تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

حماد بن سلمة بن دينار الإمام أبو سلمة البصري

مولى بني تميم، وهو

ابن أخت حميد الطويل شيخ أهل البصرة في الحديث والعربية والفقه وأخذ النحو عن الخليل، وكان الخليل يجلس صحبة حماد بن زيد وجرير بن حازم وحماد بن سلمة، وكان حماد بن زيد إذا أخذ نعله للقيام قال القوم: قد ضرب بالطبل، فلا يجلسون.

وحماد بن سلمة كان السبب في اشتغال سيبويه بالنحو وذلك أن سيبويه كان في أول أمره يطلب الحديث- أخذ عنه يونس بن حبيب النحوي، وسئل أيما أسنّ أنت أو حماد فقال: حماد أسنّ مني ومنه تعلمت العربية. فكان سيبويه يستملي على حماد فقال حماد: قال رسول الله ﷺ: «ما من أحد من أصحابي إلا من لو شئت لأخذت عنه علما ليس أبا الدرداء» فقال سيبويه: ليس أبو الدرداء، فقال له حماد: لحنت يا سيبويه، ليس أبا الدرداء، فقال: لا جرم لأطلبنّ علما لا تلحنني فيه أبدا، فطلب النحو ولزم الخليل بن أحمد حتى بلغ منه ما بلغ. وجاء سيبويه الى حماد بن سلمة فقال له: أحدثك هشام بن عروة عن أبيه في رجل رعف في الصلاة، فقال: أخطأت إنما هو رعف، فانصرف إلى الخليل بن أحمد فشكا إليه ما لقيه من حماد فقال:

صدق حماد، ألمثل حماد يقال هذا؟

وكان يقول من يطلب الحديث ولا يعرف النحو مثل الحمار عليه مخلاة ليس فيها شعير.

قال موسى بن اسماعيل المنقري قلت: لحماد بن سلمة أطال الله بقاءك، فقال: مه، هذه تحية الشباب، ما أصنع بالبقاء يجيئني ويجيئني الدجال.

وقال: كنا إذا صرنا إلى حماد قبل أيدينا وقربنا ويقول: بأبي أنتم إذا غبتم عني فإنما أنا صبي ألعب مع الصبيان فإذا رأيتكم أحيا برؤيتكم.

حضر الأصمعي مجلسه فأدناه ورحب به ثم قال: كيف تنشد هذا البيت:

أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البناوإن عاهدوا أوفوا وان عقدوا شدوا
للشاعر عبد الله بن شبرمة الضبي، اقرأ القصيدة

فقلت: أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا بكسر الباء، فقال لي: انظر جيدا فنظرت فقلت: لست أعرف إلا هذا، فقال لي يا بني: أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنى، القوم إنما بنوا الكلام ولم يبنوا اللبن الطين، قال: فلم أزل أهابه ولزمته.

وكان أبو عمر الجرمي يقول: ما رأيت فقيها قط أفصح من عبد الوارث إلا حماد بن سلمة.

وكان حماد يقول: من لحن في حديثي فقد كذب عليّ.

وكان حماد يمرّ بالحسن البصري في الجامع فيدعه ويذهب إلى أصحاب العربية يتعلم منهم؛ وكان مع تقدمه في العربية إماما في الحديث ثقة ثبتا حتى قالوا: إذا رأيت الرجل يقع في حماد فاتهمه على الإسلام.

روى حماد عن ثابت وأبي عمران الجوني وعبد الله بن كثير وابن [أبي] مليكة وخلق، وعنه مالك وسفيان وشعبة وابن مهدي وعفان وأمم.

وقال عمرو بن سلمة: كتبت عن حماد بن سلمة بضعة عشر ألف حديث.

وقال ابن المديني: كان عند يحيى بن الضرير عن حماد عشرة آلاف حديث.

وقال يحيى بن معين: هو أعلم الناس بثابت.

وقال أحمد بن حنبل: حماد أعلم الناس بحديث خاله حميد الطويل وأثبتهم فيه.

وقال أحمد ويحيى: هو ثقة.

وقال رجل لعفان: أحدثك عن حماد؟ قال: من حماد، ويلك؟ قال: ابن سلمة، قال: هلّا قلت أمير المؤمنين؟

وقال ابن عدي: حماد إمام جليل وهو مفتي أهل البصرة مع سعيد بن أبي عروبة.

وقال إسحاق بن الطباع، قال لي سفيان بن عيينة: العلماء ثلاثة عالم بالله

وبالعلم، وعالم بالله ليس بعالم بالعلم، وعالم بالعلم ليس بعالم بالله، قال ابن الطباع: الأول كحماد بن سلمة، والثاني مثل أبي الحجاج، والثالث كأبي يوسف.

وقال ابن المديني: من سمعتموه يتكلّم في حماد فاتهموه.

واحتجّ مسلم بحماد بن سلمة في أحاديث عدة في الأصول من حديثه عن ثابت، وأخرج له الأربعة إلا البخاري، فنكت ابن حبّان على البخاري ولم يسمّه حيث احتجّ بابن دينار وابن عياش وابن أخي الزهري وترك حمادا فقال: لم ينصف من جانب حديث حماد، واحتجّ بأبي بكر ابن عياش وعبد الرحمن بن دينار وابن أخي الزهري.

وقال حماد بن زيد: ما كنا نرى أحدا يتعلم بنيّة غير حماد، وما نرى اليوم من يعلّم بنيّة غيره.

وقال وهيب: كان حماد بن سلمة سيدنا وأعلمنا، وكان إماما في العربية فصيحا مفوها مقرئا فقيها شديدا على المبتدعة. وله تآليف، ولم يكن له كتاب غير كتاب قيس بن سعد، يعني كان يحفظ علمه. مات حماد في ذي الحجة سنة سبع وستين ومائة وقيل سنة تسع وستين في خلافة المهدي ورثاه اليزيدي بأبيات أولها:

يا طالب النحو ألا فابكهبعد أبي عمرو وحماد
للشاعر يحيى بن المبارك اليزيدي، من قصيدة «يا طالبَ النحوِ ألا فابِكهِ»

يعني حماد بن سلمة وأبي عمرو بن العلاء.

-

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.