من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
حفص الأموي مولاهم
شاعر من شعراء الدولة الأموية عاش حتى أدرك دولة
بني العباس ولحق بعبد الله بن علي فاستأمنه، فهو من مخضرمي الدولتين، وكان يختلف إلى كثيّر بن عبد الرحمن المعروف بكثير عزة الشاعر يروي عنه شعره، وكان هجّاء لبني هاشم فطلبه عبد الله بن علي فلم يقدر عليه، ثم جاءه حفص مستأمنا فقال: أنا عائد بالأمير، فقال له: ومن أنت؟ قال: حفص الأموي، فقال: أنت الهجّاء لبني هاشم؟ فقال: أنا الذي أقول أعز الله الأمير:
وكانت أمية في ملكهاتجور وتكثر عدوانها
فلما رأى الله أن قد طغتولم يحمل الناس طغيانها
رماها بسفاح آل الرسولفجذّ بكفّيه أعيانها
ولو آمنت قبل وقع العذابفقد يقبل الله إيمانها
فلما أتم الإنشاد قال له عبد الله بن علي: اجلس، فجلس فتغدّى بين يديه، ثم دعا عبد الله خادما له فساره بشيء، ففزع حفص وقال: أيها الأمير قد تحرمت بك وبطعامك وفي أقلّ من هذا كانت العرب تهب الدماء، فقال له عبد الله: ليس شيء مما ظننت، فجاء الخادم بخمسمائة دينار فقال: خذها ولا تقطعنا وأصلح ما شعّثت منا.
وروى ابن السائب الكلبي أن هشام بن عبد الملك قال يوما لقوّامه على خيله كم أكثر ما ضمّت حلبة من الخيل في الجاهلية والاسلام؟ قالوا: ألف فرس وقيل ألفان، فأمر أن يؤذّن بالناس بحلبة تضمّ أربعة آلاف فرس، فقيل له: يا أمير المؤمنين يحطم بعضها بعضا فلا يتسع لها طريق، فقال: نطلقها ونتوكل على الله والله الصانع، فجعل الغاية خمسين ومائتي غلوة، والقصب مائة، والمقوّس ستة أسهم، وقاد إليه الناس من كلّ أوب، ثم برز هشام إلى دهناء الرصافة قبيل الحلبة بأيام، فأصلح طريقا واسعا لا يضيق بها، فأرسلت يوم الحلبة بين يديه وهو ينظر إليها تدور حتى ترجع، وجعل الناس يتراءونها حتى أقبل الزابد كأنه ريح لا يتعلّق به شيء حتى دخل سابقا وأخذ القصبة، ثم جاءت الخيل بعد ذلك أفذاذا وأفواجا، ووثب الرجّاز يرتجزون
منهم المادح للزابد، ومنهم المادح لفرسه، ومنهم المادح لخيل قومه، فوثب حفص الأموي مولاهم وقام مرتجزا يقول:
إنّ الجواد السابق الامامخليفة الله الرّضى الهمام
أنجبه السوابق الكراممن منجبات ما لهنّ ذام
كرائم يجلى بها الظلامأمّ هشام جدّها القمقام
وعائش يسمو بها الأقوامخلائف من نجلها أعلام
إن هشاما جدّه هشاممقابل مدابر هضّام
جرى به الأخوال والأعمامنجل كنجل كلّهم قدّام
سنّوا له السبق وما استقامواحتى استقام حيثما استقاموا
وأحرز المجد الذي أقامواأطلق وهو يفع غلام
في حلبة تمّ لها التماممن آل فهر وهم السنام
فبذّها سبقا وما ألامواكذلك الزابد يوم قاموا
أتى ببدء الخيل ما يراممجلّيا كأنه حسام
سبّاق غايات لها ضراملا يقبل العفو ولا يضام
ويل الجياد منه ماذا رامواسهم تفرّ دونه السهام
فأعطاه هشام يومئذ ثلاثة آلاف درهم وخلع عليه ثلاث حلل من جيّد وشي اليمن وحمله على فرس من خيله السوابق، وانصرف معه ينشده هذا الرجز حتى قعد في مجلسه، وأمره بملازمته فكان أثيرا عنده.
وقال حفص أيضا:
لا خير في الشيخ إذا ما اجلخّاوسال غرب دمعه فلخّا
وكان أكلا كلّه وشخّاتحت رواق البيت يغشى الدخّا
-
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع