تجاوز إلى المحتوى

من «الغصون اليانعة في محاسن شعراء المائة السابعة» لابن سعيد المغربي (ت ٦٨٥هـ)

التلعفري

الفيلسوف المتفنن الشاعر، الموفق مظفر بن محمد. من تلعفر من حصون سنجار. وكان الفضل التيفاشي يذكر لي هذا الرجل ويزعم أنه استفاد من تصانيفه في ضروب الفلسفة، ويمتعني بما وقع له من أخباره وأشعاره أيام رؤساء بني ندا، أعيان الجزيرة العمرية.

ثم لما صار سنجار ومررت بتلعفر وحللت بالموصل وجدت ذكره هناك نابهاً، وألفيت كل من يذكره من أهل بلاده بانتسابه تائهاً وقد لخصت كما لقيته من ذلك: رحل في أول أمره من بلاده إلى الموصل وبغداد، وقرأ فيها مدة، ثم عاد إلى تلعفر واستقر بسنجار عند صاحبها بني مودود، وحل

منهم محل مر الخمر في العنقود، واختص من بينهم بقطب الدين، وتصدر لإقراء النجو والحكمة وضروب الآداب. وكان معظم علومه الفلسفة، واشتهر بالتنجيم وقول الشعر والأدب.

فمن المتداول أنه وضع لقطب الدين في بعض السنين تقويماً وكتب عليه من شعره:

تضمن حسبان مجرى النجوموباح لديك بسر الفلك
للشاعر الموفق التلعفري، اقرأ القصيدة
فما كان شرا فالحاسدينوما كان خيراً وبشرى فلك

وله في قطف الدين وغيره من ملوك بيته أمداح جليلة، منها قوله الذي يرتاح إليه، وتعقد الخناصر عليه:

غر بها ليل ساسوا الدهر واقتدرواعليه من حيث ظل العدل ممدود
ماج الورى معهم في نعمة رحبتأفياؤها وسقى أفنانها الجود
للشاعر الموفق التلعفري، اقرأ القصيدة
فبعضهم رائع في حال غفلتهوبعضهم بين ذاك الدوح غريد
لا يظهر العيد في أقطارهم أبداًإذ كل أيامهم من حسنها عيد
للشاعر الموفق التلعفري، اقرأ القصيدة
المدح عندهم وقصدهميد لديهم وأفق الجود مقصود
للشاعر الموفق التلعفري، اقرأ القصيدة
ما أحسنوا أبداً بدءًا إلى أحدإلا وقالت لهم أحسابهم عودوا
للشاعر الموفق التلعفري، اقرأ القصيدة
وقطبهم قطبهم في كل مكرمةٍعلى علاه استدار العترة الصيد
للشاعر الموفق التلعفري، اقرأ القصيدة

ثم اختلت أحواله بسنجار، فرحل في نهاية من الإسراع والهرب إلى الملك الأشرف بحران، فعندما اجتمع به، قال له: ما أخرجك عن سنجار؟ فقال: صاحبها الذي جار. قال: فما هذا السوق؟ قال: على قدر المحبة والشوق.

وقال في تغير صاحب سنجار عليه، مال يستغنى في هذا الباب عنه، ولا يتمثل في معناه بأحسن منه:

أيا لمعزٍ صحبة السلطان إن لهاصفواً يروق ولكن غبه كدر
مماثلي لازال الدهر ذا حذرٍمنه وليس متى ما شاء يقتدر
فكيف من ينقد الأجيال قاطبةمستصغراً وإذا يجفو جفا البشر
للشاعر الموفق التلعفري، اقرأ القصيدة
وكلما شاء حكماً فيك أنفذهمتى يشاء ومنه ليس تنتصر
للشاعر الموفق التلعفري، اقرأ القصيدة
إن الملوك متى تستقر نارهميحرقك قبل ابتغاءٍ للقرى الشرر
للشاعر الموفق التلعفري، اقرأ القصيدة

وحضر يوماً في بستان عند الملك الأشرف، فخدمه مملوك له جميل الصورة، فقال له الملك: يا موفق، هل توفق لشيء من النظم في الذي جمع لك الحسن والإحسان؟ فقال: يا سلطان، ما أضيع هبوب النسيم على الروض الهشيم، ثم أفكر ساعةً وقال:

أقول وقد أبصرت مرأىيحاكى غرة القمر المنير
للشاعر الموفق التلعفري، اقرأ القصيدة
وأخلاقاً كما مزجت شمولٌتدار عليك بالعذب النمير
للشاعر الموفق التلعفري، اقرأ القصيدة
ولي حال ينافرها التصابيوقد حالت بإلمام النذير
للشاعر الموفق التلعفري، اقرأ القصيدة
لقد أبديت لي حسناً وحسنيولكن جئت في الزمن الأخير
للشاعر الموفق التلعفري، اقرأ القصيدة

فقال والله لقد جاوزت حد الإحسان! فلله درك! وبالله لا كتبه إلا بيدي. واستدعى الدواة وكتبها في دفتر اختياراته.

وقدم على سنجار رجل كثير الدعاوى والتثقيل يعرف بابن الجغاني

القطربلي، ويكتب نفسه: علي بن طاهر العلوي. وكان أبوه، على زعمهم، يضرب الجغانة، وهي من آلات الطرب. ثم نشأ هذا الشخص فتعلق بالأدباء والأعيان، وأخذ من كلامهم واصطلاحهم ما يدخل به بين ... وسافر إلى الحجاز، فثار في خاطره أن يدعي الشرف، فرحل إلى الموصل وتزيا بزي الشرفاء وأرخى ذوائب شعره على جانبي وجهه. فضربه بالسياط نقيب العلويين هنالك وجرَّسه. والتجريس: أن يُنادي عليه: هذا خرا! ويشهر بين الناس.

فسار إلى سنجار. واتفق على رؤسائها بكثرة التثقيل، وصاروا يعمرون مجالسهم بالمطايبة معه، والحكايات عنه إذا غاب. وصار له بذلك إدلالٌ يجالس به العلماء ويبحث في مجالسهم. وكان الحظ الأوفر من البلية به للموفق التلعفري، فجعله نصب أفكاره ونوادر أشعاره. فاطرد له معه، مع اتصال الأيام إلا في الندوة، ما يزري بأشعار ابن سكرة في خمرته. فمن ذلك قوله:

ابن الجغاني غدا عندنابضد ما كان بقطر بل
للشاعر الموفق التلعفري، اقرأ القصيدة
صاعقةً أرسلها ربهابأرض سنجار على من بلي
للشاعر الموفق التلعفري، اقرأ القصيدة
دلى ذؤاباتٍ وقال انظرواسبط النبي المصطفى المرسل
للشاعر الموفق التلعفري، اقرأ القصيدة
حاشي السراة الغر من هاشمأن يقربوا من مدع ممحل
للشاعر الموفق التلعفري، اقرأ القصيدة
يأنف من نسبته كل منيرجع في الناس إلى أول
للشاعر الموفق التلعفري، اقرأ القصيدة
إن كان حقا ما ادعى قل لهيظهر ذاك الأمر في الموصل
للشاعر الموفق التلعفري، اقرأ القصيدة
السوط والتجريس قدامهوان تمادى أمره يقتل
للشاعر الموفق التلعفري، اقرأ القصيدة
أرحنا منه الذي صاغهمن جبل الجودي كالجندل

خص جبل "الجودي" لأنه لا يفارقه الثلج. وكان هذا الرجل بارداً ثقيلاً يابس المفاصل.

وقوله:

هذا الجليس الذي بليت بهأقسم ألا يفارق الصلفا
للشاعر الموفق التلعفري، اقرأ القصيدة
في كل علمٍ يخوض مدعياًوهو جهولٌ بكل ما عرفا
للشاعر الموفق التلعفري، اقرأ القصيدة
أوضع خلق الإله كلهمويدعي أنه من الشرفا
للشاعر الموفق التلعفري، اقرأ القصيدة
الموت منه ومن ثقالتهأمانة الله عاجلاً وكفى
للشاعر الموفق التلعفري، اقرأ القصيدة

وقوله:

هذا الدعى الذي غير جهله لم يهنه
للشاعر الموفق التلعفري، اقرأ القصيدة
يروي الغريب وترويغرائب اللوم عنه
للشاعر الموفق التلعفري، اقرأ القصيدة
لطاهرٍ منتهاهوالكاتب أطهر منه
للشاعر الموفق التلعفري، اقرأ القصيدة

وقوله:

لنا جليسٌ باردٌ معجبٌأبعده الله وأمثاله
للشاعر الموفق التلعفري، اقرأ القصيدة
إذا أحتبي في مجلسٍ تائهاًأخرج مثل الأرض أثقاله
للشاعر الموفق التلعفري، اقرأ القصيدة
ويدعي في نسب المصطفىوفعله يكذب ما قاله
للشاعر الموفق التلعفري، اقرأ القصيدة
يا رب لا تقض اتصالي بهيوماً وقطع منه أوصاله
للشاعر الموفق التلعفري، اقرأ القصيدة

ولم يزل مع الملك الأشرف إلى أن حضر معه وقعة دنيسر، التي كانت له في سنة اثنتين وستمائة، على نور الدين، صاحب الموصل، فوقع وارتض جسده، فمات في إثرها.

النص من طبعة دار المعارف بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الغصون اليانعة في محاسن شعراء المائة السابعة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.