من «تذييل سلافة العصر» لعبد الله الجزائري (ت ١١٧٣هـ)
السيد شهاب الدين بن أحمد بن زيد بن عبد المحسن ابن علي بن محمّد بن فلاح (١) الموسوي الحويزي
شهاب الشَّرف الثاقب، ودرّي فلك المناقب، نسب أسنى من شمس الرابعة، وحسب أحيا مراتع الأدب ومرابعه، والمدوّن من شعره يناهز عشرة آلاف بيت، يكاد يحيا به الميت، ويعنو لها الفرزدق والكميْت، فمن محاسنها قوله في مطلع قصيدة يمدح بها النبي صلى الله عليه وآله وقد أنشدها حياله:
هذا العقيقُ وتلكَ شُمُّ رعانهِفامزجْ لُجينَ الدَّمع من عقيانهِ
وانزل فثمَّ معرّسٌ أبداً ترىفيه قلوبَ العشقِ من رُكبانه
واشمُمْ عبيرَ ترابهِ والثمْ حصىًفي سفحهِ انتثرتْ عُقودُ جُمانه
واعدِلْ بنا نحَو الُمحصَّبِ من مِنىواحذر رُماة الغَنج من غزلانه
وتوقَّ فيه الطّعنَ إمّا من قنافرسانهِ أو من قُدودِ حسانه
أكرِمْ به منْ مربعٍ مِنْ وردهِ الوجناتُ والقاماتُ من أَغصانه
مغنى إذا غنّى حَمامُ أراكهِرقصتْ به طرباً معاطفُ بانه
فلكٌ تنزّلَ فهوَ يُحسب بقعةأوَما تَرى الأقمارَ من سُكّانه
خضَب النجيعُ غزالَهُ وهِزَبْرههذا بوجنته وذا ببنانه
فلَئِنْ جهلتَ الحتفَ أينَ مَقرُّهُسلني فأنّي عارفٌ بمكانه
هو في الجفون السّود من فتياتِهأو في الجفونِ البيض من فتيانه
مَن لي برؤية أَوجُهٍ في أوجُهٍحجبَ البعادُ شُموسَها بعنانه
بيضٌ إذا لعبت صباً بذيولِهاحَملَ النسيمُ المسكَ في أَردانه
وقوله في مطلع قصيدة اُخرى يمدح بها النبي صلى الله عليه وآله أيضاً:
لا بَرّ في الحُبّ يا أهل الوَفا قسميولا وَفتْ للعُلى إنْ خُنتُكُمْ ذِمَمي
وإن صبوتُ إلى الأغيارِ بَعدَكمُفلا ترقَّتْ إلى هاماتها هِممي
وإن خبتْ نارُ وجدي بالسُّلُو فلاوَرتْ زنادي ولا أَجرى النُّهى حِكَمي
ولا تعصفر لوني بالهوى كمداًإنْ لم يُوَرّده دمعي بعَدكمْ بدَمي
ولا جنت وردَ جنّات الدُّمى حدقِيإن لم تزرْكُمْ على شوكِ القَنا قدَمي
ولا رشفتُ الحُميّا من مراشفِهاإنْ كان يصفو فؤادي بعد بُعدِكُمِ
ولا تلذّذتُ في مرّ العذاب بكمإن كان يعذب إلاّ ذكركمْ بفمي
وقوله أيضاً في مطلع قصيدة اُخرى:
حَفَرتْ بسيفِ الغَنجِ ذمِّةَ مِغفريوفَرَتْ برُمحِ القدِّ درعَ تصبُّري
وجلَتْ لنا من تحت مسكةِ خالهاكافورَ فجرٍ شقَّ ليلَ العنبرِ
وغدت تذُبّ عن الرّضاب لحاظهافحمتْ علينا الحورُ وردَ الكوثر
ودنت إلى فمها أراقِمُ فرعِهافتكفّلت بحفاظ كنزِ الجوهر
يا حاملَ السيف الصّحيح إذا رنَتْإيّاك ضربة جَفْنِها المتكسِّر
وتوقّ يا ربَّ القناة الطعنَ إنْحَملت عليك من القوام بأَسمر
برزت فشِمْنا البرقَ لاحَ ملثّماًوالبدرَ بين تَقَرْطُقٍ وتخمر
وسَعت فمرّ بنا الغزال مطوَّقاًوالغصنُ بينَ مُوشَّحٍ ومؤزَّر
بأبي مراشفُها التي قد لُثِّمتْفوقَ الأقاحي بالشقيق الأحمر
وبمهجتي الرَّوضُ المقيمُ بِمُقْلةٍالنُّعاس بها ذهابَ تحيُّر
تالله ما ذُكِرَ العقيق وأهلُهإلاّ وأجراهُ الغرامُ بمحْجَري
لولاه ما ذابت فرائدُ عبرتيبعد الجمود بحرّ نار تذكُّري
روحي الفداءُ لظبية الخدرِ التيبُنيَ الكَناسُ لها بغابِ القسور
لم انسَ زورتها ووجنات الدُّجىتنباع ذفراها بمسكٍ أذفَر
أمّت وقد هزّ السِّماكُ قناتَهُوسطا الضياءُ على الظلام بخنْجر
والقوس معترضٌ أراشت سهمَهُبقوادم النَّسرين أيدي المُشتري
طوراً أرى طوقي الذراعَ وتارةًمنها أرى الكفَّ الخضيبَ بمُسوَر
حتى بدا كسرى الصباحَ وأدَبرتْقومُ النجاشي عن عساكر قيصر
لمّا رأت روضَ البنفسجِ قد ذوىمن ليلنا وزهت رياضُ العُصفر
والنجمُ غارَ على جوادٍ أدهمٍوالفجرُ أقبلَ فوقَ صهوةِ أشقر
فزعتْ فضرّست العقيقَ بلؤلؤٍسكنتْ فرائدهُ غديرَ السُّكّر
وتنهَّدتْ جزعاً فأثّر كفُّهافي صدرِها فنظرْتُ مالَمْ أنظُر
أقلامَ مرجانٍ كتبنَ بعنبرٍبصحيفة البلُّور خمسةَ أسطُر
وقوله أيضاً في مطلع قصيدة اُخرى:
سلْ ضاحكَ البرق ليلاً عن ثناياهافقدْ حكاها فهلْ يروي حكاياها
وهلْ درى كيف ربُّ الحُسن رتَّلهاوالجوهرُ الفردُ منهُ كيف جزّاها؟
وما سُقاة الطِّلا تدري إذا ابتسمتأيَّ الحيا بانَ عند الشّرب أشْهاها
وهل رياض الرُّبا تدري شقائقُهافي خدّها أيَّ خالٍ في سُوَيْداها
وإن رأيتَ بُدور الحيِّ وهي بهمْفحيِّ بالسرِّ عنّي وجهَ أحْياها
واقصد لُباناتِ نعمانٍ وجيرتَهاواذكُرْ لبانات قلبي عند لُبناها
عرّج عليها عن الألباب ننشُدهافإنّنا منذُ أيامٍ فقدْناها
وقف على منزلٍ بالخيف نسألهعن أنفُسٍ وقلوبٍ ثَمَّ مثْواها
مَعاهدٌ كلَّما أمسيتُ غامرَهاليلاً وأصبحتُ مجنوناً بلَيْلاها
ومنها:
حتَّى نزلنا على الدّار التي شَرُفَتْبمَن بها ولثمْنا دُرَّ حصْباها
فعارضتنا بدورٌ من فوارسهاتحمي خدورَ شموسٍ منْ عَذاراها
ضِيفَانُهُم غيرَ أنّا لا نُريدُ قرَىًإلاّ قلوباً إليهم قد أضفناها
ما كان يجدي ولا يغني السّرى دَنِفاًلكنَّ حاجةَ نفسٍ قد قضيْناها
لم نشكُ من محن الدُّنيا إلى أحدٍمن البريَّة إلاّ كان إحداها
وقوله أيضاً في مطلع قصيدة اُخرى:
عُجْ بالعقيق وناد اُسد سُراتِهِأسرى قلوبٍ في يَدَي ظَبياتِهِ
وابذِلْ به نقدَ الدُّموع عساهُمُأنْ يُطلقوها رُشوةً لقُضاته
واسألهُمُ عمّا بهم صنع الهوىلشقائهنَّ به وجور وُلاته
هامت بواديه القلوبُ فأصبحتمنّا النُّفوسُ تصيحُ في ساحاته
إن لم تُذقنا الموتَ أعينُ عِينِهكمداً فأصحانا لفي سكراته
تقضي وينشرنا هواهُ كأنّمانفسُ المسيح يهبُّ في نفحاته
حَرَمٌ بأجنحة النُّسور صيانةًعضّت كواسره على بيْضاته
وحمىً به نصبَ الهوى طاغوتَهفاحذر به إن جُزْتَ فتنةَ لاته
لم ندرِ أيُّهما أشدُّ إصابةًمُقلُ الغواني أمْ سهامُ رُماته
وقوله أيضاً من قصيدة اُخرى:
هذا الحمى فانزل على جرعائِهِواحذَرْ ظُبا لفتات عِين ظبائِهِ
وانشُدْ به قلباً أضاعتهُ النَّوىمن أضلعي فعساهُ في وعسائه
وسل الأراكَ الغضَّ عن روحٍ شكتحرَّ الجوى فلجتْ إلى أفيائه
واقصد لُباناتِ الهوى فلعلَّنانقضي لباناتِ الفؤاد التائه
واضمُم إليك خُدودَ أغصان النَّقاوالثمْ ثغورَ الدرِّ من حَصْبائه
واسفح بذاك السفحِ حول غديرهِدمعاً يُعسجدُ ذوبَ فضّةِ مائه
سقياً له من ملعبٍ بعقولناوقلوبنا لعبتْ يدا أهوائه
مغنىً به تهوى القلوبُ كأنَّمايُذكي الهوى في الصبِّ بردُ هوائه
نفحاتهُ تبري الضرير كأنّماريحُ القميصِ تهبّ من تلقائه
عهدي به ونجومُ أطرافِ القناوالبيضُ مُشرقةٌ على أحيائه
والاُسدُ تزأرُ في سُروج جيادهوالعِينُ تبغم في حجالِ نسائه
والطيفُ يطرقه فيعثر بالرَّدىتحت الدُّجى فيصدُّ عن إسرائه
والظلّ تقصره الصَّبا وتمدُّهوالطير يُعرِبُ فيه لحنَ غنائه
وقوله أيضاً في مطلع قصيدة:
روتْ عن تراقيها العقودُ عن النَّحرِمحاسنَ ترويها النجومُ عن الفَجرِ
وحدَّثنا عن خالِها مِسْكُ صدْغِهاحديثاً رواهُ اللَّيل عن كلْفَة البدر
وركَّبَ منها الثَّغرُ أفرادَ جُمْلةٍحكاها فَمُ الإبريق عن حَبَبِ الخمر
ولي مدمعٌ في حُبِّها لو بكى الحَيابه نبتَ الياقوت في صدفِ الدُّرّ
لقد غصبت منها القرونُ ليالياًمن الدَّهر لولا طولُها قلتُ من عُمري
أما وسُيُوفٍ للحُتُوف بجفنهاتُجرَّدُ عن غمدٍ وتُغْمَدُ في سحْر
وهُدْبٍ تسقَّى نَبْلُه سمَّ كُحلهافذبّ بشوك النَّحل عن شَهْدَة الثَّغر
وصِمْنَةُ قُلبٍ غصّ منها بمِعْصَمٍووسواسُهُ الخنّاس ينفثُ في صدري
وطوْقُ نُضار يستسرُّ هلالهمع الفجر تحت الشَّمس في غسقِ الشِّعر
لفي القلب منّي لوعةٌ لو تجنُّهاحشا المُزْن أمسى قَطْرُها شررَ الجمْر
وهو من صنائع ملوك الحُوَيزة السيد علي خان وبنيه
وحسين باشا بن علي باشا ابن افراسياب ملك البصرة وذويه، وأكثر أشعاره في مدائحهم؛ إذ درّت عليه أخلاف منائحهم شُكراً لنعمتهم وجزاءً لها، واللُّها تفتح اللَّها..
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع