من «مطلع الأنوار ونزهة البصائر والأبصار» لابن خميس (ت ٦٤٠هـ)
صفوان بن إدريس
يكنى أبا البحر. أصله من مدينة مرسية. واجتاز على مالقة, وأقام بها مدة, وأخذ عنه بها من شعره كثير. ثم انتقل إلى مراكش فأقام بهامدة. وهذا المذكور من فحول شعراء الأندلس, وأدبائها شاعر مفلق وكاتب بارع, تضرب ببراعة كتبه الأمثال. وله رسائل عجيبة ومقامات غريبة, وأشعار رائقة. نقلت من خط أبي عمرو بن سالم قال: أنشدني أبو البحر صفوان لنفسه بمالقة عند توجهه إلى الحضرة من شعره:
يا حسنة والحسن بعض صفاتهوالسحر مقصور على حركاته
بدر لو أن البدر قيل له اقترحأملاً, لقال: أكون من هالاته
عبث بقلب محبه لحظاتهيا رب لا تعتب على لحظاته
ركب المآثم في انتهاب نفوسنافالله يجعلني من حسناته
يعطي ارتياح الحسن غصناً أملداحمل الصباح فكان من زهراته
والخال ينقط في صحيفته خدهما خط حبر الصدغ من نوناته
وإذا هلال الأفق قابل خدهأبصرته كالشكل في مرآته
ما زلت أخطب للزمان وصالهحتى دنا, والبعد من عاداته
فغفرت ذنب الدهر فيه لليلةٍسترت على ما كان من زلاته
غفل الزمان فنلت منها بدرهيا ليته لو دام في غفلاته
ضاجعته والليل يذكي تحتهنارين من نفسي ومن وجناته
بتنا نشعشع والعفاف نديمناخمرين من غزلي ومن كلماته
وضممته ضم البخيل لمالهأحنوا عليه من جميع جهاته
أوثقته في ساعدي لأنهظبي خشيت عليه من فلتاته
والقلب يدعو أن يصير ساعداًليفوز بالآمال في ضماته
حتى إذا هم الكرى بجفونهوامتد في عضدي طوع سنانه
عزم الغرام علي في تقبيلهفنهضت أبدي الطوع من عزماته
وأبى عفافي أن يقبل ثغرهوالقلب مطوي على جمراته
فاعجب لملتهب الجوانج غلةيشكو الظما والماء في لهواته
له يخاطب أبا عبد الله بن مرج الكحل المتقدم الذكر, فقال:
سأنفث والمصدور لا شك نافثوأسمع إن أصغت إلي الحوادث
وكم وقفت لي بالمعاتب مثلهاعلى حين لا شيء على الصبر باعت
فهل سحر هاروتٍ, يقي (لملمةٍفروعي مميت, والتوهم باحث
خليلي من سكان بابل حدثافإن الخليل للخليل محادث
هل السحر باقٍ مثل ما قد عهدتهأم اتفقت بعدي أمور حوادث
وما عند هاروتٍ وماروت فنظراأعلمهما في ذلك الغار لابث
وإلا فشعر قد أعارته عينهافإن ابن مرج الكحل بالسحر نافث
أما والذي أعطاه في الشعر غايةأماني ابن حجر عن مداها روائث
وقال أليس الحسن ذلك طبعةوأنك فيه من محل لماكث
لقد راع سربي أن عناني بقولهتغير لي فيمن تغير حارث
فمن بعد هذا القول لست بجانحإلى مكسبٍ إذا مكسبي هو حارث
ومنها:
ووجهتها غراء عل قرينهيصيخ, وبي فك القديم الكثاكث
كأن بياض الطرس سامٍ كرامةوأسوده حامٍ, فمن هو يافث
ومنها:
وفي حرم الإخلاص ودك عندناوقد منعت عنا هناك الروافث
وسوق ودادي نفقت كاسد الوفاوقد كسدت فيها المساعي الرثائث
متى رمت بي نصراً تجبك ثلاثةلساني وودي والسريجي ثالث
وكتب إليه ابن مرج الكحل بقصيدة أولها:
أعادتك من ذكر الأحبة أشجانفقلبك خفاق ودمعك هتان
تحن على شحط المزار إليهمومن دون لقياهم قفار وبلدان
خليلي ما في الأرض صفو مودةٍإذا لم يكن يصفي المودة صفوان
رماني بزورٍ وهو بالحق عالموكل كلام الشر زور وبهتان
نطقت فأفحمت العراق بلاغةوأخرست ما تحوي السراة خراسان
ولو سمعت سمعا عكاظ بلاغتيلما جرر الأذيال في الدهر سحبان
ولو كنت في جيل الأوائل لم يكنليذكر بالإحسان في الشعر حسان
فجاوبه الفقيه أبو بحر صفوان بقصيدة منها:
سل البان عنهم كيف بعدهم البانأشاقوه إذا ساروا, وراعوه إذ بانوا
ألم يتعاط دون بانٍ قضيبهفتلك القدود الهيف في العين إخوان
فما بالها لم تدن شوقاً إليهمولم تنقدح فيها من الوجد نيران
ومنها:
إليه فلا انجرت ذيول ظلالهاولا أشبت منها المعاطف أغصان
فإن حكموا أن القدود ذوابلفشاهدهم أن النواظر خرصان
وإن أجمعوا أن الخدود أزاهرفحجتهم أن المعاطف أفنان
خليلي عوجا وانظرا وتبيناولا تكسلا, لن يبلغ المجد كسلان
أهدي الذي تهدي الرياح سلامهمفإني أرى للريح عرفاً له شان
لعلهم قد أودعوها شذاهم ليرتاعمشتاق ويهتز هيمان
وإلا فقولا أنتما قول منصفٍأطبع نسيم الريح روح وريحان
أقول لقلبي حين أشعر غدرهمثكلت, أترضى أن تخون كما خانوا
ولا غرو أني كنت للعهد حافظاًوكلهم عند الشدائد خوان
فعن حكمةٍ ما يخزن النار مالكويخزن دار الخلد والفوز رضوان
ولا كابن مرج الكحل علق مضنةٍتشد عليها للشدائد أيمان
وما راعني من وده, غير أنهيغيره قوم كدهري ألوان
أقول لما أصاخ لقولهم:أمن نفحات الريح يهتز ثهلان
ومنها:
لعمري وما عمري بحلفة فاجرٍولكنها بر وصدق وأيمان
لقد علمتني كيف تصفو مودتي"أعادتك من ذكر الأحبة أشجان"
صدقت, إذا لم يصف صفوان ودهفليس بصافي الود في الناس إنسان
هل النون في صفوان إلا مزيدةمن الصفو والإخلاص يستبن صفوان
شهدت يقيناً أن فكرت آيةيؤيدها من معجزاتك برهان
فلا تجعلني من بني الدهر إنهملنعلي
على أني تسامحت
عبدان
ولا كل من يدعى فتى هو مالكولا كل من فوق البسيطة سعدان
ألست الذي ارتج العراق لذكرهكما ارتج إذ لآقت جيادي صنعان
وكم كلفت مصر بنشر مآثريوقامت على ساقٍ لذكري بغدان
لي الكلم العذب الذي (لو) بذلتهلطالبه ما استعمل الماء صديان
من الكلم الرطب الذي لو أبحتهلزيف: عقيان وبهرج مرجان
كلام إذا أرسلته قال بعضهملبعضٍ: أعني الآن عمري لقمان
ومنها:
وإني لماضي المضربين وحامليجبان ولكن في (المجامع) سحبان
جردت حساماً في يد الدهر لو درىلساد به, لكنما الجهل حرمان
ولو أن إنساني يسر مودتيلما انطبقت من فوقه لي أجفان
وكتب ﵀ عن أحد الناس يستعطف أحد أهل الدنيا: أما بعد, أدام الله مدة الشيخ أبي فلان, وأبقاه عماداً وجنة ونصرة, وعاطفاً على من استجار به من ساعة العسرة. ولا زال منتصراً للمظلوم, دافعاً في صدر الظلوم, راعياً حق الأدب الذي أضاعه الزمان وأهمله, منتهضاً منه ما قعد به الدهر فأخمله, فإنما يرجى للعظيمة العظيم, ويدخر للشدائد من حقه التوقير والتعظيم, وإلى الله يلجأ اللهفان, وبسفينة نوح يستجير من كنفه الطوفان. وأنا بالله ثم بك من زمانٍ عطل أدبي, وأردت أن أقول به فأقعد بي. وكلما أشرت إلى أن أبرأ, نهب, وإن جنحت إلى أن أخمد, ألهب, وأنشد وقد جاء بالتعنيف وذهب:
الضب والنون قد يرجى اتفاقهماوليس يرجى التقاء اللب والذهب
فبقيت لا أدري هل انطباعي قصر من طباعي, أم براعتي أخملت يراعتي, أم فصاحتي عمرت, بالخمول ساحتي, أم سحر أدبي إلى الهوان أدى بي, أم إطنابي قصر أطنابي. كما لا شك أن إشعاري جعلت اتصال أشعاري, ورسائلي قطعت وسائلي, وشوارد أمثالي أبت أن يسود أمثالي. فهلا بناتي عناني, ولم تكن مذهباتي مذهباتي, وخطابي. أستغفر الله لا أشكو ولا أدع, رغم أنف الأشم وشموخ الأجداع. فأقسم بمآثرك التي خلدتها حجولاً للزمان وغرراً, ونسقتها في جيد الوجود درراً, ثميناً في غير إغلاق, لولا أن الله تعالى يقول: (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق), لوأدت بنات فكري بغير ذنب, ونفضت يدي من الأدب عن الصاحب بالجنب, وبرئت من الأدب وأربابه, وأتيت الزمان من بابه. ولكن بقي أعزك الله في الفضيلة فضلك, وهذا الهدف سيقرطسه إن شاء الله نصلك. وها أنا قد وقفت بين يدي علاك أخاصم دهري, وأباحثه لأية علةٍ فتق كمائم الخمول عن زهري, أم كان أراد أن لا يجمع بي الحسنيين, ولا يطابق في المنظر والمخبر بين
المغنين. فعلى (هذا) من يحسن في جميع الجهات ويجعل, من ذا الذي يعطى الكمال فيكمل. وإن كان إنما حط درجتي ظلماً وهضماً, وعبث بجاهي فشرط نظماً فكفى بك حكماً من أهله, يضرب على يديه جهله ونشله. يا أبا سليمان, اخبر الزمان, واحكم في قضاياه حكم سليمان, واقض بيني وبين زماني بالواجب الأحق, وإنما نحن خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق, ومثلك نهض بمن ألقى إليه يد الاستسلام, نهضة عمر بن الخطاب ﵁ لشهرة الإسلام. وإليكها تختال كما تفعل كل ذات ذيل, وتستجير بك من زمان ضل في اهتضامها ضلال هذيل ولا غرو أن تجيرها, فالفضيلة خامسة طبائعك, وإسعاف مؤملك عنوان صنائعك. وكم لها من أخية, تصغيرها على حد التكثير كما قالوا بريق ودويهية, والمشار بهما إلى الأمر. والله تعالى يخلد ذكر مجدك في بطون الأوراق, يتهاداه العراق من الشام والشام من العراق, والسلام كما اعتمره الزمان بالأشواق, وطير الثناء يروح ومجدك سخي بالعشي والإشراق, والسلام. وكتبه ﵀ كثير مشهور.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع