تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

أحمد بن علي الصفاري الخوارزمي أبو الفضل

: قال محمد بن أرسلان:

كان من فضلاء خوارزم وبلغائهم وكتابهم، وله أشعار مونقة لطيفة، ورسائل لبقة خفيفة، جمع رسائله أبو حفص عمر بن الحسن بن المظفر الأديبي وجعلها على خمسة عشر بابا، وذكر في أول جمعه: وبعد فإني رغبت في مطالعة رسائل، تكون إلى التخريج في البراعة وسائل، ثم تقلبت وتطلبت، فلم أر أعذب في السمع وأعلق بالطبع وأجرى في ميدان أهل الزمان من غرر أبي الفضل الصفاري، ثم ذكرت ما كان بينه وبين والدي ﵀ من المحبة المشتبكة اشتباك الرحم الجارية في عروقها مجرى الدم، والأخوة الصافية من الكدر الباقية على الغير، فاقترحت عليه أن يلقي إليّ ما حصل لديه من رقاعه الصادرة إليه، فأجابني إلى ملتمسي، فدونت ما ألقاه إليّ من إنشائه، وألحقت به ما وجدته عند غيره من أودّائه، وهذا أنموذج من كلامه: كتب عن أبي سعيد سهل بن أحمد السهلي إلى عميد الملك أبي نصر الكندري حين أنهض ولده إلى حضرته: كتابي- أطال الله بقاء الشيخ السيد- وأنا معترف برقّ ولائه، متصرف في شكر سوابق آلائه، حامد الله تعالى على تظاهر أسباب عزه وعلائه، ولم أزل منذ حرمت التشرف بخدمته أنطوي على مبايعته وأتلظى شوقا إلى التسعد بخدمة حضرته التي هي مجمع الوفود، ومطلع الجود، وعصرة المنجود، وأتمنى على الله تعالى حالا تدنيني من جنابه الرحب، ومشرعه العذب، ومتى تذكرت تلك الأيام التي كانت تسعفني بالتمكن من خدمته التي هي مادة الجمال وغاية الآمال انثنيت بحسرة مرّة، وانطويت على غصّة مستمرة، وكم كاتبت شريف حضرته- لا زالت محسودة مأنوسة- فلم أؤهل لجواب، ولم أشرف بخطاب، فأمسكت عن العادة في المعاودة جريا على طريقة الأصاغر، في مراعاة حشمة الأكابر، ولو جريت في مكاتبة حضرته

على حكم الاعتقاد، والنية الخالصة في الوداد، لأكثرت حتى أضجرت، وهو بحمد الله أحسن أخلاقا وأوفر في الكرم والمجد خلاقا، من أن يرى عن قدماء خدمه متجافيا، ولخواصّ أصاغره جافيا، ولو كان رحيلي ممكنا لاستعملت في الخدمة قدمي دون قلمي، وحين عجزت عن ذلك لما أنا مدفوع إليه من اختلال الحال وتضاعف الاعتلال، أنهضت ولدي أبا الحسين خادمه نائبا عني في إقامة رسم حضرته التي من فاز بها فقد فاز وسعد، وعلا نجمه وصعد، فلا زال مولانا منيع الأركان، رفيع القدر والمكان، سابغ القدرة والإمكان، محروس العزّ والسلطان، تدين المقادير لأحكامه، وتجري السعود تحت راياته وأعلامه، آمين إن شاء الله.

- أحمد بن علي بن المعمر بن محمد بن المعمر بن أحمد بن محمد بن محمد بن عبيد الله بن علي بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو عبد الله النقيب الطاهر، نقيب نقباء الطالبيين ابن النقيب الطاهر أبي الغنائم: أديب فاضل شاعر منشىء، له رسائل مدونة حسنة مرغوب فيها يتداولها الناس، في مجلدين، وكان من ذوي الهيئات والمنزلة الخطيرة التي لا يجحدها أحد، وكان فيه كيس ومحبة لأهل العلم، وبينه وبين محمد بن الحسن بن حمدون مكاتبات كتبناها في ترجمته، وكان وقورا عاقلا جدا، تولى النقابة بعد أبيه في سنة ثلاثين وخمسمائة، ولم يزل على ذلك إلى أن مات في سنة تسع وستين وخمسمائة تاسع عشر جمادى الآخرة، فيكون قد ولي النقابة تسعا وثلاثين سنة، وبداره بالحريم الطاهري كانت وفاته، وصلّى عليه جمع كثير، وتقدم في الصلاة عليه شيخ الشيوخ أبو القاسم

عبد الرحيم بن اسماعيل النيسابوري بوصية منه بذلك بعد مشاجرة جرت بينه وبين قثم بن طلحة نقيب الهاشميين، ودفن بداره المذكورة، ثم نقل بعد ذلك إلى المدائن فدفن بالجانب الغربي منها في مشهد أولاد الحسين بن علي ﵇. وكان قد سمع الحديث من أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي وأبي الحسن علي بن محمد بن العلاف وأبي الغنائم محمد بن علي الزينبي وغيرهم، وحدث عنهم. سمع منه أبو الفضل أحمد بن صالح بن شافع وأبو اسحاق إبراهيم بن محمود بن الشعار والشريف أبو الحسن علي بن أحمد اليزيدي وغيرهم. وله كتاب ذيله على «منثور المنظوم» لابن خلف النيرماني، وكتاب آخر مثله في انشائه. وكانت حرمته في الأيام المقتفوية وأمره لم ير أحد من النقباء مثلهما مقدرة وبسطة، ثم مرض مرضة شارف فيها التلف، فولي ولده الأسنّ النقابة موضعه، ثم أفاق من مرضه واستمرّ ولده على النقابة حتى عزل عنها، ومات ولده في سنة ثلاث وخمسين ولم تعد منزلته إلى ما كانت عليه في أيام المستنجد لأسباب جرت من العلويين.

- ب-

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.