من «الغصون اليانعة في محاسن شعراء المائة السابعة» لابن سعيد المغربي (ت ٦٨٥هـ)
ابن الياسمين
الجليس المتفنن الكاتب أبو محمد بن الياسمين عبد الله بن حجاج الإشبيلي. نسب إلى أمه، وكانت سوادء، وكان هو أيضاً أسود.
تخرج بإشبيلية في فنون العلم. وكان أول تعلقه بالفقه والتوثيق، حتى صار من أعلام العارفين بالوثيقة، ثم اشتغل بالنظم والنثر وفنون الآداب، فصار من أعلام الأدباء والكتاب.
ومن حكاياته أنه جاء بإشبيلية إلى شيخ طيب، فشكا له تلهب معدته، وأنه لا يشبعه شيء. فقال، وقد لمح بوارق السعادة: لابد لك من أن تشتكي لي بسوء هضم معدتك، نعم وبثانية، نعم وبثالثة.
فمضت الأيام وطلع إلى مراكش، وبلغ المبلغ العظيم من مجالسة المنصور ومسايرته له إذا ركب في أسفاره، لافتتانه بحديثه وما يجد عنده مما لا يجده عند غيرهفاتفق أن طلع ذلك الطيب إلى مراكش فاجتمع به، فقال له: يا حكيم، صدقت فيما أنذرتني به من سوء الهضم مما تراه.
فدله على ما يصنع. ثم مضت الأيام فشكا له بالنقرس وقال: أظن هذه الثانية؟ قال: نعم. ثم أقام مدة، ووقع اجتماعه به، فقال له: يا حكيم، صدقت في اثنتين فأين الثالثة؟ فقال: يا فقيه، بلغتني على ألسن الناس،
ولو كانت علة لشكوت بها. فضحك أبو محمد. وكان كثير الإجمال والمطايبة والمرح، وأحسن للطيب. وكان قبل ذلك لم يفض عليه في دنياه بشيء. وإنما أشار الطبيب إلى الخلة التي اشتهرت عن ابن الياسمين. والله أعلم بالسرائر.
وذكر ابن عمر في تاريخه أن وفاته كانت في سنة إحدى وستمائة. ولم يوقف له على الحقيقة. وقد وجد مذبوحا في غرفة على باب داره. ومما تلقيته من جماعة من طلبة مراكش أنه وجد في تلك الغرفة على وجهه ووتد في دبره. وكذلك وجد الفتح صاحب القلائد، في تلك الجهة بعينها، ما بين دار ابن الياسمين والفندق الذي ذبح فيه ابن الياسمين، إلا مسافة يسيرة.
وحكى أبو عمران الطرياني قال: كنت في اليوم الذي أصبح فيه ابن الياسمين مذبوحا عند الكاتب أبي الحسن بن عياش، فبينا أنا
ألاعبه بالشطرنج إذ دخلت إليه أمه له وألقيت إليه براءةً عرفته أن امرأة دفعتها إليها، ورغبت منها توصلها إلى سيدها.
فقال هذا وقته! ولم يلتفت إليها. قال: فقلت له: ولعل فيها مالا يجب تأخيره. قال: ولعل. ثم أخذها وقرأها، فإذا بوجهه قد تغير، ثم ضحك ورمى بها إلى وقال: انظر هذا لا يحب تأخيره. فقرأتها، فإذا فيها:
هذا ابن حجاج تفاقم أمرهوجرى وجر لحد غايته الرسن
حتى غدا ملتقى ذبيحا حاكياللناس رقدته إذا هجر الوسن
فليحزن الكاتب ما قد غالهوأخص بينهم الفقيد أبا الحسن
فقلت: ومن ترى قائل هذه الأبيات لعنه الله؟ قال: يا سبحان الله! وهل صاحبها غير الكورائي الذي طبعه الله على ألا يضيع فرصة من فرص الأذاة.
قال أبو عمران: ثم أشتهر بعد ذلك قول الكورائي في تلك القضية معرضا بابن عياش:
فليحزن الكتاب ما قد غالهوأخص من بين الجميع فلانا
فحصل التحقيق بأنه قائل ما تقدم.
قال أبو عمران: فلم يكن ابن الياسمين، على ما كان له من منصب العلم والتقدم عند السلطان، يستتر بحاله، بل يتمازح فيه ولا يضيع بادرةً تقع من أجله. وله في ذلك أشعار كثيرة، منها قوله، وقد عذله بعض أصحابه في تقريب امرئٍ كان كثير الاختصاص به، وقال له: هلا اخترت لخدمتك، والقرب من مناولتك ومشافهتك، أبيض اللون:
يبيعون حبي للسواد جهالةًوما علموا ما فيه لي من مآرب
أهين لقصدي ربه وهو خادمإذا ما علا فوقي بمجداف قارب
ويلقي ضحوك السن لله درهحمولاً لما حملته غير لاغب
وفيه خصال جمةٌ غير هذهأحق الورى طُرّاً بخدمة كاتب
فيا معشر الكتاب أوصيكم بهوصية من يعني بحاجة صاحب
قال: وربما كان يصرح في بعض خلواته لمن يأخذ معه في ذلك الشأن، إذا دارت كأس المدام، وارتفع حجاب الحياء عن الكلام، فيقول: ينبغي لأرباب هذه الصناعة ألا يعدلوا عن الأمرد، فانه أطول أيراً، وأكثر سيراً.
ومن أشعاره المتعارفة بهذا الباب قوله في صبي مليح جاء يقرأ عليه، بعدما حام على قربة زمانا، فلم يقدر على ذلك:
لله ذاك المليح لماأتى بأسفاره إلينا
كم قد غدا حائماً إلى أنأوقعه البخت في يدينا
فظن جهلا أنا عليهوما درى أنه علينا
قال: وبينما هو في جامع إشبيلية إذ مر به صبي في نهاية الحسن. فأنشده مسمعاً له:
ما ضر من سار وما سلمالو أنه من لحظه سلما
فأظهر النفار من ذلك، فقال: لا تخف، انك أنت الأعلى. ففطن لمراده. فقال: لست ممن يركب بأجرة ولا سخرة. فلم يحر جواباً. وبقي متعجباً من فطنته ومن مخاطبته، وبحث عنه فإذا هو من بني زهر.
ولما أشتهر قول أبي العباس الكورائي فيه:
إست الحبارى ورأس النسر بينهمالون الغراب وأنفاس من الجعل
خذها إليك بحكم الوزن أربعةكالنعت والعطف والتوكيد والبدل
حمله ذلك على أن قال:
يا أعرق الناس في نسل اليهود ومنتأبى شمائله التفصيل للجمل
خذها بحكم اجتماع الذم واحدةتغنى عن النعت والتوكيد والبدل
وله موشحات يغنى بها، وأمداح في المنصور والناصر. وأمثل ما وقع ليدي من ذلك قوله من قصيدة منصورية يذكر فيها قطع المنصور الأشغال بكتب الفروع والاقتصاد على ما ثبت من الأحاديث النبوية:
أسيدنا قد وردتم بناوارد كنا عليها نحوم
نبذهم مقالة هذا وذافزل المراء وقل الخصوم
وأثبتتم قول من لفظههو الشرع والحق منه يقوم
فلا زلتم لكمال الهدىوإحياء دارس درس العلوم
وقوله من قصيدة ناصرية:
عجبت لمن يراك وبعد هذايحاول أن يرى ملكا سواكا
وقد جمع الإله لديك ما قدتفرق في البرية من حلاكا
وما أحد يوم ذراك يوماًفيختار الترحل عن ذراكا
فسبحان الذي أعطاك ملكاعلى مقدار ما أعلى علاكا
وحضرت يوماً بحضرة تونس عند الوزير أبي العلاء فنظر
زهر نارنج تفتح في أشجاره بين يديه، فقال: هل يحضرك فيه شيء من محفوظاتك على أن يكون مما يهز سامعه؟ فقلت: أما على هذا الشرط فلا. فقال: قل أنت فيه. فقلت: امتثالا لأمركم لا على شطركم. ثم أنشدته:
بدا لك النارنج وهو كأنمايريك على الأجياد دراً منضدا
وان خلته بين الزبر جد فضةًفعما قريبٍ سوف تلقاه عسجدا
على مثله حث النديم شمولهونظم من شمل المنى ما تبددا
فأطنب في الاستحسان، وأقام السرور بواحد ثم ثان.
وقال: خرج ابن الياسمين إلى بعض بحار مراكش فنظر إلي مثل هذا المنظر واستحث على وصفه من كان معه من أهل الشعر والأدب. فقال كل واحد منهم على ما أعطاه فكره ووقته. فلم يحفظ من كل ذلك إلا قول ابن الياسمين:
جاء الربيع وهذيأولى البشائر منه
كأنما هو ثغرقد جاء يضحك عنه
زهر لنارنج دوحانظر إليه وصنه
أليس حياك عرف الذي جفا من لدنه
وهذا مما أوردته في كتاب "الكنوز"، إذ إهمال مثله منه لا يجوز. وها أنا أختم ترجمته، بما تعرف به الشعر قيمته.
نقلت من معجم أبي الوليد الشقندي أن أبا الحجاج بن نمرى، عالم فاس، لما استحسنت بالحضرة مذاكرته، أحسن إليه وخلع عليه، وحضر مع ابن الياسمين فاستقبح صورته واستحسن كلامه، فقال فيه:
أيها لون اللابس لون الليلثوباً حين أظلم
والذي يضمر داءًمنه يوماً ما تألم
أنت من أقبح خلق اللهما لم تتكلم
بشذور باهراتٍساحرات لو تجسم
أصبحت في كل جيدٍحسن عقدا منظم
فلما بلغ ابن الياسمين ذلك قال:
أيها الفاسي أتى ريحك قبل النجو يفغم
في قريض حسن الصورة بالهجو مجذم
فقبلناه وقد جاء لنا بالمدح معلم
ثم قلنا: بمزاحمنك قول ليس يعدم
إنما الشأن فقيهعالم ليس يعلم
لا تراه الدهر إلابغريم الكأس مغرم
يرفض النفل مع الفرض أوان الزير والبم
وإذا صلى رياءًكان فيها مثل أبكم
في ثيابٍ كربيعقد سرى فيها المحرم
ذا جوابي وهو ظلملك والبادئ أظلم
قال الشقندي: هذان الشعران بمنزلة الشعريين، وكلاهما عين في مقابلة عين.
وقد أوردتهما في كتاب "كنوز المعاني"، لأنهما مما ظفرت منه الأماني.
النص من طبعة دار المعارف بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع