من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
الخليل بن أحمد بن محمد بن الخليل بن موسى
بن عبد الله بن عاصم بن جبل السجزي، أبو سعيد: إمام في كل علم، شائع الذكر مشهور الفضل معروف
بالإحسان في النظم والنثر؛ وكان فقيها شاعرا محدثا رحل في طلب الحديث إلى نيسابور ودمشق وأدرك الأئمة والعلماء وسافر في البلاد، وصنف التصانيف، وولي القضاء ببلدان شتى من وراء النهر.
حدّث قال: قدم علينا بسجستان وأنا قاضيها صاحب جيش من خراسان من قبل نصر بن أحمد، ومعه خلق عظيم من الجيش، فملك سجستان فأكثر أصحابه الفساد في البلد، وامتدت أيديهم إلى النساء في الطرقات قهرا، فاجتمع الناس إليّ وإلى الفقيه فلان وشكوا إلينا الحال، فدخلت أنا والفقيه وجماعة من وجوه البلد إليه.
وكان المبتدىء الخطاب الفقيه، فوعظه وعرّفه ما يجري. فقال له: يا شيخ، ما ظننتك بهذا الجهل، معي ثلاثون ألف رجل نساؤهم ببخارى، فإذا قامت أيورهم كيف يصنعون، ينفذونها بسفاتج إلى حرمهم، لا بدّ لهم أن يضعوها فيمن ها هنا، كيف استوى لهم. هذا أمر لا يمكنني إفساد قلوب الجيش بنهيهم عنه. فانصرف.
قال: فخرجنا، فقالت لنا العامة: أيش قال الأمير؟ فأعاد عليهم الفقيه الكلام بعينه.
فقالوا: هذا القول منه فسق وأمر به ومكاشفة بمعصية الله، فهل يحلّ لنا عندك قتاله بهذا القول؟ فقال لهم الفقيه: نعم، قد حلّ لكم قتاله. فتبادرت العامة، وانسللنا من الفتنة فلم نصلّ المغرب من تلك الليلة وفي البلد أحد من الخراسانية لأنه اجتمع من العامة ما لا يضبط عدده، فقتلوا خلقا عظيما من الخراسانية، ونهبت دار الأمير فطلبوه ليقتلوه، فأفلت على فرسه، ومعه كل من قدر على الهرب، ومضوا على وجوههم، فما جاءنا بعدهم جيش من خراسان.
قال الحاكم أبو عبد الله في «تاريخ نيسابور»: كان الخليل شيخ أهل الرأي في عصره، وكان من أحسن الناس كلاما في الوعظ والذكر، مع تقدّمه في الفقه والأدب، وكان ورد نيسابور، قديما مع محمد بن إسحاق بن خزيمة وأقرانه، وسمع بالريّ والعراق والحجاز، وورد نيسابور محدّثا ومفيدا سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، وسكن سجستان ثم انتقل إلى بلخ وسكنها، ومن شعره في مدح أبي حنيفة النعمان بن ثابت وصاحبيه والأئمة القراء:
سأجعل لي النعمان في الفقه قدوةوسفيان في نقل الأحاديث سيدا
وفي ترك ما لم يعنني من عقيدةسأتبع يعقوب العلا ومحمدا
وأجعل حزبي من قراءة عاصموحمزة بالتحقيق درسا مؤكدا
وأجعل في النحو الكسائيّ عمدتيومن بعده الفراء ما عشت سرمدا
وإن عدت للحجّ المبارك مرةجعلت لنفسي كوفة الخير مشهدا
فهذا اعتقادي وهو ديني ومذهبيفمن شاء فليبرز ليلقى موحدا
ويلقى لسانا مثل سيف مهنّديفلّ إذا لاقى الحسام المهندا
وقال:
إذا ضاق باب الرزق عنك ببلدةفثمّ بلاد رزقها غير ضيّق
وإياك والسكنى بدار مذلّةفتسقى بكأس الذلة المتدفق
فما ضاقت الدنيا عليك برحبهاولا باب رزق الله عنك بمغلق
وقال:
ليس التطاول رافعا من جاهلوكذا التواضع لا يضرّ بعاقل
لكن يزاد إذا تواضع رفعةثم التطاول ما له من حاصل
وقال:
رضيت من الدنيا بقوت يقيمنيولا أبتغي من بعده أبدا فضلا
ولست أروم القوت إلا لأنهيعين على علم أردّ به جهلا
فما هذه الدنيا يكون نعيمهالأصغر ما في العلم من نكتة عدلا
وقال:
الله يجمع بيننا في غبطةويزيل وحشتنا بوشك تلاق
ما طاب لي عيش فديتك بعدماناحت عليّ حمامة بفراق
إن الإله لقد قضى في خلقهأن لا يطيب العيش للمشتاق
توفي القاضي السجزي بسمرقند وهو قاض بها سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة ومولده سنة إحدى وسبعين ومائتين، وقيل توفي بفرغانة وهو على مظالمها. وقال أبو
بكر الخوارزمي يرثيه:
ولما رأينا الناس حيرى لهدةبدت بأساس الدين بعد تأطّد
أفضنا دموعا بالدماء مشوبةوقلنا لقد مات الخليل بن أحمد
-
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع