تجاوز إلى المحتوى

من «تذييل سلافة العصر» لعبد الله الجزائري (ت ١١٧٣هـ)

السيد قوام الدين الحسني السيفي القزويني

قوام المجد العصاميّ وعصامهُ، وذروة الشَّرف السامي وسنامهُ، ومالك ناصية الفضل وعزَّتها، وانسان عينه وقُرَّتِها، وشمس قلادته ودُرَّتها، ومُصرِّفُ أزمَّة النثر والنظم، ومُعيد رُواء الأدب بعدما وهن منه العظم، وأوحده الذي يقطع البلغاء بفريد كلامه، ويلاعب في حلباته بأسنّة أقلامه، إلى علم وسع المعقول والمشروع، وأحاط بالاُصول والفروع، وحلم وكرم وجود، وأخلاق يحقُّ لها السُّجود، وحظّ عظيم من قوّة الارتجال، والتهجّم على أبكار المعاني في الحجال، وهتك الأستار منها والخدور، وافتراش الصُّدور وافتراع البدور، واستخراج اللَّئالي من البحور، وتقليدها في أعناق الحور، وتحلية السواعد منها والنحور، بألفاظٍ أعذب من السيح، وأسجاع أطيب من أنفاس المسيح، وأمّا المُلَحُ والنوادر فهو أبو عذرها، ومبتدىءُ حُلوها ومرِّها.

وكان بينه وبين الوالد أطال الله بقاه من المخالَّة والمصافاة ما بين الخليصَيْن المُتصادقَيْن، والخليلَين المتوافقَين، لا يَرى أحدُهُما فضلاً إلاّ للآخر، ومن شعره إلى الوالد في جواب كتاب:

نور الهداية قد بدا من تُستَراتأبى فضائُل سيّدي أن تُستَرا
قد جاوز التحريرَ شوقُ لقاءِ مَنْفاقت مآثر مجده أنْ تُسْتَرا

ومن شعره ما كتبه إلى الوالد أيضاً في تعزية:

وفوق مقام الصبر للمتصبّرِمقامُ الرِّضا والشُّكرِ للمُتَبصِّرِ

وقد كنت كثير الشوق إلى لقائه لما أسمعه من الوالد من الإطراء في ثنائه، إلى أن سهّل الله الاجتماع به بقزوين، وقد أنهكه الهرم، وأقعده الهمم، وذلك في عشر الخمسين بعد المائة والألف، فرأيته فوقَ الوصف، وعرضت عليه بأمره كتاب (الذخر الرائع في شرح مفاتيح الشرائع)، فلمّا أجال فيه النظر أخذ القلم وسطر:

بحسبِكَ ذُخْرُ السيِّد المُوسويّ فيبيان مفاتيح الشَّرائعِ كافيَا
ففيه تمامُ الكشفِ عن مُشْكلاتهبطرزٍ أنيق جاء للعيِّ شافيا
وأشرقَ نورُ الدِّين منه بنعمةٍمن اللهِ أبدى كلَّ ما كانَ خافيا

ثم أمرني بإنشاد شيءٍ من الشعر، فأنشدته قطعات من القصيدة البهائية التي تصرّفت فيها بالتعجيز والتصدير، فاستحسن ذلك غاية الاستحسان وبسط في وصفه اللّسان، وأخذ يحمده لمَن حضر، كأنّه لم يسمع بهذه الصنعة في ما غبر، ثمّ استدنى المحبرة وجعل يكتب ما أنشدته وقد حفظ أكثره، ويعاودني في مواقع الاشتباه، إلى أنّ أكمله وهي:

سرى البرق من نجد فهيّج تذكاريسوالفُ أنْسَتْها تصاريفُ أَعصارِ
تألَّق من بعد انثناءٍ مُجدّداًعهوداً بحزوى والعقيق وذي قار
وهيّج من أشواقنا كلّ كامنٍواجّج في أحشائنا لاهبَ النَّار
للشاعر بهاء الدين العاملي، اقرأ القصيدة
ألا يا لُيَيْلات الغوير وحاجرنعمتِ كأيّام الشباب بأنْضار
ويا روضة بالناضرات نديّةًسُقيت بها من مُدمن المُزن مدرار
ويا ساكني دارَ السَّلام تحيةًعليكم سلامُ الله من نازح الدَّار
خليليّ ما لي والزَّمان كأنّماعليَّ له ما لي عليه من الثَّار
يماطلُني حتّى يُجاحدَ حجَّتييطالبني في كلّ آنٍ بأوْتار
فأبْعَدَ أحبابي وأخلى مرابعيوزحزح عوَّادي وبدّد أنصاري
وأوحش اُنسي بالعذيب وأهلهوبدّلني من كلِّ صفوٍ بأكدار
وعادَل بي مَن كان أقصى مرامهتوسُّد أعتابي ويقفو آثاري
ويُبْخَسُ في سوق الفَخارِ نصيبُهمن المجد أن يسمو إلى عُشْر مِعشار

ومنها:

وأظهر أنّي مثلُهم يستفزّنيتقلّبُ أحوالِ الزَّمان بأطوار
فيُحزنني طوراً وطوراً يُسرُّنيصروفُ اللَّيالي باحتلاءٍ وإمرار
ويُصمي فؤادي ناهد الثّدي كاعِبٌبرشق نبالٍ لا تُناط بأوتار
ويلهو بقلبي المُستهام مُلاعبٌبأسمر خطّارٍ وأحورَ سحّار
ويُضجرني الأمرُ المهولُ لقاؤُهويجرح صدري عنه صولةُ كرَّار
ويُنعشني الحادي إذا العيس أدْلجتْويطربُني الشَّادي بعُودٍ ومزْمار

ومنها:

أأضرع للبلوى واُغضي على القذىواُسلم نفساً للهضيمة والعار
ويخفُقُ قلبي إنْ دهتني مُلمَّةٌفأرضى بما يرضى به كلّ خوّار
إذاً لا ورى زندي ولا عَزّ جانبيولا وفد المُستمنحون إلى داري
ولا أشرقت شمسي على اُفق العُلىولا بزغت في قمَّة المجد أقماري
ولا بُلّ كفّي بالسَّماح ولا سرتركابُ الكرام المُقترين إلى ناري
ولا عبقت كالعود في كلِّ مَربَعٍبطيب أحاديثي الرِّكابُ وأخباري
ولا انتشرت في الخافقين فضائلينتشارَ ضواع المسك أوقات تكرار
ولا أمَّني وفدٌ برائق شعرهم،ولا كان في المهديّ رائقُ أشعاري

وهو كثير الشعر جيّده بالعربية والفارسية والتركية، وقد نظم كثيراً من الفنون باُرجوزات حسنة منها: التحفة القواميّة - نظم اللمعة الدمشقية - ومنظومة صحيفة الاطرلاب للشيخ البهائي، ومنظومة الكافية، ومنظومة خلاصة الحساب، واُرجوزة في التجويد، والشجرة الحسينيّة، ومن شعره مرثية الشيخ جعفر القاضي لمّا توفّي بالعراق عند قدومه من الحج سنة خمسة عشر بعد المائة والألف وهي:

الدهرُ ينعى إلينا المجدَ والكرماوالعلمَ والحلمَ والأخلاقَ والشِّيَما
ينعى العفافَ وينعى الفضلَ يندبُهينعى الحياءَ وينعى العهدَ والذّمما
فليت بالدَّهر ممّا قد حكى بَكَماًأوْ ليت عن ذاك في أسماعنا صَمما
ولا تطيق الجبالُ الصمُّ داهيةًدهياءَ دُكَّ لها الإسلامُ وانثلما
وُزْلزِلَت أرضُ علمٍ بعدما انفطرتْسماءُ علمٍ وماجَ البحر والتطما
يا صبرُ هذا فراقٌ بيننا ومتىتطاق والدَّهرُ أوهى الركنَ فانهدما
بشيخنا جعفرٍ بحرٌ بساحتهسفائنُ العلم مبذولاً ومُقْتَسَما
يا عينُ جُودي فعينُ الجود غائرةٌتبكي عليها العيونُ الساهراتُ دما
مَنْ للحزين يُنادي وهو مُنْقطعٌفيستغيثُ ويبكي المفردُ العَلَما
أين الذي بسط الإحسانَ مُنْبسطاًقد عمّ فيضُ نَداه العُربَ والعجَما
أين الذي فسر الآياتِ محكمةًأين الذي هذّب الأحكامَ والحِكَما
وباطلٍ كان بالتحقيق يدمغُهكأنه بقَدومٍ يكسرُ الصَّنما
تُعَدُّ أيامُنا اللاّتي مَضيْنَ لناإذ نحن من نوره نستكشفُ البُهَما
كانت هي العمرُ مرَّت وهي مُسرعةٌوهل سمعتَ بحيٍّ عمرُه انصرَما
وإخوة بصفاء الودّ رافقهُمفجَمْعُهم بعدَه عِقْدٌ قد انفصما
ومسند زاده عزّاً تمكُّنُهُكخاتَمٍ فصُّه جورَ الزَّمان رمى
ظلَّ الإشاراتُ بعد الشيخ مُبْهمةٌكما الشِّفاءُ عليلٌ يشتكي السَّقما
بات الصحاحُ سقيماً منذ فارقهُعينُ الخليلِ اُصيبتْ بعدَهُ بعمى
تبكي عليه عيونُ العلمِ تُسعدهاشروحُها وحواشيها وما رقما
تمضي الليالي ولا تَفنى مآثرهيبقى على صفحة الأيَّام ما رسما
نظمي مدامعُ تجري في مصيبتهفالقلبُ ما نثر العينان قد نظما
طوبى له من وفيّ في مُهاجَرِهمن بيته وهو يرجو اللهَ مُعْتصما
والنفس في عرفات الشوق والهةٌوالقلب منه بنار اللَّوعة اضطرما
وإذ أنافَ على وادي السلام رأىمن جانب القُدس نوراً يكشفُ الظُّلَما
واستقبلتهُ به الأرواحُ طيِّبةًوالربُّ ناداه قف بالواد مُحْتشما
فقال لبَّيك يا ربيّ ومُعتمديلبيك يا محيي الأموات والرِّمما
لبّيك يا سيدي لبيك يا صمديحجيّ إليك علمتَ السرّ والهِمما
فحلّ في مجمع الأرواح يصحبهمبالجسم والرُّوح لا يلقى بهم سأما
مُقرِّباً في منى التسبيح مُهجتهأبدى من الحُبّ ما في صدره انكتما
فالناظرون إلى إشراق جبهتهيرون ثغر الرِّضا في وجهه ابتسما
والعاكفون على أطراف مضجعهيستنشقون نسيمَ الخلد قد هجما
قف بالسلام على أرض الغريّ وقلْبعد السلام على مَن شرَّف الحَرما
منّي السلام على قبرٍ بحضرتهأهمى عليه سحابُ الرَّحمة الدِّيما
واقرأ عليه بترتيلٍ ومرْحمةٍطه ويس والفرقان مُختتما
وابسط هناك وقل: يا ربّ صلِّ علىمحمّد خير مَنْ لبَّى ومَنْ عزما
وآله الطيبين الطاهرين بماأسْدَوا إلينا صنوف الخير والنِّعما
وحُفَّ بالرّوح والرّيحان تربتهُواقبَلْ شفاعتهُمْ في حقّه كرما
تاريخ ما قد دهانا، (غاب نجمُ هدىًفالله يهدي بباقي نوره الاُمما
يغلي الفؤادُ ولا تمتدُّ زفرتهضعفُ القوامِ أكلَّ النُّطقَ والقلما

وكان بينه وبين المصنّف بعد ارتحاله من البلاد الهندية إلى ديار العجم مؤانسة ومداخلة عظيمة، واختصاص ومودّة قويمة لما

جمعهما من لحمة النسب، ونظمهما من نسبة الأدب وأهدى إليه نسخة من التحفة القوامية، فوقّع المصنّف على ظهرها بخطّه ما هذا لفظه:

﷽

لراقمه مخاطباً، مُهدي هذه التحفة السنيّة ومبدي هذه الطرفة الحسنيّة، لا برح للدين قواماً، ولا فتىء مُلقّىً تحيّةً وسلاما:

يا أيُّها المولى الذيهو في معارفه علَمْ
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «يا أيها المولى الذي»
لله تحفتك التيمَنْ ليس يقبلها ظلم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «يا أيها المولى الذي»
هيهات يُنكرُ فضلهاوهو السّراج على علم
أبياتُها بمدادهاتحكي الكواكبَ في الظُّلم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «يا أيها المولى الذي»
لم يحو طرسٌ مثلهاكلاّ ولا رَقمَ القلم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «يا أيها المولى الذي»
منّي السلام عليك ماغنَّى الحمامُ بذي سَلَمْ
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «يا أيها المولى الذي»

قالها بفمه ورقَمَها بقلمه، راجي فضل ربّه السَّني علي بن أحمد الحسيني الحسني، كان الله لهما وبلّغهما من فضله أملهما، وذلك رأد الضحى من يوم الإثنين لاثنتي عشرة خلت من شهر ربيع

الثاني سنة للهجرة بدار الإيمان اصبهان حُفَّت بالعزّ والنصر والأمان.

فذيّله السيّد قوام الدّين بما هذا لفظه: لناظم "هذه التحفة" مجيباً، لمُرسِل هذه التحية البهية، ومثنياً على مجزل هذه العطية العَليَّة، وهو يدُ السَّماحة، ولسانُ الفصاحة، وترجمانُ البلاغة وعنوانُ البراعة، لا زال صدراً للسيادة والعُلى ولا انفكّ بدراً للسعادة والسنا.

يا أيُّها البدرُ الذيببهائه كشف الظلَمْ
اتحفتني بكرامةٍدأْبَ الكريم المحتشَم
طوّقتني بنوالهاوالعبدُ رقٌّ وابنُ عم
آباؤك الغرُّ الكرامُصدورُ أرباب الهِمم
وَلَدُوا السِّيادة والعُلىوبكَ الكمالُ قد انتظم
ونشأتَ في حجر التُّقىورضعتَ من أيدي الكرم
ونبعت من عينِ الهُدىونبغتَ في أرض الحَرم
ثوبُ البلاغة عن طرازك قد تطرّز بالعلم
و"سلافةُ العصر" التيأنشأتَها تُحيي الرِّمم
وبديعُ نظمك فيه"أنوارُ الرَّبيع" إذا ابتسم
توصيفُ قدرك سيديأعيا لسانيَ والقلم
منّي عليك تحيةٌتُثني عليك بها الاُمم

نقلت ذلك كلّه من خطّ السيد قوام الدين في كراسٍ أهداه إلى الوالد باصبهان سنة للهجرة وذلك بعد وفاة المصنّف بثلاث سنين..

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تذييل سلافة العصر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.