من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
أحمد بن فارس بن زكريا اللغوي
، وقال ابن الجوزي: أحمد بن زكريا بن
فارس، ولا يعاج به. مات سنة تسع وستين وثلاثمائة، وقال قبل وفاته بيومين:
يا ربّ إن ذنوبي قد أحطت بهاعلما وبي وباعلاني وإسراري
أنا الموحّد لكنّي المقرّ بهافهب ذنوبي لتوحيدي وإقراري
ووجد بخط الحميدي أن ابن فارس مات في حدود سنة ستين وثلاثمائة، وكل منهما لا اعتبار به، لأني وجدت خطّ كفه على «كتاب تتمة الفصيح» من تصنيفه، وقد كتبه في سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة.
وذكره الحافظ السلفي في «شرح مقدمة معالم السنن» للخطابي فقال: أصله من قزوين. وقال غيره: أخذ أحمد بن فارس عن أبي بكر أحمد بن الحسن الخطيب راوية ثعلب وأبي الحسن علي بن إبراهيم القطان وأبي عبد الله أحمد بن طاهر المنجم وعلي بن عبد العزيز المكي صاحب أبي عبيد وأبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني. وكان ابن فارس يقول: ما رأيت مثل أبي عبد الله أحمد بن طاهر ولا رأى هو مثل نفسه.
وكان ابن فارس قد حمل إلى الريّ بأخرة ليقرأ عليه مجد الدولة أبو طالب ابن فخر الدولة علي بن ركن الدولة الحسن بن بويه الديلمي صاحب الري، فأقام بها قاطنا، وكان الصاحب بن عباد يكرمه ويتتلمذ له ويقول: «شيخنا أبو الحسين ممن رزق حسن التصنيف وأمن فيه من التصحيف». وكان كريما جوادا لا يبقي شيئا، وربما سئل فوهب ثياب جسمه وفرش بيته. وكان فقيها شافعيا فصار مالكيا وقال:
دخلتني الحمية لهذا البلد- يعني الريّ- كيف لا يكون فيه رجل على مذهب هذا الرجل المقبول القول على جميع الألسنة.
وله من التصانيف: كتاب المجمل. وكتاب متخير الألفاظ. كتاب فقه اللغة.
كتاب غريب إعراب القرآن. كتاب تفسير أسماء النبي ﵇. كتاب مقدمة [نحو]. كتاب دارات العرب. كتاب حلية الفقهاء. كتاب الفرق. كتاب مقدمة
الفرائض. كتاب ذخائر الكلمات. كتاب شرح رسالة الزهري إلى عبد الملك بن مروان. كتاب الحجر. كتاب سيرة النبي ﷺ، كتاب صغير الحجم. كتاب الليل والنهار. كتاب العمّ والخال. كتاب أصول الفقه. كتاب أخلاق النبي ﷺ. كتاب الصاحبي صنفه لخزانة الصاحب. كتاب جامع التأويل في تفسير القرآن، أربع مجلدات. كتاب الشيات والحلى. كتاب خلق الإنسان. كتاب الحماسة المحدثة.
كتاب مقاييس اللغة، وهو كتاب جليل لم يصنف مثله. كتاب كفاية المتعلمين في اختلاف النحويين.
وحدث ابن فارس، سمعت أبي يقول: حججت فلقيت بمكة ناسا من هذيل فجاريتهم ذكر شعرائهم فما عرفوا أحدا منهم، ولكني رأيت أمثل الجماعة رجلا فصيحا وأنشدني.
إذا لم تحظ في أرض فدعهاوحثّ اليعملات على وجاها
ولا يغررك حظّ أخيك فيهاإذا صفرت يمينك من جداها
ونفسك فز بها إن خفت ضيماوخلّ الدار تحزن من بناها
فإنك واجد أرضا بأرضولست بواجد نفسا سواها
ومن شعر ابن فارس:
وقالوا كيف أنت فقلت خيرتقضّى حاجة وتفوت حاج
إذا ازدحمت هموم القلب قلناعسى يوما يكون لها انفراج
نديمي هرتي وسرور قلبيدفاتر لي ومعشوقي السراج
ومن شعره في همذان:
سقى همذان الغيث لست بقائلسوى ذا وفي الأحشاء نار تضرّم
وما لي لا أصفي الدعاء لبلدةأفدت بها نسيان ما كنت أعلم
نسيت الذي أحسنته غير أننيمدين وما في جوف بيتي درهم
وله أيضا:
إذا كنت في حاجة مرسلاوأنت بها كلف مغرم
فأرسل حكيما ولا توصهوذاك الحكيم هو الدرهم
وله أيضا:
مرّت بنا هيفاء مقدودةتركيّة تنمى لتركيّ
ترنو بطرف فاتن فاتركأنها حجّة نحوي
قال الثعالبي: حدثني ابن عبد الوارث النحوي قال: كان الصاحب منحرفا عن أبي الحسين ابن فارس لانتسابه إلى خدمة آل العميد وتعصبه لهم، فأنفذ إليه من همذان «كتاب الحجر» من تأليفه، فقال الصاحب: «ردّ الحجر من حيث جاءك». ثم لم تطب نفسه بتركه فنظر فيه وأمر له بصلة.
ولابن فارس في «اليتيمة»:
يا ليت لي ألف دينار موجهةوأن حظّي منها فلس فلّاس
قالوا فما لك منها قلت تخدمنيلها ومن أجلها الحمقى من الناس
وله أيضا:
اسمع مقالة ناصحجمع النصيحة والمقه
إياك واحذر أن تبيت من الثقات على ثقه
وله أيضا:
وصاحب لي أتاني يستشير وقدأراد في جنبات الأرض مضطربا
قلت اطّلب أيّ شيء شئت واسع وردمنه الموارد إلا العلم والأدبا
وله أيضا:
إذا كان يؤذيك حرّ المصيفوكرب الخريف وبرد الشتا
ويلهيك حسن زمان الربيعفأخذك للعلم قل لي متى
وله أيضا:
عتبت عليه حين ساء صنيعهوآليت لا أمسيت طوع يديه
فلما خبرت الناس خبر مجرّبولم أر خيرا منه عدت إليه
وله أيضا:
تلبّس لباس الرضا بالقضاوخلّ الأمور لمن يملك
تقدّر أنت وجاري القضاءمما تقدّره يضحك
قال يحيى بن منده الاصبهاني: سمعت عمي عبد الرحمن بن محمد بن العبدي يقول، سمعت أبا الحسين أحمد بن زكريا بن فارس النحوي يقول: دخلت بغداد طالبا للحديث، فحضرت مجلس بعض أصحاب الحديث وليست معي قارورة، فرأيت شابا عليه سمة جمال، فاستأذنته في كتب الحديث من قارورته فقال: من انبسط إلى الإخوان بالاستئذان فقد استحقّ الحرمان.
قال عبد الرحمن بن منده: وسمعت ابن فارس يقول: سمعت أبا أحمد بن
أبي التيار يقول: أبو أحمد العسكري يكذب على الصولي، مثلما كان الصولي يكذب على الغلابي، مثلما كان الغلابي يكذب على سائر الناس.
قرأت بخط الشيخ أبي الحسن علي بن عبد الرحيم السلمي، وجدت بخطّ ابن فارس على وجه المجمل، والأبيات له، ثم قرأتها على سعد الخير الانصاري، وأخبرني أنه سمعها من ابن شيخه أبي زكريا عن سليمان بن أيوب عن ابن فارس:
يا دار سعدى بذات الضال من إضمسقاك صوب حيا من واكف العين
العين: سحاب ينشأ من قبل القبلة.
إني لأذكر أياما بها ولنافي كلّ إصباح يوم قرة العين
العين هاهنا: عين الانسان وغيره.
تدني معشّقة منا معتقةتشجّها عذبة من نابع العين
العين هاهنا: ما ينبع منه الماء.
إذا تمززها شيخ به طرقسرت بقوتها في الساق والعين
العين هاهنا: عين الركبة، والطرق: ضعف الركبتين.
والزقّ ملآن من ماء السرور فلانخشى تولّه ما فيه من العين
العين هاهنا: ثقب يكون في المزادة، وتوله الماء أن يتسرب.
وغاب عذّالنا عنّا فلا كدرفي عيشنا من رقيب السوء والعين
العين هاهنا: الرقيب.
يقسم الودّ فيما بيننا قسماميزان صدق بلا بخس ولا عين
العين هاهنا: العين في الميزان.
وفائض المال يغنينا بحاضرهفنكتفي من ثقيل الدين بالعين
العين هاهنا: المال الناضّ.
والمجمل المجتبى تغني فوائدهحفّاظه عن كتاب الجيم والعين
قال: وبخطه أيضا، سمعت أبي يقول: حججت فلقيت بمكة ناسا من هذيل فجاريتهم ذكر شعرائهم.
وجدت على نسخة قديمة بكتاب «المجمل» من تصنيف ابن فارس ما صورته:
تأليف الشيخ أبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا الزهراوي الأستاذ خرذي، واختلفوا في وطنه فقيل كان من رستاق الزهراء من القرية المعروفة كرسف وجيانا باذ، وقد حضرت القريتين مرارا، ولا خلاف أنه قرويّ. حدثني والدي محمد بن أحمد، وكان من جملة حاضري مجالسه قال: أتاه آت فسأله عن وطنه فقال: كرسف، قال فتمثل الشيخ:
بلاد بها شدّت عليّ تمائميوأول أرض مسّ جلدي ترابها
وكتبه مجمع بن محمد بن أحمد بخطه في شهر ربيع الأول سنة ست وأربعين وأربعمائة. وكان في آخر هذا الكتاب ما صورته أيضا: قضى الشيخ أبو الحسين أحمد بن فارس ﵀ في صفر سنة خمس وتسعين وثلاثمائة بالريّ، ودفن بها مقابل مشهد قاضي القضاة أبي الحسن علي بن عبد العزيز يعني الجرجاني.
أنشد أبو الريحان البيروني في «كتاب الآثار الباقية عن القرون الخالية لأحمد بن فارس:
قد قال فيما مضى حكيمما المرء إلا بأصغريه
فقلت قول امرىء لبيبما المرء إلا بدرهميه
من لم يكن معه درهماهلم تلتفت عرسه إليه
وكان من ذلّه حقيراتبول سنّورة عليه
وحدث هلال بن المظفر الريحاني قال: قدم عبد الصمد بن بابك الشاعر إلى
الري في أيام الصاحب، فتوقع أبو الحسين أحمد بن فارس أن يزوره ابن بابك ويقضي حقّ علمه وفضله، وتوقع ابن بابك أن يزوره ابن فارس ويقضي حقّ مقدمه، فلم يفعل أحدهما ما ظنّ صاحبه، فكتب ابن فارس إلى أبي القاسم ابن حسول:
تعديت في وصلي فعدّي عتابكوأدني بديلا من نواكم إيابك
تيقنت أن لم أحظ والشمل جامعبأيسر مطلوب فهلا كتابك
ذهبت بقلب عيل بعدك صبرهغداة أرتنا المرقلات ذهابك
وما استمطرت عيني سحابة ريبةلديك ولا ثنّت يميني سخابك
ولا نقبت والصبّ يصبو لمثلهاعن الوجنات الغانيات نقابك
ولا قلت يوما عن قلى وسآمةلنفسك «سلّي عن ثيابي ثيابك»
وأنت التي شيّبت قبل أوانهشبابي سقى الغرّ الغوادي شبابك
تجنّيت ما أوفى وعاتبت ما كفىألم يأن سعدى أن تكفّي عتابك
وقد نبحتني من كلابك عصبةفهلّا وقد حالوا زجرت كلابك
تجافيت من مستحسن البرّ جملةوجرت على بختي جفاء ابن بابك
فلما وقف أبو القاسم الحسولي على الأبيات أرسلها إلى ابن بابك، وكان مريضا، فكتب جوابها بديها: وصلت الرقعة أطال الله بقاء الأستاذ وفهمتها، وأنا أشكو اليه الشيخ أبا الحسين فإنه صيرني فصلا لا وصلا، وزجا لا نصلا، ووضعني موضع الخلال من الموائد، وتمّت من أواخر القصائد، وسحب اسمي منها مسحب الذيل، وأوقعه موقع الذنب المحذوف من الخيل، وجعل مكاني مكان القفل من الباب، وفذلك من الحساب، وقد أجبت عن أبياته بأبيات أعلم ان فيها ضعفا لعلتين، علتي وعلتها، وهي:
أيا أثلات الشّعب من مرج يابسسلام على آثاركنّ الدوارس
لقد شاقني والليل في شملة الحيااليكنّ توليع النسيم المخالس
ولمحة برق مستميت كأنهتردّد لحظ بين أجفان ناعس
فبتّ كأني صعدة يمنيّةتزعزع في نقع من الليل دامس
ألا حبّذا صبح اذا ابيضّ أفقهتصدّع عن قرن من الشمس وارس
ركبت من الخلصاء تركب سيلهاورود المطيّ الحائمات الكوانس
فيا طارق الزوراء قل لغيومها استهلّي على متن من الكرخ آنس
وقل لرياض القفص تهدي نسيمهافلست على بعد المزار بآيس
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلةلقى بين أقراط المها والمحابس
وهل أرينّ الريّ دهليز بابلوبابل دهليز إلى أرض فارس
ويصبح ردم السدّ قفلا عليهماكما صرت قفلا في قوافي ابن فارس
فعرض أبو القاسم الحسولي المقطوعين على الصاحب وعرفه الحال فقال:
البادي أظلم والقادم يزار، وحسن العهد من الإيمان.
-
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع