من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
الحكم بن عبدل بن جبلة بن عمرو بن ثعلبة بن
عقال بن بلال بن سعد بن
حبال بن نصر بن غاضرة، وينتهي نسبه إلى خزيمة بن مدركة الأسدي الغاضري الكوفي: شاعر مجيد هجّاء من شعراء الدولة الأموية، كان ممن نفاه ابن الزبير من العراق كما نفى منها عمّال بني أمية، فقدم دمشق ونال من عبد الملك بن مروان حظوة، فكان يدخل عليه ويسمر عنده، فقال ليلة لعبد الملك:
يا ليت شعري وليت ربّما نفعتهل أبصرنّ بني العوام قد شملوا
بالذلّ والأسر والتشريد إنهمعلى البرية حتف حيثما نزلوا
أم هل أراك بأكناف العراق وقدذلّت لعزك أقوام وقد نكلوا
فقال عبد الملك:
إن يمكن الله من قيس ومن جرشومن جذام ويقتل صاحب الحرم
تضرب جماجم أقوام على حنقضربا ينكّل عنّا غابر الأمم
ودخل يوما على عبد الملك فقعد بين السماطين وقال: أصلح الله الأمير رؤيا رأيتها بالمنام أقصّها عليك؟ فقال: هات، فأنشأ يقول:
طلعت عليّ الشمس بعد غضارةفي نومة ما كنت قبل أنامها
فرأيت أنك جدت لي بوليدةمغنوجة حسن علي قيامها
وببدرة حملت إليّ وبغلةشهباء ناجية يصلّ لجامها
فسألت ربّي أن يثيبك جنّةيلقاك فيها روحها وسلامها
فقال: كلّ ما رأيت عندنا إلا البغلة فإنها دهماء فارهة، فقال: امرأته طالق إن- والفوات وقد وردت له ترجمة في ابن خلكان وهي ليست من شرط ابن خلكان لأنه لا يعرف سنة وفاته؛ وورود ترجمته في معجم الأدباء مستغرب، فإنه بمعجم الشعراء أليق).
كان رآها إلا دهماء ولكنّه نسي، فأمر عبد الملك أن يحمل إليه كلّ ما ذكره في شعره.
ودخل ابن عبدل على محمد بن حسان بن سعد وكان على خراج الكوفة، فكلمه في رجل من العرب أن يضع عنه ثلاثين درهما من خراجه، فقال محمد بن حسان: أماتني الله إن كنت أقدر أن أضع من خراج أمير المؤمنين شيئا، فانصرف ابن عبدل وهو يقول:
دع الثلاثين لا تعرض لصاحبهالا بارك الله في تلك الثلاثينا
لما علا صوته في الدار مبتكراكأشتفان يرى قوما يدوسونا
أحسن فانك قد أعطيت مملكةإمارة صرت فيها اليوم مفتونا
لا يعطك الله خيرا مثلها أبداأقسمت بالله إلا قلت آمينا
فلم يضع من خراج الرجل شيئا فقال ابن عبدل فيه:
رأيت محمدا شرها ظلوماوكنت أراه ذا ورع وقصد
يقول أماتني ربّي خداعاأمات الله حسان بن سعد
ركبت إليه في رجل أتانيكريم يبتغي المعروف عندي
فقلت له وبعض القول نصحومنه ما أسرّ له وأبدي
توقّ كرائم البكريّ إنيأخاف عليك عاقبة التعدّي
فما صادفت في قحطان مثليولا صادفت مثلك في معدّ
أقلّ براعة وأشدّ بخلاوألأم عند مسألة وحمد
فقدت محمدا ودخان فيهكريح الجعر فوق عطين جلد
فأقسم غير مستثن يميناأبا بخر لتتّخمنّ ردّي
فلو كنت المهذب من تميملخفت ملامتي ورجوت حمدي
نكهت عليّ نكهة أخدريّشتيم أعصل الأنياب ورد
فما يدنو إلى فمه ذبابولو طليت مشافره بقند
فإن أهديت لي من فيك حتفافإني كالذي أهديت مهدي
ولولا ما وليت لكنت فسلالئيم الكسب شأنك شأن عبد
وخطب محمد بن حسان هذا بنتا لطلبة بن قيس بن عاصم المنقريّ فقال ابن عبدل:
لعمري ما زوجتها لكفاءةولكنما زوجتها للدراهم
وما كان حسّان بن سعد ولا ابنهأبو البخر من أكفاء قيس بن عاصم
ولكنه ردّ الزمان على استهوضيّع أمر المحصنات الكرائم
له ريقة بخراء تصرع من دناوتنتن خيشوم الضجيع الملازم
خذي دية منه تكوني غنيةوروحي إلى باب الأمير فخاصمي
وكان بالكوفة امرأة موسرة لها على الناس ديون كثيرة بالسواد، فأتت الحكم بن عبدل وعرّضت له بأنها تتزوجه إذا اقتضى لها ديونها، فقام ابن عبدل بدينها حتى اقتضاه، ثم طالبها بالوفاء فكتبت إليه:
سيخطيك الذي حاولت منيفقطّع حبل وصلك من حبالي
كما أخطاك معروف ابن بشروكنت تعدّ ذلك رأس مال
وكان ابن عبدل يأتي ابن بشر بن مروان بالكوفة فيسأله، فيقول له: أخمسمائة أحبّ إليك العام أم ألف في قابل؟ فيقول: ألف في قابل، فإذا أتاه من قابل قال له:
ألف أحبّ إليك العام أم الفان في قابل؟ فيقول: ألفان فلم يزل كذلك حتى مات ابن بشر ولم يعطه شيئا.
فدخل ابن عبدل على عبد الملك بن مروان بعد ما جرى مع المرأة فقال له عبد الملك: ما أحدثت بعدي؟ قال: خطبت امرأة من قومي فردّت عليّ بيتي شعر، قال: وما هما؟ قال قالت: سيخطيك الذي حاولت مني ... البيتان، فضحك عبد الملك وقال له: لحاك الله أذكرت بنفسك وأمر له بألفي درهم.
وعن ابن الكلبي قال كان الحكم بن عبدل منقطعا إلى بشر بن مروان، وكان يأنس به ويقربه، وأخرجه معه إلى البصرة لما وليها، فرأى منه الحكم جفاء لشغل عرض له فانقطع عنه شهرا ثم أتاه، فلما دخل عليه قال له بشر: يا ابن عبدل ما لك انقطعت عنا وقد كنت لنا زوارا؟ فقال ابن عبدل:
كنت أثني عليك خيرا فلماأضمر القلب من نوالك ياسا
كنت ذا منصب قنيت حيائيلم أقل غير أن هجرتك باسا
لم أطق ما أردت بي يا ابن مروان ستلقى إذا أردت أناسا
يقبلون الخسيس منك ويثنون ثناء مدخمسا دخماسا
فقال له: لا نسومك الخسيس ولا نريد منك ثناء مدخمسا، ووصله وكساه.
ولما مات بشر جزع عليه ابن عبدل فقال يرثيه:
أصبحت جمّ بلابل الصدرمتعجبا لتصرّف الدهر
ما زلت أطلب في البلاد فتىليكون لي ذخرا من الذخر
ويظلّ يسعدني وأسعدهفي كلّ نائبة من الأمر
حتى إذا ظفرت يداي بهجاء القضاء بحينه يجري
إني لفي همّ يباكرنيمنه وهمّ طارق يسري
فلأصبرنّ وما رأيت دواللهمّ غير عزيمة الصبر
والله ما استعظمت فرقتهحتى أحاط بفضله خبري
وعن النضر بن شميل قال: دخلت على أمير المؤمنين المأمون بمرو فقال أنشدني أقنع بيت للعرب، فأنشدته قول الحكم بن عبدل:
إني امرؤ لم أزل وذاك من اللهأديبا أعلّم الأدبا
أقيم بالدار ما اطمأنت بيالدار وإن كنت نازعا طربا
لا أجتوي خلّة الصديق ولاأتبع نفسي شيئا إذا ذهبا
أطلب ما يطلب الكريم منالرزق بنفسي وأجمل الطلبا
وأحلب الثرّة الصفيّ ولاأجهد أخلاف غيرها حلبا
إني رأيت الفتى الكريم إذارغّبته في صنيعة رغبا
والعبد لا يحسن العطاء ولايعطيك شيئا إلا إذا رهبا
مثل الحمار المعقب السّوء لايحسن مشيا إلا إذا ضربا
ولم أجد عزة الخلائق إلاالدين لما اعتبرت والحسبا
قد يرزق الخافض المقيم وماشدّ لعيس رحلا ولا قتبا
ويحرم الرزق ذو المطية والرحل ومن لا يزال مغتربا
وكان الحكم بن عبدل أعرج فدخل على عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وهو أعرج أيضا، وكان صاحب شرطه أعرج كذلك، فقال:
ألق العصا ودع التخامع والتمسعملا فهذي دولة العرجان
لأميرنا وأمير شرطتنا معالكليهما يا قومنا رجلان
فإذا يكون أميرنا ووزيرناوأنا فجىء بالرابع الشيطان
وقال في بشر بن مروان:
ولو شاء بشر كان من دون بابهطماطم سود أو صقالبة حمر
ولكنّ بشرا سهّل الباب للتييكون لبشر بعدها الحمد والأجر
بعيد مراد العين ما ردّ طرفهحذار الغواشي باب دار ولا ستر
-
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع