تجاوز إلى المحتوى

من «الغصون اليانعة في محاسن شعراء المائة السابعة» لابن سعيد المغربي (ت ٦٨٥هـ)

العبدوسي

الشاعر البارع المحسن العبدوسي محمد بن عبدوس الواسطي، من مدينة واسط. أطلعته واسطة من عقد شعرائها، فترقى إلى مخالطة كبرائها وأمرائها، ثم جال حتى انتهى إلى الديار المصرية، ومدح بها العادل وأرباب دولته، ومدح الظاهر صاحب حلب بما اجتمع منه سفر. ذكر ذلك صاحب تاريخها ولم يعجبني من جميع ما أورد من شعره غير قوله في الملك المذكور:

أشتاقه شوق مصدود وكم حملتأم الأماني برؤياه فلم تلد
للشاعر العبدوسي، اقرأ القصيدة

وطبقته أعلى من هذا بأضعاف. ذاكرت أحد علماء بلدي في شأنه، فنوه باسمه وأنشدني له ما اخترته لكتاب "كنوز الأدب" وهو قوله الذي أبدع فيه وأغرب:

أهلاً وسهلاً بالعذار الذيأصبحت في شغل به شاغل
للشاعر العبدوسي، اقرأ القصيدة
خطان صيغت منهما في الهوى"لا" وهي حرف النهى للعاذل
للشاعر العبدوسي، اقرأ القصيدة
يا سائلي عن أمرها نكتةأضحى بها كالقمر الكامل
للشاعر العبدوسي، اقرأ القصيدة
كأنها ذاك السواد الذيتبصره في البدر يا سائلي
للشاعر العبدوسي، اقرأ القصيدة
فجر الصبا في وجنتيه غدايموج مثل البحر الجائل
للشاعر العبدوسي، اقرأ القصيدة
أما تراه إذ طفا ماؤهقد قذف العنبر في الساحل
للشاعر العبدوسي، اقرأ القصيدة

وقد ازدحم على مشرع هذه الأبيات جملة من شعراء عصره، فما بلغوا فيه إلا دون قدره. وقوله، وهو غير خارج من "كنوز الأدب":

وبديع أطلع الآس بروض الجلنار
للشاعر العبدوسي، اقرأ القصيدة
رمت منه لثمة إذعيل في الحب اصطباري
للشاعر العبدوسي، اقرأ القصيدة
قال لي لا تدن أنفاسك من نبت العذار
للشاعر العبدوسي، اقرأ القصيدة
إنني أخشى عليهمنك من لفح الأوار
للشاعر العبدوسي، اقرأ القصيدة
قلت دعني من رقاعاتك واسمع لاعتذاري
للشاعر العبدوسي، اقرأ القصيدة
هو كالعنبر يذكوطيبه من غير نار
للشاعر العبدوسي، اقرأ القصيدة
فانثنى يبسم عن جمرشبيه بالدراري
فرتعنا في رياضوكرعنا في عقار
للشاعر العبدوسي، اقرأ القصيدة
أي خمر أنا منهاطول عمري في خمار
للشاعر العبدوسي، اقرأ القصيدة

وهو من الشعراء الذين حفظ ما قالوه في الجارية التي صنعت في أحد خديها بالغالية حية وفي الآخر عقرباً، فأمر الملك العزيز صاحب مصر أن يقال فيها. وكان قول العبدوسي:

يا معشر الناس ألا فأعجبوامن قمرٍ حل به العقرب
للشاعر العبدوسي، اقرأ القصيدة
وحية ميتة أرسلتفي جنة تلدغ من يقرب
للشاعر العبدوسي، اقرأ القصيدة
يا مظهراً آية موسى لناإليك من دون الهوى المهرب
للشاعر العبدوسي، اقرأ القصيدة

وكانت وفاته بمصر سنة إحدى وستمائة، بعدما أكثر من هجائها وذم أهلها. ومن أعف ذلك وأبدعه قوله:

يأهل مصر مدحتممصراً بلا برهان
وقلتم هي عينٌنعم بلا إنسان
أرض عدمنا لديهاعوارف الإحسان
للشاعر العبدوسي، اقرأ القصيدة
وكل بر تراهفإنه في اللسان
للشاعر العبدوسي، اقرأ القصيدة
يوم ارتحالي عنهاجعلته مهرجان
للشاعر العبدوسي، اقرأ القصيدة

وكان قد اتصل بالوزير ابن مجاور، فلما بلغ الغاية من الاستيلاء على دولة العزيز، لما استبد بالديار المصرية، قصر به، فأنشده:

عجبت لبحر جاد لي عند جزرهولم أر جوداً منه إذ جاءه المد
للشاعر العبدوسي، اقرأ القصيدة
لعل له عذراً على كل حالةهو الملك الأعلى يداً وأنا العبد?
للشاعر العبدوسي، اقرأ القصيدة

فقال: ما ثم عذر، لكن هذا شان الدهر، وعلى هذه الحال مرت الليالي والأيام، ولقد أحسنت إلي إذ ذكرتني بفضيلة. ثم أحسن إليه وسعى له فيما أقر عينه عند صاحبه. ومدحه بقصيدة منها:

يا سائلي عما رأى من كساًونعمة يقصر عنها الكلام
للشاعر العبدوسي، اقرأ القصيدة
قد كنت ذا جدب ولكننيأفلحت فاستمطرت صوب الغمام
قام بأمري سيد ماجدذكره عتبي رعى الذمام
للشاعر العبدوسي، اقرأ القصيدة
مبارك الطلعة ميمونهايبدأ من يخدمه بالسلام
للشاعر العبدوسي، اقرأ القصيدة
قد جرب الدهر وأحوالهوأختار أخلاق جميع الكرام
للشاعر العبدوسي، اقرأ القصيدة

ومن محاسن شعره قوله:

لله ذو أدبٍ حلو شمائلهلقياه أطيب لي من جملة النعم
للشاعر العبدوسي، اقرأ القصيدة
أمس يحدثني والكأس في يدهفبت أشرب راح الكرم والكرم

وأنشدت له بالعراق هذه الأبيات، وهي مما يرتاح إليه في السماع، ويهتز لما اشتملت عليه كل كريم الطباع:

ليلى بلا سحرٍ من ساحر الحوارأشتاقه وهو مشتاق إلى السحر
للشاعر العبدوسي، اقرأ القصيدة
ولو أتى زائر ما كان يمنعنيلقرب ما بين حال الورد والصدر
فالليل عندي سواء إن دنا وقلاأشكو من الطول ما أشكو من القصر
للشاعر العبدوسي، اقرأ القصيدة
يا خاليا حاليا بالحسن ها كبديأمست بالا جلد قوسا بلا وتر
للشاعر العبدوسي، اقرأ القصيدة
الظبي أنت وقد حوشيت من خنسٍوالبدر أنت موقى كلفه الغير
للشاعر العبدوسي، اقرأ القصيدة
والخمر أنت ولكن سكرها أبداًوالغصن أنت ولكن دائم الزهر
لا جفف الله عيني من هواك ولامتعت من غير ذاك الوجه بالبصر
للشاعر العبدوسي، اقرأ القصيدة

ورأيت جماعة من أدباء العراق يتطاولون بإنشاد هذه الأبيات ويفتخرون بها، وهي لعمري أهل لذلك، إلا أن بيته الذي هو واسطة القلادة مسروق من قول اللص الإشبيلي:

فالليل إن هجرت كالليل إن وصلتأشكو من الطول ما أشكو من القصر

وهذا كما قال الملك الأشرف لبعض الشعراء وقد مدحه بقصيدة فيها أبيات سلخ ألفاظها ومعانيها من شعر غيره: أما تستحي أن تنشدي لنفسك ما أحفظه لغيرك؟ فقال: قد يقع الحافر على الحافر. فقال: نعم، ولكن للميدان كله لا. فضحك جميع من حضر من أهل الأدب. وصار ذلك الشخص عندهم يعرف بالميداني. وأخبرني بدمشق أحد أقارب الأموي كاتب الملك الأشرف بن العادل بن أيوب، أن ابن عبدوس وصل إلى الملك الأشرف وهو حينئذ بالجزيرة في مدة أبيه، والحال ضيقة، فحضر مجلسه وأنشده قصيدةً منها:

ملك شككنا أيها أعلى علاأولاه أم وسطاه أم أخراه
للشاعر العبدوسي، اقرأ القصيدة
لما علا فوق الأنام محلهمسحت عليهم كالسحاب يداه
أشتاق رؤيته لأني واثقٌإلا أرى بؤساً متى ألقاه

فضحك الأشرف لما انتهى إلى هذا البيت وقال: ذهب البوس يابن عبدوس. إلا أنه نحن على ما لا يخفى عنك في هذا الوقت، فأيما

تختار: يسير معجل، أو كثير مؤجل؟ فقال: يا خوند، إنما يصبر على المؤجل التجار أصحاب رءوس الأموال، وأما المفلسون الذي رؤوس أموالهم الأشعار مثلي وأشباهي فإنما هم أبناء يومهم. قال صدقت، وألتفت إلى الصفي كاتبه وقال: بحياتي عليك إلا ما أجزته عني. فقال: نعم وكرامة. وانصرف به إلى منزله، وحلف له انه ما يملك في ذمته شيئاً يقدر على خروجه عنه والتعوض منه إلا على البغلة التي يركبها، ودفعها إليه وألبسه ثيابه التي كانت عليه. فجن فرحاً، وأطنب في الثناء على الملك والكاتب وقال: هذا عندي في هذا الوقت خير من عشرة آلاف دينار في وقت آخر.

قال: وهكذا كانت أفعال الملك الأشرف في أكثر الأوقات، إذ كان أعرف الناس باستجلاب الثناء في كل وقت وبكل ما أمكن. قال: ومما أنشده لنفسه فاستحسنه الصفي وكتبه، قوله:

اسمع أخي اختبارقد شيبت رأسه الرجال
إياك أن تشتفي بقولفيه على ربه وبال
للشاعر العبدوسي، اقرأ القصيدة
وبلغ النفس ما تمنتإذا تأتى لك الفعال

النص من طبعة دار المعارف بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الغصون اليانعة في محاسن شعراء المائة السابعة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.