تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

أحمد بن علي بن إبراهيم بن الزبير الغساني الأسواني المصري

يلقب

بالرشيد، وكنيته أبو الحسين: مات في سنة اثنتين وستين وخمسمائة مخنوقا- على ما نذكره. وكان كاتبا شاعرا فقيها نحويا لغويا ناشيا عروضيا مؤرخا منطقيا مهندسا عارفا بالطبّ والموسيقى والنجوم متفننا.

قال السلفي: أنشدني القاضي أبو الحسين أحمد بن علي بن إبراهيم الغساني الاسواني لنفسه بالثغر:

سمحنا لدنيانا بما بخلت بهعلينا ولم نحفل بجلّ أمورها
للشاعر القاضي الرشيد ابن الزبير الغساني، اقرأ القصيدة
فيا ليتنا لما حرمنا سرورهاوقينا أذى آفاتها وشرورها
للشاعر أبو الحسين الغساني الرشيد، من قصيدة «سمحنا لدنيانا بما بخلت به»

قال: وكان ابن الزبير هذا من أفراد الدهر فضلا في فنون كثيرة من العلوم، وهو من بيت كبير بالصعيد [من] الممولين، وولي النظر بثغر الاسكندرية والدواوين السلطانية بغير اختياره، وله تآليف ونظم ونثر التحق فيها بالأوائل المجيدين، قتل ظلما وعدوانا في محرم سنة اثنتين وستين وخمسمائة. وله تصانيف معروفة لغير أهل مصر منها: كتاب منية الالمعي ومنيّة المدعي تشتمل على علوم كثيرة. كتاب المقامات. كتاب جنان الجنان وروضة الذهان في أربع مجلدات، يشتمل على شعر شعراء مصر ومن طرأ عليهم. كتاب الهدايا والطرف. كتاب شفاء الغلة في سمت القبلة. كتاب رسائله نحو خمسين ورقة. كتاب ديوان شعره نحو مائة ورقة.

ومولده باسوان، وهي بلدة من صعيد مصر، وهاجر منها إلى مصر فأقام بها، واتصل بملوكها ومدح وزراءها وتقدّم عندهم، وأنفذ إلى اليمن في رسالة، ثم قلد قضاءها وأحكامها ولقب بقاضي قضاة اليمن وداعي دعاة الزمن. ولما استقرت بها داره سمت نفسه إلى رتبة الخلافة فسعى فيها، وأجابه قوم وسلّم عليه بها، وضربت له السكة، وكان نقش السكة على الوجه الواحد: قل هو الله أحد الله الصمد، وعلى الوجه الآخر الامام الأمجد أبو الحسين أحمد، ثم قبض عليه ونفذ مكبلا إلى قوص، فحكى من حضر دخوله إليها أنه رأى رجلا ينادي بين يديه: هذا عدو السلطان

أحمد بن الزبير وهو مغطّى الوجه حتى وصل إلى دار الامارة، والأمير بها يومئذ طرخان سليط، وكان بينهما ذحول قديمة، فقال: احبسوه في المطبخ الذي كان يتولّاه قديما، وكان ابن الزبير قد تولى المطبخ، وفي ذلك يقول الشريف الأخفش من أبيات يخاطب الصالح بن رزيك:

يولّي على الشيء أشكالهفيصبح هذا لهذا أخا
أقام على المطبخ ابن الزبيرفولّى على المطبخ المطبخا

فقال بعض الحاضرين لطرخان: ينبغي أن تحسن إلى الرجل فإن أخاه يعني المهذب حسن بن الزبير قريب من قلب الصالح، ولا أستبعد أن يستعطفه عليه فتقع في خجلة؛ قال: فلم يمض على ذلك غير ليلة أو ليلتين حتى ورد ساع من الصالح بن رزيك إلى طرخان بكتاب يأمره فيه باطلاقه والاحسان إليه، فأحضره طرخان من سجنه مكرما. قال الحاكي: فلقد رأيته وهو يزاحمه في رتبته ومجلسه.

وكان السبب في تقدمه في الدولة المصرية في أول أمره ما حدّثني به الشريف أبو عبد الله محمد بن أبي محمد عبد العزيز الادريسي الحسني الصعيدي قال، حدثني زهر الدولة حدثنا [ ...] أن احمد بن الزبير دخل إلى مصر بعد مقتل الظافر وجلوس الفائز وعليه أطمار رثة وطيلسان صوف، فحضر المأتم وقد حضر شعراء الدولة فأنشدوا مراثيهم على مراتبهم، فقام في آخرهم وأنشد قصيدته التي أولها:

ما للرياض تميل سكراهل سقّيت بالمزن خمرا

إلى أن وصل إلى قوله:

أفكر بلاء بالعراق وكربلاء بمصر أخرى

فذرفت العيون، وعج القصر بالبكاء والعويل، وانثالت عليه العطايا من كلّ جانب، وعاد إلى منزله بمال وافر حصل له من الأمراء والخدم وحظايا القصر، وحمل إليه من قبل الوزير جملة من المال، وقيل له لولا أنه العزاء والمأتم لجاءتك الخلع.

قال: وكان على جلالته وفضله ومنزلته من العلم والنسب قبيح المنظر أسود الجلدة جهم الوجه سمج الخلقة ذا شفة غليظة وأنف مبسوط كخلقة الزنوج قصيرا؛ حدثني الشريف المذكور عن أبيه قال: كنت أنا والرشيد بن الزبير والفقيه سليمان الديلمي نجتمع في القاهرة في منزل واحد، فغاب عنا الرشيد يوما وطال انتظارنا له، وكان ذلك في عنفوان شبابه وإبّان صباه وهبوب صباه، فجاءنا وقد مضى معظم النهار، فقلنا له: ما أبطأ بك عنا؟ فتبسم وقال: لا تسألوا عما جرى عليّ اليوم، فقلنا: لا بدّ من ذلك، فتمنع وألححنا عليه فقال: مررت اليوم بالموضع الفلاني وإذا امرأة شابة صبيحة الوجه وضيئة المنظر حسّانة الخلق ظريفة الشمائل، فلما رأتني نظرت إليّ نظر مطمع لي في نفسها، فتوهمت أنني وقعت منها بموقع ونسيت نفسي، وأشارت إليّ بطرفها فتبعتها وهي تدخل بي سكة وتخرج من أخرى حتى دخلت دارا، وأشارت إليّ فدخلت ورفعت النقاب عن وجه كالقمر في ليلة تمامه، ثم صفقت بيديها منادية يا ستّ الدار، فنزلت إليها طفلة كأنها فلقة قمر، فقالت لها: إن رجعت تبولين في الفراش تركت سيدنا القاضي يأكلك، ثم التفتت [إليّ] وقالت: لا أعدمني الله إحسانه بفضل سيدنا القاضي أدام الله عزه، فخرجت وأنا خزيان خجل لا أهتدي الطريق.

وحدثني قال: اجتمع ليلة عند الصالح بن رزيك هو وجماعة من الفضلاء فألقى عليهم مسألة في اللغة، فلم يجب عنها بالصواب سواه، فأعجب الصالح، فقال الرشيد ما سئلت قطّ عن مسألة إلا وجدتني أتوقّد فهما، فقال ابن قادوس وكان حاضرا:

إن قلت من نار خلقت وفقت كلّ الناس فهما
قلنا صدقت فما الذيأطفاك حتى صرت فحما

وأما سبب مقتله فلميله إلى أسد الدين شيركوه عند دخوله إلى البلاد ومكاتبته له، واتصل ذلك بشاور وزير العاضد فطلبه، فاختفى بالاسكندرية، واتفق التجاء الملك صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى الاسنكدرية ومحاصرته لها، فخرج ابن الزبير راكبا متقلدا سيفا وقاتل بين يديه، ولم يزل معه مدة مقامه بالاسكندرية إلى أن خرج منها، فتزايد وجد شاور عليه، واشتد طلبه له، واتفق أن ظفر به على صفة لم تتحقق

لنا فأمر باشهاره على جمل وعلى رأسه طرطور ووراءه جلواز ينال منه.

واخبرني الشريف الادريسي عن أبي الفضل بن أبي الفضل أنه رآه على تلك الحال الشنيعة وهو ينشد:

ان كان عندك يا زمان بقيةمما تهين به الكرام فهاتها
للشاعر القاضي الرشيد ابن الزبير الغساني، اقرأ القصيدة

ثم جعل يهمهم شفتيه بالقرآن، وأمر به بعد إشهاره بمصر والقاهرة ان يصلب شنقا، فلما وصل به إلى الشنّاقة جعل يقول للمتولّي ذلك منه: عجّل عجّل، فلا رغبة لكريم في الحياة بعد هذه الحال، ثم صلب.

حدثني الشريف المذكور قال: حدثني الثقة حجاج بن المسبح الاسواني أن ابن الزبير دفن في موضع صلبه، فما مضت الأيام والليالي حتى قتل شاور وسحب، فاتفق أن حفر له ليدفن فوجد الرشيد بن الزبير في الحفرة مدفونا فدفنا معا في موضع واحد، ثم نقل كلّ واحد منهما بعد ذلك إلى تربة له بقرافة مصر والقاهرة.

ومن شعر الرشيد قوله يجيب أخاه المهذب عن قصيدته التي أولها:

يا ربع أين ترى الأحبة يمموارحلوا فلا خلت المنازل منهم
للشاعر أبو الحسين الغساني الرشيد، من قصيدة «يا ربع أين ترى الأحبة يمموا»
ونأوا فلا سلت الجوانح عنهموسروا وقد كتموا العداة مسيرهم
وضياء نور الشمس ما لا يكتموتبدلوا أرض العقيق عن الحمى
روّت جفوني أيّ أرض يمموانزلوا العذيب وإنما في مهجتي
نزلوا وفي قلب المتيم خيّمواما ضرّهم لو ودعوا من أودعوا
نار الغرام وسلّموا من أسلمواهم في الحشا إن أعرقوا أو أشأموا
أو أيمنوا أو أنجدوا أو اتهمواوهم مجال الفكر من قلبي وإن
بعد المزار فصفو عيشي معهمأحبابنا ما كان أعظم هجركم
عندي ولكنّ التفرق أعظمغبتم فلا والله ما طرق الكرى
جفني ولكن سحّ بعدكم الدموزعمتم أني صبور بعدكم

هيهات لا لقّيتم ما قلتم

وإذا سئلت بمن أهيم صبابةقلت الذين هم الذين هم هم
للشاعر القاضي الرشيد ابن الزبير الغساني، اقرأ القصيدة
النازلين بمهجتي وبمقلتيوسط السويدا والسواد الأكرم
للشاعر القاضي الرشيد ابن الزبير الغساني، اقرأ القصيدة
لا ذنب لي في البعد أعرفه سوىأني حفظت العهد لما خنتم
للشاعر القاضي الرشيد ابن الزبير الغساني، اقرأ القصيدة
فأقمت حين ظعنتم وعدلتلما جرتم وسهدت لما نمتم
للشاعر القاضي الرشيد ابن الزبير الغساني، اقرأ القصيدة
يا محرقا قلبي بنار صدودهمرفقا ففيه نار شوق تضرم
أسعرتم فيه لهيب صبابةلا تنطفي إلّا بقرب منكم
للشاعر القاضي الرشيد ابن الزبير الغساني، اقرأ القصيدة
يا ساكني أرض العذيب سقيتمدمعي إذا ضنّ الغمام المرزم
للشاعر القاضي الرشيد ابن الزبير الغساني، اقرأ القصيدة
بعدت منازلكم وشطّ مزاركموعهودكم محفوظة مذ غبتم
للشاعر القاضي الرشيد ابن الزبير الغساني، اقرأ القصيدة
لا لوم للأحباب فيما قد جنواحكّمتهم في مهجتي فتحكموا
للشاعر القاضي الرشيد ابن الزبير الغساني، اقرأ القصيدة
أحباب قلبي أعمروه بذكركمفلطالما حفظ الوداد المسلم
للشاعر القاضي الرشيد ابن الزبير الغساني، اقرأ القصيدة
واستخبروا ريح الصّبا تخبركمعن بعض ما يلقى الفؤاد المغرم
للشاعر القاضي الرشيد ابن الزبير الغساني، اقرأ القصيدة
كم تظلمونا قادرين وما لناجرم ولا سبب بمن يتظلم
للشاعر القاضي الرشيد ابن الزبير الغساني، اقرأ القصيدة
ورحلتم وبعدتم وظلمتمونأيتم وقطعتم وهجرتم
للشاعر القاضي الرشيد ابن الزبير الغساني، اقرأ القصيدة
هيهات لا أسلوكم أبدا وهليسلو عن البيت الحرام المحرم
للشاعر القاضي الرشيد ابن الزبير الغساني، اقرأ القصيدة
وأنا الذي واصلت حين قطعتموحفظت أسباب الهوى إذ خنتم
للشاعر القاضي الرشيد ابن الزبير الغساني، اقرأ القصيدة
جار الزمان عليّ لما جرتمظلما ومال الدهر لما ملتم
للشاعر القاضي الرشيد ابن الزبير الغساني، اقرأ القصيدة
وغدوت بعد فراقكم وكأننيهدف تمرّ بجانبيه الأسهم
للشاعر القاضي الرشيد ابن الزبير الغساني، اقرأ القصيدة
ونزلت مقهور الفؤاد ببلدةقلّ الصديق بها وقلّ الدرهم
للشاعر القاضي الرشيد ابن الزبير الغساني، اقرأ القصيدة
في معشر خلقوا شخوص بهائميصدا بها فكر اللبيب ويبهم
للشاعر القاضي الرشيد ابن الزبير الغساني، اقرأ القصيدة
إن كورموا لم يكرموا أو علّموالم يعلموا أو خوطبوا لم يفهموا
للشاعر القاضي الرشيد ابن الزبير الغساني، اقرأ القصيدة
لا تنفق الآداب عندهم ولا الإحسان يعرف في كثير منهم
للشاعر القاضي الرشيد ابن الزبير الغساني، اقرأ القصيدة
صمّ عن المعروف حتى يسمعواهجر الكلام فيقدموا ويقدّموا
للشاعر القاضي الرشيد ابن الزبير الغساني، اقرأ القصيدة
فالله يغني عنهم ويزيد فيزهدي لهم ويفكّ أسري منهم
للشاعر القاضي الرشيد ابن الزبير الغساني، اقرأ القصيدة

-

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.