من «مطلع الأنوار ونزهة البصائر والأبصار» لابن خميس (ت ٦٤٠هـ)
محمد بن عبد الرحمن بن عبد العزيز ابن أبي العافية الأزدي
المعروف بالكتندي, يكنى أبا بكر, من أهل غرناطة. وسكن مالقة مدة. وكان كاتباً لبعض ولاتها, وتردد عليها. وكان صاحباًِ لأبي عبد الله الرصافي, ولأبي علي ابن كسرى وبينهم بمالقة مقامات أدبية ومجالس شعرية وارتجالات نبيهة.
وكان أبو بكر هذا من أهل الأدب البارع والنظم الفائق. وذكرته وإن لم يكن من أهل مالقة لسكناه بها, وما بينه وبين أدبائها فمن شعره ﵀ ما حدثني به الفقيه أبو القاسم بن عبد الواحد ﵀, وذلك في قوله يصف صفيحة نحاس عليها أسود نحاس أربعة:
انظر إلى الماء وانصبابهيجري من أفواه أسد غابه
أزرق ينساب ذا حبابكأنه الأيم في انسيابه
فاعجب لمرأى يروع, لكنقد زاد أنساً محلنا به
من كل ليثٍ إزاء ليثٍيمج رقطاء من لعابه
أمنك من أنف ذي وفيهاآمن من ظفر ذا ونابه
وقوله:
ومهفهفتٍ هز الحسام وربمافلت لواحظه مضارب حده
حين فبالغ في تحيته وقدأبدى الحياء تورداً في خده
فسألت ما هذا, فقال مجاوباً:أنسيت نيساناً ويانع ورده
لا تنكروه فمن دم أهريقهبلحاظ من ساورت منه بوده
الورد خدي, والمهند ناظريودم المحب هدية من عنده
وقوله ﵀, قال شيخنا أبو القاسم: وهو مما ارتجل فيه:
يا نخبة الظرف بل يا نخبة الأدبهل) للهوى غير ذاك الحسن من سبب
البدر أطلعت من قد على غصنٍمتى ظفرت بأفلاكٍ من القضب
وقوله ﵀ في النارنج:
انظر إلى النارنج مستغرباًفما على إغرابه (من) مزيد
ألفت الضدين أشجارهاوذاك من أغرب ما في الوجود
وقوله ﵀:
لأمر ما بكيت وهاج شوقيوقد سجعت على الأيك الحمام
لأن بياضها كبياض شيبيفمعنى شذوها: قرب الحمام
ومن شعره ما حدثني الأديب أبو عمرو بن سالم عن الأديب أبي علي بن كسرى عنه, وهو قوله الله تعالى:
يا سرحة الحي يا مطولشرح الذي بيننا يطول
عندي مقال فهل مقامتصغين فيه لما أقول
ولي ديون عليك حلتلو أنه ينفع الحلول
ماضٍ من العيش, كان فيهملبسنا ظلك الظليل
زال وماذا عليه, ماذايا سرح لو لم يكن يزول
وقوله ﵀ في الزهد:
أنت الغني وإن الفقر برح بيفأغنني بالغنى المغني عن الوصب
إن تدركني برحمى لم أخف دركاًوإن تكلني إلى نفسي فيا نشبي
وحدثني الأديب أبو علي بن كسرى, قال: دخلت يوماً بستان الوزير أبي عمران بن مرزوق, فوجدت أبا بكر الكتندي, وفي يده إناء قد ماء, وهو
يستقي به أصل بهار قد ظهرت فيه نوارة في غير أوانها, فعجبت من كلفه بها فقلت: هل حضرك شيء فيها؟ فأطرق ساعة ثم أنشدني ﵀:
وحقكم إنه بهاريوجب أن تصبح العقار
عزه تشرين. أي يومإليه من حسنه يشار
بعد احتجابٍ وطولٍ عهدٍأبدى فماً, خده البهار
في روضةٍ سال كل شربٍمنها كما تنتضى الشفار
سقيت وسمية هموعاًيا روضة حثها ابتكار
قال الأديب أبو علي: ثم اتفق أن دخلت البستان المذكور في أول البهار فكتبت إلى أبي بكر الكتندي ﵀:
يا مولعاً بالبهار زرنافروضنا زاره البهار
وانشط إلى قهوة أرتناشمس نهارٍ ولا نهار
في روضةٍ إن حللت فيهاحل بها الأنس والوقار
باكر أبا بكرٍ المفدىكأساً وزهراً له ابتكار
راق سناه العيون لماواسط مبيضه اصفرار
كأنه كأسنا المدارفذا زجاج, وذا عقار
يبسم ثغر الرياض منهعن دررٍ, حشوها نضار
قال أبو علي: فلم ألبث إلا يسيراً حتى سمعنا صوته وهو يقول: ها أنا بالباب عبد قن=أتى به طيفك الهني قال أبو علي بن كسرى: كنت قي أحد الأيام (قد) فارقت الأديب أبا بكر الكتندي على أن أجتمع معه عشي ذلك اليوم في البستان المذكور. ثم اتفق أن خرجت مع جملة أصحاب, وتركت أباكر المذكور. فأعلم بجمعنا فكتب إلي:
يا مولماً قد ألام (عنالم يثن قوماً إلى مزاره
جدت له دمعي بمزنٍوضن بالرشف من قراره
جنته أزلفت لغيريوبرزت لي جحيم ناره
وقال أبو علي: فلما قرأت البطاقة خجلت, وخجل من كان معي من الفتيان, فكتب إليه:
يا لائماً قد ألام لماأجريت فعلي على اختياره
فرق ما بيننا اجتماعأشفقت منه على وقاره
لما اضطرنا له, ولكنلا عذر للمرء في اضطراره
وحدثني الأديب أبو عمرو قال: أنشدنا أبو الحسن الوقشي, قال: أنشدنا أبو بكر الكتندي, وأمر أن تكتب على قبره ﵀:
حي قبراً بالبقيع حوىذا اغترابٍ حط أزحله
جد في تسياره وجرىطلقاً ما شاء أطوله
فهو قد ألقى عصاه ولميدخر إلا توكله
وله ﵀ عليه:
إلى أبي القاسم المختار من مضرٍحنت (له) الجدع قلبي, فار بالكرم
أنام ملء جفوني لا يمثل ليفي نومه ٍفكأنه العين لم تنم
فالنفس في يأسها منكم مولهةليست من الأمل الأسنى على أمم
كم رمتها يا رسول الله مرتبةلو كنت آمل أن ألفاك في الحلم
وشعره ﵀ كثير. ومنهم:
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع