من «الغصون اليانعة في محاسن شعراء المائة السابعة» لابن سعيد المغربي (ت ٦٨٥هـ)
ابن مسعود
الفقيه المدرس الشاعر الظريف أبو العباس أحمد بن مسعود [بن محمد] الخزرجي القرطبي.
جليل المقدار، جائل في الأقطار؛ رحل من بلده قرطبة فدوخ أقطار المغرب والمشرق، إلى أن استقر بمدينة دنيسر فطلع بها كالمصباح المشرق، واعتنى به ملوك ماردين ودنيسر بنو أرتق؛ وجعلوه مدرساً في أجل مدرسة لهم هناك. وقد ذكروا أنه كان في فنون العلوم بمنزلةٍ كذلك، وكان جل علومه الأصول والفقه الشافعي.
وقفت على ترجمته في تاريخ دنيسر لعمر بن الخضر التركي وفي تاريخ حلب لابن العديم، وفي معجم ابن الشعار. وكلهم أطنب في الثناء عليه، وترجم عما لديه.
وفي أثناء تلك التواريخ أنه مات بدنيسر في سنة إحدى وستمائة.
ولما مررت بمدينتي وماردين في الرحلة البغدادية وجدت أدباءها
يرتاحون إلى أخباره، ويهيمون بحفظ ما وقع إليهم من أشعاره، فأضفت ما استفدت منهم إلى ما وقعت عليه في التواريخ المتقدمة الذكر، ولخصت من الجميع ما اخترته لهذا المكان.
أخبروا أنه كان مع جلالة قدره وتصدره للتدريس من أولع الناس بحضور السماع، وأكثر قولاً في الغراميات التي لا تخلو من الانطباع. وقد أوردت له مما وقع ليدي من ذلك ما يدلك على رقة حاشيته، وحلاوة منطقه وتمكن قافيته، كقوله:
ثار شوقي إلى الحمىوهوى الخرد الدمى
وتذكر ما خلامن نعيمٍ تصرما
طيب عيش فقدتمعناه إلا توهما
فهمت مهجتي جوىوبكت مقلتي دما
آه من حمرة الخدود ومن حوة اللمى
وقوام تخالهسمهرياً مقوما
ناعم لم أزل بهفي حياتي منعما
وعذرا كأنمامد في الخد أرقما
أيها المبتلي بهعش كئيباً متيما
والذي جاء لاحياًفيه صار مغرما
قل له دع سليمةوانج عنه مسلما
وقوله:
ملت عني لما حكاه العذولأي غصن مع الصبا لا يميل
كل حين تصغي لما قال هلابعض حينٍ تصغي إلى ما أقول
هو حظي أموت وجداً وشوقاًوحبيبي بمغضي مشغول
أنا عبد وكل ما شئت تعطيفلتجني والعتب لم ذا يطول
رضت فيه نفساً عزيزاً عليهاذلها والمحب عان ذليل
ويقول النصيح أرسل إليهبخضوع لعل حالاً تحول
أنا أرسلت للحبيب ولكنليت شعري بما يعود الرسول
وقوله:
الحمد لله على ساعةًعاينت فيها البدر في سعده
مبارك الطلعة ميمونهاتقرأ آي النضج في خده
قدمني من أفقه بعدماقاسيت ما قاسيت في بعده
لم يجهل الحب ولا عابةفجاد بالوصل على عبده
وعاهدت أجفانه صحبتيوكلنا باق على عهده
أسر أيامي يوم أرىمرتقياً فيه إلى وعده
وعهدي بالجلال بن الصفار الدنيسري يرتاح إذا أنشد قوله:
وفي الوجنات ما في الروض لكنلرائق زهرها معنى عجيب
وأعجب ما التعجب منه أنيأرى البستان يحمله قضيب
وأنشدني قوله:
لاموا علي صبوتي والشيب مبتسمٌكالزهر يبدي ابتهاجهاً في خمائله
فقلت والوجد يطويني وينشرنيأواخر اليوم أحلى من أوائله
لم أترك الأنس حيناً من أحانيهفكيف أغفل عنه في أصائله
فلم أبد له ما يعهده من الارتياح إذا أغرب علي بمعنى. فسأل عن سبب ذلك. فقلت له: لأني قلت، ولم أسمعه:
وقائلةٍ أراك على التصابيوغصن العمر دب به الذبول
وهذا الشيب أنجمه أنارتوطالعها لصاحبها أفول
فقلت لها ودمع العين منيعلى تلك النجوم له مسيل
أصيل العمر أتركه ضياعاًإذ الأوقات أطيبها الأصيل
فمد يده إلى الدواة وكتبها. وأنشد له الصاحب كمال الدين بن العديم قصيدة. منها في الغزل:
وقع الكلام مواقع الأشواقفأصاب فيك مقاتل العشاق
ومنها في مدح ابن أرتق صاحب ماردين:
ما جاد يوماً أن يقال هو الجواد ولا توقف خشية الإملاق
لكنه يعطي ويمنع عالمابمواقع الإمساك والإطلاق
وأنشد له ابن الشعار في معجمه:
يا ظبي سنجار أما ترثي لمنقد صار من أجلك في كف الأجل
قد كان مشغولا بدارس عملهفاليوم لا علمٌ بقي ولا عمل
ومن أبياته المفردة التي يمتثل بها:
وما عجبي إلا لذي الجهل انهيؤمل في الأعداء رأى الأصادق
النص من طبعة دار المعارف بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع