من «مطلع الأنوار ونزهة البصائر والأبصار» لابن خميس (ت ٦٤٠هـ)
محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عياش التجيبي
يكنى أبا عبد الله. هو الكاتب المشهور الجليل المقدار. كتب لأمير المؤمنين المنصور, فكان يظهر له في كتبه من البلاغة والفصاحة ما يدل على معرفته وحفظه. وكتبه مشهور. حدثني خالي أبو عبد الله بن عسكر رحمة الله عليه, أن الكاتب أبا عبد الله هذا, كتب يوماً كتاباً ليهودي, فكتب فيه: ويحمل على البر والإكرام. فقال له المنصور: من أين لك أن تقول في كافر: يحمل على البر والكرامة. قال: ففكرت ساعة, وقد علمت أن الانفصال يلزمني عما ذكرت.
فقلت له: قال رسول الله ﷺ: "إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه", وهذا عام في الكافر وغيره. فقال لي: نعم, هذه الكرامة. فالمبرة من أين أخذتها. قال: فسكت لم أجد جواباً. قال: فقرأ المنصور: أعوز بالله من الشيطان الرجيم, بسم الله الرحمن الرحيم, (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم, إن الله يحب المقسطين). قال: فسررت بذلك كثيراً وشكرته عليه. وكان أبو عبد الله هذا كاتباً بليغاً شاعراً مؤثراً عالي الهمة, معظماً عند الملوك مقرباً لديهم. قدم علينا لمالقة, وقرأ بها على الأستاذ الجليل أبي زيد السهيلي ﵀, وصحب في حين القراءة عليه الأستاذ أبا علي الرندي. قال خالي ﵀ عليه: إن شيخنا أبا علي أخبره أنه لما قدم مراكش, لقي بها الكاتب أبا عبد الله, فانتفع به في قضاء مآربه,
ونالها على الكمال والتمام بسببه. ومن شعره ﵀:
بلنسية بيني عن القلب سلوةفإنك روض لا أحن لزهرك
وكيف يحب المرء داراً تقسمتعلى صارمي جوع وقتله مشرك
قال الفقيه أبو البحر صفوان بن إدريس في كتابه المسمى بزاد المسافر, وقد ذكر الكاتب أبا عبد الله بن عياش: اجتمعت به ليلة بمراكش, فقال ابن عياش مرتجلاً
وليلة من ليالي الصفح قد جمعتإخوان صدقٍ, ووصل الدهر مختلس
كانوا على سنة الأيام قد بعدوافألقت شملهم لو ساعد الغلس
وله من قصيدة:
أشفارها أم صارم الحجاجوجفونها أم فتنة الحلاج
فإذا نظرت لأرضها وسمائهالم تلف غير أسنة وزجاج
وأدبه رحمه كثير, ومنصبه شهير.
ووصفه الأديب أبو عبد الله بن مرج الكحل في صدر كتابه الذي جمع فيه شعره, وطرزه باسم الكاتب أبي عبد الله المذكور, بعد أن قال: ولما جنيت ثمر الانقطاع والانحياش, من الرئيس الأوحد أبي عبد الله بن عياش. جمعت شتاته, ووصلت بتاته, فرسمته باسمه, ووسمته بوسمه, وعوذتها من نفثات المتعسفين بسور كرمه, وأمنتها نقد المنتقدين في فناء حرمه, على أني ما نظمت إلا منثوره, ولا ضمنت ألا حكمه المأثورة, عرفت فاعترفت, ونلت حين وردت بحره فاغترفت.
ولابن مرج الكحل فيه نظماً ونثراً:
لقد طلع ابن عياش شهاباًشهاب الأفق يلثم أخمصيه
أطرز باسمه ديوان شعريوكان له, فعاد إلى يديه
إذا كانت معاني الشعر منهفقد ردت بضاعته إليه
فما طمحت الهمم إلى كلامه, إلا نكصت على أعقابها, ولا برزت الوجوه إلى أن تعاطيه, إلا استترت بنقابها. كلامه يبهر الخواطر ويستوقف الخاطر, ويدر الجمام ويستوقف الماطر. ولابن مرج الكحل المذكور فيه أمداح كثيرة. وله فيه من قصيد مدحه بها:
إذا ما ابن عياش تدانى محلهفلا عيش إلا وهو فيه خصيب
كريم السجايا أريحي سميدعأغر طليق الراحتين وهوب
ومنها:
تبؤأ من دار الخلافة رتبةأقام بها كيوان وهو مريب
ومنها:
فحسبي من فخرٍ وأنت مقلدمقالك عني, إنه لأديب
ومولد الكاتب أبي عبد الله المذكور ببلده برشانة عام خمسين وخمسمائة. وتوفي ﵀ بمراكش في شهر رجب عام ثمانية عشر وستمائة.
ومنهم:
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع