنحها طولاً إذا شأنها قصر
كأنهم والسابغات عليهمإذا ما دجى ليل الوغى أنجم زهر
ولو خلد المعروف في الناس واحداًلخلد عبد الله نائله الغمر
ولكنها الأيام جاءته تبتغينوالاً فأولاها نوالاً هو العمر
فيا قبره حيّاك منعبق الكلاونشّر من ابراده حولك الزهر
بنيه اصبروا فالصبر أجمل حلةتردي بها من مس جانبه الضر
فلولا انقضا الأعوام ما فني الدهرولولا فنا الأيام ما نفد الشهر
ودونكم من لجة الفكر درةمنظمة يعنو لها النظم والشهر
وعذراء من حر الكلام خريدةبأمثالها في الشعر يفتخر الشعر
وما مهركم إلا قبولكم لهالقد كرمت ممهورة وغلى المهر
وكان بينه وبني الشريف العلامة ماجد بن هاشم البحراني رحمه الله تعالى مطارحات ومحاورات في الأدب فمن ذلك ما حكاه في ديوانه قال كنت عنده ليلة والسماء دكناء الجلباب. كاسية السحاب. فأخذنا في الأدب فقلت
توشحت السماء ببرد غيمفاجمل بالموشح والوشاح
فقال الشريف العلامه
فقم وانهض إلى فرط التصابيفليس عليك فيها من جناح
فقلت
امط فدم البراني واجل منهابآفاق الكؤوس شموس راح
فقال الشريف
كميت أن تشب بنمير ماءٍيسكن ما اعتراها من جماح
فقلت
تولد فوقها حببٌ إذا ماتغشاها فتى الماء القراح
فقال الشريف
وتنزل من فم المبزال نبضاًكما نبض الدماء من الجراح
فقلت
بكف مخضب الكفين رخصفسادي في محبته صلاحي
قلت وللمتقدمين من هذا النمط كثير والاجازات في المصاريع أصعب منها في الأبيات وعلى كثرة ما ذكره أرباب الأدب من النوعين فلم أسمع ألطف مما حكى أن أبا بكر بن المنخل وأبا بكر الملاح الشلبيين المغربيين كانا متواخين متصافين ولهما ابنان صغيران قد برعا في الطلب وحازا قصب السبق في حلبة الأدب فتهاج الاثنان بأقذع هجا فركب ابن المنخل في سحر من الأسحار مع ابن عبد الله فجعل يعتبه على هجا ابن الملاح وقال له يا بني قد قطعت ما بيني وبين صديقي وصفني أبي بكر في اقذاعك بابنه فقال له ابنه أنه قد بدا والبادي أظلم. وإنما يلحى من بالشر تقدم. فعذره أبوه فبينما هم على ذلك إذ أقبلا على واد تنق فيه ضفادع فقال أبو بكر لابنه أجز. تنق ضفادع الوادي. فقال ابنه. بصوت غير معتاد. فقال الشيخ. كان تفتق مقولها. فقال ابنه. بنو الملاح قصاد. فلما أحست الضفادع بهما صمتت فقال أبو بكر. وتصمت مثل صمتهم. فقال ابنه. إذا اجتمعوا على زاد. فقال الشيخ. فلا غوث لملهوف. فقال ابنه. ولا عيث لمرتاد. ولا خفاء إن هذه الاجازة لو كانت من الكبار لحصلت منها الغرابة فكيف بمن هو في سن الصبي والله أعلم أهل العراق. السيد علي بن خلف بن مطلب بن حيدر المشعثي ملك الحويزة في هذا العصر أخبرني بعض الوافدين من تلك الديار قال كان بينه وبين السيد حسين الشهير بخليفة سلطان. رابطة محبة فلما بلغته أنه ولى الوزارة لسلطان العجم أنشد بديهة قوله
بشرت بالخير يا بشيرجئت على الوقف من ضميري
لو أحد طار من سرورلطرت من شدة السرور
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع