من «الغصون اليانعة في محاسن شعراء المائة السابعة» لابن سعيد المغربي (ت ٦٨٥هـ)
ابن جرج
شيخ طلبة الحضر، العالم الجليل، الفيلسوف الشاعر النبيل، أبو جعفر أحمد بن عتيق بن جرح الذهبي البلنسي. أصله من بني جرج، البيت المشهور بقرطبة، انتقلوا بالفتنة إلى بلنسية. وكان في آبائه من اشتغل بالتذهيب فجرى عليه ذلك الوصف، وكل من وقفت منه على ذكره، في كتاب أو مشافهة، عظيمه غاية التعظيم، وجعله أحق أهل عصره بالتقدم. وأبو الوليد الشقندي، من بينهم، شديد الغلو فيه، وهو أعلم الناس به لكثرة ملازمته إياه. سمعته مرة يقول: إن الكمال الإنساني إن جمع لإنسان فانه لم يعد ثلاثة: أرسطو، وابن سينا، وأبا جعفر الذهبي. وذكره في رسالة شعراء الأندلس الذين افتخر بمحاسن شعرهم على شعراء بر العدوة، ونوة فيها بقوله- وهو من المرقص الداخل في كتاب "كنوز الأدب":
أيها الفاضل الذي قد هدانينحو من قد حمدته باختياري
شكر الله ما أتيت وجازاك ولا زلت نجم هدىٍ لساري
أي برق أفاد أي غماموصباح أدى لضوء نهار
وإذا ما غدا النسيم دليليلم يحلني إلا على الأزهار
وأنت إذا بحثت جهدك فيما قال المشارقة والمغاربة في فاضل دل على صحبة فاضل، لم تجد مثل هذه الأبيات.
قال: ومن الأبيات السائرة المفردة للتمثيل قوله في عالم انفصل عنه:
ولكم مجلس لديك انفصلناعنه مثل الصبا عن الأزهار
وقوله، وقد عاد أبا سعيد بن جامع في مرضه:
أنت عين الزمان لا تنكر السقم فما ذاك منكرٌ في العيون
وممن كان يبالغ في وصفه من جهة العلم والمودة، وحسن الأخلاق وكمال الأوصاف، أبو عمران الطرياني قال: كنت إذا صعدت إلى الحضرة ألزم خدمة جماعة من أرباب دولتها، فوردتها مرةً، وحضر موسم، فغيروا عاداتهم، فحملني ذلك على أن قلت:
غيرتم عاداتكم عندنافكلنا من عبئه يستريح
فغير الرحمن عاداتهعندكم كي تعذروا في القبيح
وبلغ ذلك أبا جعفر الذهبي، فقام بجميع ما أحتاج إليه، فقلت فيه:
أبيت إلا كرماذا ثروة أو معدما
ترى الأيادي مغنماإذا رأوها مغرما
فزادك الله علىكل الأمور نعما
وصليت إلى جانبه صلاة العيد، فلما التفت من السلام ورأى الناس يحوجون فرحاً أطرق، ثم أنشدني:
نسر بالأعياد يا ويحناوكل عيد قد تولى بعام
والعمر در في نظام وهلنفرح أن ينقص در النظام
ما في البرايا عاقلٌ كلهميردى ولم يعمل حساب الفطام
والحمد لله على ما قضىفهذه حكمته في الأنام
ورأيت ابن حمويه قد ذكره في "رحلته المغربية" وأخبر أنه كان حسن الأخلاق جم المعارف. وسايرته يوماً بظاهر مراكش، فتذاكرنا معايب الدنيا وأنكادها، وأنها لا توجد فيها راحة غير مشوبة بتعب أو سوء عاقبة. فقال: عالم النقص لا تكون فيه الكمالات.
وذكر ابن عمر في تاريخه أنه كان متفننا في العلوم، محيطا بكثير من الفلسفة، وأن وفاته كانت في سنة إحدى وستمائة في سفرته مع الناصر إلى إفريقية. وكان ممن طلب منحه أبى الوليد بن رشد، في مدة المنصور من أهل الفلسفة، فلم يوجد، فبلغه أنه في خدمة السيد أبي الحسن علي بن أبي حفص بن عبد المؤمن بغرناطة، فكتب له في أن
يجمع له جمعا ويوفق بينهم حتى يلعنوه. فلما وصله الكتاب وقف عليه أبا جعفر في خلوة. فقال أبو جعفر: ألا لعنة الله على الظالمين! فضحك السيد وقال: عجلت بالمكافأة يا أبا جعفر، وبدأتنا بما استحيينا أن نبدأك به، وبالله لقد يشق على مقابلتك بما أنفذ به الأمر، لكن ليس من ذلك بد، وقد رأيت أن يكون على خلوة. فجمع خواصه ولعنوه بمكانه. فجعل يقول: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب). وتلطف السيد في أمره والجواب عن مسألته.
ثم إنه بلغ ذاك الغاية القصوى بالخضرة حتى قدم على طلبة الحضر، فصار من أخص الجلساء وأرفعهم منزلة عند المنصور، ثم عند الناصر.
وفيما كتبه والي من أخباره: أنه كان في أول أمره مشتغلا بالعلم ببلنسية، إلى أن شهر بها مكانه، وجل قدره في الإقراء والإفادة. فاستدعاه المنصور إلى الحضرة فقال:
كنت في ركن من الأرض على مقدار فهم
مفرداً فيه مخلىفارغاً من كل خصم
فدعوا بي ثم قالواعلم في كل علم
عرضوني للبلاياأتلقى كل سهم
يا لقومي أتعبوا فيقصدهم روحي وجسمي
وقال: كان لي أخ أميل إليه، فأردت أن أنبهه لحضور مجلس أبي جعفر الذهبي مع ما يستفيد منه. فقال لي أبو جعفر: لا تتعب في هذا الأخ الذي لك، فو الله لا أفلح أبداً. فقلت: ولم؟ قال: لأنه ليست عليه طليعة أديب، ولا له التفات أريب، ولا عنده إصغاء مسترشد، ولا لديه تلطف مستخبر. قال: فقطعه عنه، وتركته لشأنهفما طلع في إخوتي أقل فلاحاً منه.
النص من طبعة دار المعارف بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع