من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
أبو بكر ابن عياش بن سالم الكوفي الحنّاط
مولى واصل بن حيان الأسدي الأحدب: واختلف في اسمه فقيل: اسمه كنيته، وقيل شعبة، وقيل عبد الله، وقيل محمد، وقيل مطرف، وقيل سالم، وقيل عنترة، وقيل أحمد، وقيل عتيق، وقيل رؤبة، وقيل حماد، وقيل حسين، وقيل قاسم، وقيل لا يعرف له اسم، وأظهر ذلك شعبة ومطرف. قال الهيثم بن عدي: اسم أبي بكر مطرف بن النهشلي، ومات ابن عياش في سنة ثلاث وتسعين ومائة في السنة التي مات فيها الرشيد بن المهدي قبله
بشهر، وفيها مات غندر وعبد الله بن إدريس. وروي أن ابن عياش مات في سنة اثنتين وتسعين والأول أظهر، ومولده سنة سبع وتسعين في أيام سليمان بن عبد الملك، وروي سنة أربع وتسعين وروي سنة خمس وتسعين وكان ابن عياش يقول:
أنا نصف الإسلام.
وقال الحسين بن فهم، وقد ذكر جماعة لا تعرف أسماؤهم: منهم أبو بكر بن أبي مريم وأبو بكر بن أبي سبرة وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وأبو بكر بن عبد الرحمن وأبو بكر بن عياش وأبو بكر بن أبي العرامس.
وقال أبو الحسن الأهوازي المقرىء في كتابه: وإنما وقع هذا الاختلاف في اسم أبي بكر لأنه كان رجلا هيوبا، فكانوا يهابونه أن يسألوه، فروى كلّ واحد على ما وقع له.
قلت: وقد روى المرزباني في كتابه أن جماعة من أهل العلم سألوه عن اسمه واختلفت أقوالهم على ما تقدم، ولولا كراهة الإطالة لذكرته.
وكان ابن عياش معظما عند العلماء، وقد لقي الفرزدق وذا الرمة وروى عنهما شيئا من شعرهما.
حدث المرزباني، حدثنا أحمد بن عيسى عن أحمد بن أبي خيثمة، حدثنا محمد بن يزيد قال: سمعت أبا بكر ابن عياش يقول: كان أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ في القرآن، قال الله ﷿: للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم
إلى قوله: أولئك هم الصادقون
(الحشر:) فهؤلاء سموه خليفة رسول الله وهؤلاء لا يكذبون.
وحدث المرزباني بإسناده إلى زكرياء بن يحيى الطائي قال: سمعت أبا بكر ابن عياش يقول: إني أريد أتكلم اليوم بكلام لا يخالفني فيه أحد إلا هجرته ثلاثا، قالوا: قل يا أبا بكر، قال: ما ولد لآدم ﵇ مولود بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر الصدّيق، قالوا: صدقت يا أبا بكر، ولا يوشع بن نون وصيّ موسى ﵇. قال: ولا يوشع بن نون إلا أن يكون نبيا. ثم فسره فقال: قال
الله تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس
(آل عمران:) وقال رسول الله ﷺ:
«خير هذه الأمة أبو بكر».
قال زكرياء بن يحيى وسمعت ابن عياش يقول: لو أتاني أبو بكر وعمر وعلي ﵃ في حاجة لبدأت بحاجة عليّ قبل حاجة أبي بكر وعمر لقرابته برسول الله، ولأن أخرّ من السماء إلى الأرض أحبّ إليّ من أن أقدّمه عليهما. وكان يقدم عليا على عثمان ولا يغلو ولا يقول إلا خيرا.
وحدث المرزباني بإسناده عن أبي بكر ابن عياش عن ذر عن عبد الله قال: إن الله ﷿ نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلبه فوجد قلوب أصحابه خير القلوب بعد قلبه، فجعلهم وزراء نبيه ﷺ يقاتلون عن دينه، فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئا فهو عند الله سيّء؛ قال أبو بكر ابن عياش: وأنا أقول: إنهم رأوا أن يولوا أبا بكر بعد النبي ﷺ.
وحدث المرزباني، حدثنا محمد بن مخلد العطار، حدثنا أبو عمر العطاردي قال: بعث أبو بكر ابن عياش إلى أبي يوسف الأعشى، فمضيت مع أبي يوسف ومع عبد الوهاب بن عمر والعباس بن عمير، فدخلنا إليه وهو في علية له، فقال لأبي يوسف: قد قرأت عليّ القرآن مرتين، وقد نقلت عني القرآن، فاقرأ عليّ آخر الأنفال، واقرأ عليّ من رأس المائة من براءة، واقرأ عليّ كذا واقرأ كذا، فقال له أبو يوسف: يا أبا بكر هذا القرآن والحديث والفقه وأكثر الأشياء قد أفدتها بعد ما كبرت أو لم تزل فيه مذ كنت؟ ففكر هنيهة ثم قال: بلغت وأنا ابن ست عشرة سنة، فكنت فيما يكون فيه الشبان مما يعرف وينكر سنتين، ثم وعظت نفسي وزجرتها، وأقبلت على الخير وقراءة القرآن، فكنت أختلف إلى عاصم في كلّ يوم، وربما مطرنا ليلا فأنزع سراويلي وأخوض الماء إلى حقويّ، فقال له أبو يوسف: ومن أين هذا الماء كله؟ قال: كنا إذا مطرنا جاء ماء الحيرة إلينا حتى يدخل الكوفة. وكنت إذا قرأت على عاصم أتيت الكلبيّ فسألته عن تفسيره. وأخبرني أبو بكر أن عاصما أخبره أنه كان يأتي زرّ بن حبيش فيقرئه خمس آيات لا يزيد عليها شيئا، ثم يأتي أبا عبد الرحمن السلمي فيعرضها عليه، فكانت توافق قراءة زرّ قراءة أبي عبد الرحمن، وكان أبو
عبد الرحمن قرأ على عليّ ﵇، وكان زرّ بن حبيش الشكرمي العطاردي قرأ على عبد الله بن مسعود القرآن كلّه في كلّ يوم آية واحدة لا يزيده عليها شيئا، فإذا كانت آية قصيرة استقلها زرّ من عبد الله، فيقول عبد الله: خذها، فو الذي نفسي بيده لهي خير من الدنيا وما فيها؛ ثم يقول أبو بكر: وصدق والله، ونحن نقول كما قال أبو بكر ابن عياش إذا حدثنا عن عاصم عن زر عن عبد الله، قال: هذا- والله الذي لا إله إلا هو- حقّ كما أنكم عندي جلوس، والله ما كذبت، والله ما كذب عاصم بن أبي النجود، والله ما كذب زر، والله ما كذب عبد الله بن مسعود، وإن هذا لحقّ كما أنكم عندي جلوس.
وحدث عمن أسنده إلى أحمد بن عبد الله بن يونس قال: ذكر النبيذ عند العباس بن موسى فقال: إن ابن إدريس يحرمها، فقال أبو بكر ابن عياش: إن كان النبيذ حراما فالناس كلّهم أهل ردّة.
وحدث المرزباني قال: قال عبد الله بن عياش: كنت أنا وسفيان الثوري وشريك نتماشى بين الحيرة والكوفة، فرأينا شيخا أبيض الرأس واللحية حسن السمت والهيئة، فظننا أنّ عنده شيئا من الحديث وأنه قد أدرك الناس، وكان سفيان أطلبنا للحديث وأشدّنا بحثا عنه، فتقدم إليه وقال: يا هذا عندك شيء من الحديث؟ فقال:
أما حديث فلا، ولكن عندي عتيق سنتين، فنظرنا فإذا هو خمّار.
وحدث أبو بكر ابن عياش [قال]: رأيت الفرزدق بالكوفة ينعى عمر بن عبد العزيز ﵁، فقال:
كم من شريعة عدل قد سننت لهمكانت أميتت وأخرى منك تنتظر
يا لهف نفسي ولهف اللاهفين معيعلى العدول التي تغتالها الحفر
وحدث بإسناده عن ابن كناسة قال، حدثني أبو بكر ابن عياش قال: كنت إذ أنا شابّ إذا أصابتني مصيبة تصبّرت ورددت البكاء، فكان ذلك يوجعني ويزيدني ألما، حتى رأيت بالكناسة أعرابيا واقفا وقد اجتمع الناس حوله (فأنشد):
خليليّ عوجا من صدور الرواحلبجمهور حزوى وابكيا في المنازل
لعلّ انحدار الدمع يعقب راحةمن الوجد أو يشفي نجيّ البلابل
فسألت عنه فقيل: ذو الرمة، قال: فأصابتني بعد ذلك مصائب فكنت أبكي فأجد راحة، فقلت في نفسي: قاتل الله الأعرابي ما كان أبصره وأعلمه.
وحدث المرزباني عن الحسن النحوي عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال:
سمعت عمّي القاسم بن محمد يقول: حدثني يحيى بن آدم قال: لما قدم هارون الرشيد الكوفة نزل الحيرة ثم بعث الى أبي بكر ابن عياش، فحملناه إليه، وكنت أنا أقتاده بعد ذهاب بصره، فلما انتهينا إلى باب الخليفة ذهب الحجّاب يأخذون أبا بكر مني، فأمسك أبو بكر بيدي وقال: هذا قائدي لا يفارقني، فقالوا: ادخل أنت وقائدك يا أبا بكر، قال يحيى: فدخلت به وإذا هارون جالسا وحده، فلما دنا منه أنذرته فسلّم عليه بالخلافة، فأحسن هارون الردّ، فأجلسته حيث أمرت، ثم خرجت فقعدت في مكان أراهما وأسمع كلامهما، قال: فجعلت أنظر إلى هارون يتلمح أبا بكر، قال:
وكان أبو بكر رجلا قد كبر وضعفت رقبته، فإنما ذقنه على صدره، فسكت هارون عنه ساعة ثم قال له: يا أبا بكر، فقال: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: إني سائلك عن أمر، فأسألك بالله لما صدقتني عنه، قال: إن كان علمه عندي، قال: إنك قد أدركت أمر بني أمية وأمرنا، فأسألك بالله أيهما كان أقرب إلى الحقّ؟ قال يحيى:
فقلت في نفسي اللهم وفّقه وثبّته، قال: فأطال أبو بكر في الجواب ثم قال له: يا أمير المؤمنين أمّا بنو أمية فكانوا أنفع للناس منكم وأنتم أقوم بالصلاة منهم. قال: فجعل هارون يشير بيده ويقول: إن في الصلاة، إن في الصلاة؛ قال: ثم خرج فتبعه الفضل بن الربيع فقال: يا أبا بكرّ إن أمير المؤمنين قد أمر لك بثلاثين ألفا، فقال أبو بكر: فما لقائدي؟ فضحك الفضل وقال: لقائدك خمسة آلاف، قال يحيى:
فأخذت الخمسة آلاف قبل أن يأخذ أبو بكر الثلاثين.
وحدث بإسناد رفعه إلى أبي بكر ابن عياش قال: دخلت على هارون أمير المؤمنين فسلّمت وجلست، فدخل فتى من أحسن الناس وجها فسلّم وجلس، فقال لي هارون: يا أبا بكر أتعرف هذا؟ قلت: لا، قال: هذا ابني محمد، ادع الله له، فقلت: يا أمير المؤمنين جعله الله أهلا لما جعلته له أهلا، فسكت ثم قال: يا أبا بكر
ألا تحدثني؟ فقلت: يا أمير المؤمنين حدثنا هشام بن حسان عن الحسن قال، قال رسول الله ﷺ: «إن الله فاتح عليكم مشارق الأرض ومغاربها، وإن عمّال ذلك الزمان في النار، إلا من اتّقى الله وأدّى الأمانة»، فانتفض وتغيّر وقال: يا مسرور اكتب؛ ثم سكت ساعة وقال: يا أبا بكر ألا تحدثني؟ فقلت: يا أمير المؤمنين حدثنا هشام بن حسان عن الحسن قال: «أتدري ما قال عمر بن الخطاب للهرمزان» قال: وما قال له؟ قلت: قال له ما منعك من حبّ المال وأنت كافر القلب طويل الأمل؟ قال: لأني قد علمت أن الذي لي سوف يأتيني، والذي أخلّفه بعدي يكون وباله عليّ؛ ثم قال: يا مسرور اكتب ويحك. قال: ألك حاجة يا أبا بكر؟ قلت: تردّني كما جئت بي، قال: ليست هذه حاجة، سل غيرها، قلت: يا أمير المؤمنين لي بنات أخت ضعاف، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لهنّ بشيء، قال: قدّر لهن، قلت: يقول غيري قال: لا يقول غيرك، قلت: عشرة آلاف، قال: لهن عشرة آلاف وعشرة آلاف وعشرة آلاف وعشرة آلاف وعشرة آلاف، يا فضل اكتب بها إلى الكوفة وألا تحبس عليه، ثم قال: انصرف ولا تنسنا من دعائك.
وحدث بإسناده عن العباس بن بنان قال: كنا عند أبي بكر ابن عياش يقرأ علينا كتاب مغيرة فغمض عينيه، فحرّكه جمهور وقال له: تنام يا أبا بكر؟ فقال: لا ولكن مرّ ثقيل فغمضت عيني حتى عبر.
وحدث أبو هاشم الدلال قال: رأيت أبا بكر ابن عياش مهموما فقلت له: ما لي أراك مهموما؟ قال: سيف كسرى لا أدري الى من صار.
وقال محمد بن كناسة يذكر أصحاب أبي بكر ابن عياش:
لله مشيخة فجعت بهمكانت تريغ إلى أبي بكر
سرج لقوم يهتدون بهاوفضائل تنمي ولا تحري
وحدث المدائني قال: كان أبو بكر ابن عياش أبرص، وكان رجل من قريش يرمى بشرب الخمر، فقال له أبو بكر ابن عياش يداعبه: زعموا أن نبيا قد بعث بحلّ الخمرة، فقال له القرشي: إذا لا أومن به حتى يبرىء الأكمه والأبرص.
أنشد أبو بكر ابن عياش المحدّث، ويقال إنهما له:
إن الكريم الذي تبقى مودتهويكتم السرّ ان صافى وإن صرما
ليس الكريم الذي إن زلّ صاحبهأفشى الذي كان من أسراره علما
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع