من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
حمدان بن عبد الرحيم، أبو الفوارس الأثاربي
من قرية من أعمال حلب تدعى معراثا الأثارب. وكانت ملكه، ومن أولاده انتقلت إلى ملاكها الآن. أحد الأدباء الشعراء الخلعاء الأطباء الكتاب، كان دائبا في طلب العلم يحضر مجالس العلماء وأهل الأدب ويصحب من لقيه منهم ويلازمه. ولي للسلطان نور الدين أعمالا منها معرة النعمان. ودخل بغداد، وقال فيها:
إن بغداد لمن أبصرهاورآها طرفة بين البلاد
فتأمّلها تراها عجبانعم بيض على قوم سواد
توفي سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة.
حدث حمدان بن عبد الرحيم ابن أخي هذا حمدان المذكور قال: جلس يوما عمي حمدان وجماعة من وجوه المعرة، منهم الرئيس نعمان، رئيس المعرة، وكان خال المحدّث حمدان، على مجلس أنس بمعرة النعمان، ومعهم مغنّية تسمى
«ست النظر» ثم افترقوا بعد هزيع من الليل، فقام عمي حمدان إلى فراش قد هيّأه له الرئيس أبو الفتح ابن أبي حصينة في قبة له، وانتبه في أثناء الليل وأراد الخروج من القبة، فسقط من أعلاها إلى ناحية الدار، فعلم به الرئيس نعمان فجاءه في طائفة من أصحابه، وحملوه إلى فراشه. وأمر نعمان أصحابه ألا يخبره أحد بما جرى، ونام ساعة وهم حوله، ثم دعوا المغنية، فجلست عند رأسه تغني فانتبه من نومه، وجلس واستطاب وقته، فسألوه أن ينظم في ذلك شعرا، فعمل للوقت:
أيا صاح قد صاح ديك الصباحوهبّت تغنيك ستّ النّظر
بلفظ هو السحر سحر الحلالووجه حوى الحسن مثل القمر
وتشدوك قم وتنبّه لهاوباكر صبوحك قبل البكر
أفق كم تنام وهات المدامورقرق لنا الجام وقّيت شر
أما تنظر الفجر خلف الظلاممحثا وأعلامه قد نشر
وقد سامحتك صروف الزمانوكفّت أكفّ القضا والقدر
فما العذر في ترك شرب الشّمولونهب الأباريق كرا وفر
فشرب الشمول بخفق الطبولونفخ الزماري وقرع الوتر
فما رونق الدهر باق عليكفخذ ما صفا واجتنب ما كدر
قال: فبقي مدة لا يعلم ما جرى إلى أن قلت له يوما: ما تقول في من سقط من هذا المكان؟ وأشرت إلى (المكان) الذي سقط منه إلى أسفل فقال: ما يجمع الله به شملا. فقلت له: أتذكر ليلة «أيا صاح قد صاح ديك الصباح» ؟ فقال: وما جرى؟ فقصصت عليه القصة. فقال: لهذا تؤلمني أعضائي. ثم وقع مريضا لوقته وبقي مطروحا على الفراش شهرين.
واتفق له الخروج إلى معراثا الأثارب، وكانت حينئذ بيد الإفرنج، فمرض صاحب الاثارب منويل، وهو ابن أخت صاحب أنطاكية، فدخل إليه حمدان فعالجه إلى أن عوفي، فمنّاه فطلب منه قرية فأعطاه معربونية فسكن بها مدة ثلاثين سنة، فسيّر إليه أبو الحسن ابن أبي جرادة من يعتبه على مقامه بين الفرنج، وسوء اختياره في المكوث بينهم، فكتب إليه:
وقائل عائب لي إذ رأى شغفيبقرية ليس سكناها من الشرف
ماذا دعاك إلى هذا؟ فقلت لهصروف دهر وصرف الدهر غير خفي
بخل الوفيّ وإعراض الرضي وتقصير الصفي وظلم المشرف الجنف
فإن أقمت بها فالمسك موطنهفي جلدة ومقرّ الدرّ في الصّدف
ومن شعره:
لا جلق رقن لي معالمهاولا اطّبتني أنهار بطنان
ولا ازدهتني بمنبج فرصراقت لغيري من آل حمدان
لكن زماني بالجزر ذكرنيطيب زماني وفيه أبكاني
يا حبذا الجزر كم نعمت بهبين جنان ذوات أفنان
واجتاز بحمدان في بعض السنين الأمير مهند الدولة بن الحنشي فأنزله بداره في الأثارب وأقام عنده أشهرا، فلما وافى هلال رمضان قال الأمير:
لله من قمر رآني معرضاعنه وإعراضي حذار وشاته
طلع الهلال فقلت أعمل حيلةفي قبلة تجني جنى وجناته
فمضى وقال تصدّ عن قمر الهوىلترى الهلال رقى إلى درجاته
فأنا وحقّ هواك أبعد مرتقىمنه وتأثيري كتأثيراته
أنا كامل أبدا وذلك ناقصفاجهد بوصفي ممعنا وصفاته
-
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع