تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي

ويقال الفرهودي نسبة إلى فراهيد بن مالك بن فهم بن عبد الله بن مالك بن مضر الأزدي البصري، العروضي النحوي اللغوي: سيد الأدباء في علمه وزهده. قيل: أول من سمي في الإسلام أحمد أبو الخليل. ويكنى أبا عبد الرحمن وهو من أعمال عمان من قرية من قراها، وانتقل إلى البصرة. مات سنة خمس وسبعين ومائة عن أربع وسبعين سنة. وقيل إنه مولى الفراهيد، وأصله من الفرس.

قال المؤلف: وهذا القول عندي صحيح، وذاك لأنه لم يذكر أحد في نسبه أكثر من الخليل بن أحمد لم يزد أحد عليه، ولو كان عربيا لم يخف ذلك عن الأئمة العلماء الذين كتبوا أنساب الأراذل الخاملي الذكر، فكيف مثل هذا الإمام مع كثرة تلاميذه المتقنين، أما كان منهم رجل سأله عن نسبه فيكتبه فيما كتب من أخباره وأشعاره؟! قال حمزة بن الحسن الأصبهاني في كتاب «الموازنة بين العربية والعجمية»:

وللعرب فضل على غيرهم من الأمم بما اتفق لعلماء لغتهم من تقييد ألفاظهم في بطون

الكتب، وعلماء الفرس تدّعي مشاركتهم في هذه الفضيلة، ويزعمون أن لغتهم كانت منتشرة ذاهبة في الضياع على غير نظام، إلى أن ظهر بجمعها بعد انتشارها فيلسوف دولة الإسلام الخليل بن أحمد الفرهودي، ومن الفرس كان أصله لأنه من فراهيد اليمن، وكانوا من بقايا أولاد الفرس الذين فتحوا بلاد اليمن لكسرى. وكان جدّ الخليل من أولئك، فضمه إلى وهرز لتدبير جيشه، وحصل باليمن فتناسل بها أولاده، وصاهروا قبائل الأزد، فادعاهم الأزد، وبالبلدية والقرابة ضم الخليل سيبويه إلى نفسه حتى خرّجه، فمن أجل أنّ الخليل كان من الفرس صارت لنا شركة في مفاخر العرب بما أثّله الخليل لهم، فزعموا أن للخليل ثلاثة أياد عند العرب كبار لم يسد مثلها إليهم عربي منهم: أحدها ما نهج لتلميذه سيبويه من التأتي لتأليف كتابه حتى علّمه كيف يفرّق جمهور النحو أبوابا، وتجنس الأبواب أجناسا، ثم تنوع الأجناس أنواعا حتى أخرجه معجز التأليف، فقيد به على العرب منطقهم حتى سلم أعقابهم للإعراب وتقويم اللسان من هجنة اللحن وخطأ القول.

الثانية: اختراعه لأشعارهم ميزانا حذاه على غير مثال، وهو العروض التي إليها مفزع من خذله الطبع، ولم يساعده الذوق من الشعراء ورواة الأشعار، فصار أثره لاختراع هذا العلم كأثر الفيلسوف أرسطا طاليس في شرح علم حدود المنطق.

الثالثة: ما منحهم في لغتهم من حصره إياها في الكتاب الذي سماه كتاب «العين» فبدأ فيه بسياقة مخارج الحروف، وأظهر فيه حكمة لم يقع مثلها للحكماء من اليونانيين. فلما فرغ من سرد مخارج الحروف عدل إلى إحصاء أبنية الأشخاص وأمثلة أحداث الأسماء، فزعم أن مبلغ عدد أبنية كلام العرب المستعمل والمهمل على مراتبها الأربع من الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي من غير تكرير ينساق إلى اثني عشر ألف ألف وثلاثمائة ألف وخمسة آلاف وأربعمائة واثني عشر. الثنائي منها ينساق إلى سبعمائة وستة وخمسين، والثلاثي إلى تسعة عشر ألف وستمائة وستة وخمسين.

والرباعي إلى أربع مائة وواحد وتسعين ألفا وأربعمائة. والخماسي إلى أحد عشر ألف ألف وسبعمائة وثلاثة وتسعين ألفا وستمائة. قالوا: فقد شاركنا في فضيلة لغتها ومزية نحوها، وحلية عروض قريضها شرك العنان إذ كان الخليل مثيرها من مكمنها وهو منّا.

قال السيرافي: كان الغاية في تصحيح القياس واستخراج مسائل النحو وتعليله.

أخذ عن أبي عمرو بن العلاء وروى عن أيوب وعاصم الأحول وغيرهما، وأخذ عنه الأصمعي وسيبويه والنضر بن شميل وأبو فيد مؤرج السّدوسيّ وعلي بن نصر الجهضمي وغيرهم. وهو أول من استخرج العروض وضبط اللغة وحصر أشعار العرب، يقال إنه دعا بمكة أن يرزقه الله تعالى علما لم يسبق به، فرجع وفتح عليه بالعروض، وكانت معرفته بالايقاع، وهو الذي أحدث له علم العروض وكان يقول الشعر فينظم البيتين والثلاثة ونحوها.

قال الخليل بن أحمد: دخلت على سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس ووجدته يسقط في كلامه، فجلست حتى انصرف الناس، فقال: هل حاجة يا أبا عبد الرحمن! قلت أكبر الحوائج. قال: قل فإن مسائلك مقضية ووسائلك قوية.

قلت: أنت سليمان بن علي، وكان علي في العالم عليا وكان عبد الله بن العباس الحبر والبحر، وكان العباس بن عبد المطلب إذا تكلم أخذ سامعه ما يأخذ النشوان على نقر العيدان، وأراك تسقط في كلامك، وهذا لا يشبه محتدك ومنصبك، قال فكأنما فقأ في وجهه الرمّان خجلا فقال: لن تسمعه بعدها. ثم احتجب عن الناس، وأكبّ على النظر ثم أذن للناس في مجلس عامّ، فدخلت في لمة الناس فوجدته يفصح حتى خلته معدّ بن عدنان، فجلست حتى انصرف الناس. فقال: كيف رأيت أبا عبد الرحمن؟ فقلت رأيت كلّ ما سرني في الأمير، وأنشدت:

لا يكون السريّ مثل الدنيلا ولا ذو الذكاء مثل الغبيّ
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
لا يكون الألدّ ذو المعول المرهف عند الخصام مثل العيي
قيمة المرء قدر ما يحسن المرء قضاء من الإمام علي
أي شيء من اللباس على ذي السرّوأبهى من اللسان السري
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
ضينظم الحجة الشتيتة في السلك من القول مثل نظم الهدي
وترى اللحن في لسان أخي الهيبة مثل الصدا على المشرفي
فاطلب النحو للقران وللشعر مقيما والمسند المروي
كل ذي الجهل بالفنون يعاديها ويزري منها بغير الزري

وانصرفت فاستتبعني غلام على كتفه بدرة فرددتها عليه وكتبت إليه:

أبلغ سليمان أني عنه في سعةوفي غنى غير أني لست ذا مال
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
سخّى بنفسي أني لا أرى أحدايموت هزلا ولا يبقى على حال
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
والفقر في النفس لا في المال نعرفهومثل ذاك الغنى في النفس لا المال
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
والرزق عن قدر لا العجز ينقصهولا يزيدك فيه حول محتال

سأل رجل الخليل بن أحمد: من أي العرب أنت؟ فقال: فراهيدي، وسأله آخر فقال: فرهودي. قال المبرد: قوله فراهيدي انتسب إلى فراهيد بن مالك بن فهم بن عبد الله بن مالك بن مضر بن الأزد. وقوله فرهودي انتسب إلى واحد من الفراهيد، وهو فرهود، والفراهيد صغار الغنم.

وكان الخليل أعلم الناس وأذكاهم وأفضل الناس وأتقاهم، وكانوا يقولون: لم يكن في العرب بعد الصحابة أذكى من الخليل بن أحمد ولا أجمع، ولا كان في العجم أذكى من ابن المقفع ولا أجمع. وكان الخليل أشد الناس تعففا. ولقد كان الملوك يقصدونه ويتعرضون له لينال منهم فلم يكن يفعل، وكان يعيش من بستان له خلّفه عليه أبوه بالحربية. وكان يحجّ سنة ويغزو سنة حتى جاءه الموت، وأول من جمع الحروف في بيت واحد الخليل، فقال:

صف خلق خود كمثل الشمس إذ بزغتيحظى الضجيع بها نجلاء معطار
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة

قيل: كان عند رجل دواء لظلمة العين ينتفع به الناس فمات وأضرّ ذلك بمن كان يستعمله. فقال الخليل بن أحمد: أله نسخة معروفة؟ قالوا: لم نجد نسخته. قال فهل له آنية يعمله فيها؟ قالوا: نعم، إناء كان يجمع الأخلاط فيه. قال: فجيئوني به. فجعل يشمّه ويخرج نوعا نوعا حتى ذكر خمسة عشر نوعا، ثم سأل عن جمعها ومقدارها، فعرف ذلك ممن يعالج مثله، فعمله فأعطاه الناس فانتفعوا به مثل تلك المنفعة، ثم وجدت النسخة في كتب الرجل فوجدوا الأخلاط ستة عشر خلطا كما ذكر

الخليل لم يغفل منها إلا خلطا واحدا.

وقال الخليل: كنت أخرج من منزلي فألقى رجلا من أربعة: رجلا أعلم مني فهو يؤم فائدتي، ورجلا مثلي فهو يؤم مذاكرتي، ورجلا متعلما مني فهو يؤمّ ثوابي، ورجلا دوني في الحقيقة، وهو يرى أنه فوقي ويحاول أن يتعلم مني وكأنه يعلمني فذاك الذي لا أكلمه ولا أنظر إليه.

وقال: الرجال أربعة: رجل يدري ويدري أنه يدري، فذاك عالم فاتبعوه، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فذاك غافل فنبهوه، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فذاك جاهل فعلموه، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذاك مائق فاحذروه.

وقال الناشىء يهجو داود بن علي الأصبهاني الفقيه:

أقول كما قال الخليل بن أحمدوإن شئت ما بين النظامين في الشعر
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
عذلت على من لو علمت بقدرهبسطت وكان العذل واللوم من عذري
جهلت ولم تعلم بأنك جاهلفمن لي بأن تدري بأنك لا تدري
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «أتجرؤ في تلبيس ذكرك في ذكري»

وأنشد علي بن هارون عن أبيه في معناه:

يدعي العلم بالنجوم كما قديدعي مثل ذاك في كل أمر
وهو في ذاك ليس يدري ولا يدري من النوك أنه ليس يدري

وقال الخليل: تكلم أربعة أملاك بأربع كلمات كأنها رمية واحدة. قال كسرى: أنا على ردّ ما لم أقل أقدر مني على ردّ ما قلت. وقال قيصر: لا أندم على ما لم أقل، وقد أندم على ما قلت. وقال ملك الصين: إذا تكلمت بالكلمة ملكتني، وإذا لم أتكلم بها ملكتها. وقال ملك الهند: عجبت لمن يتكلم بالكلمة إن وقعت عليه ضرّته، وإن لم ترفع عليه لم تنفعه. قال الخليل: وطلبت لها نظائر في أشعار العرب فوجدت منها في قول الشاعر:

حبس ما لم أقل عليّ يسيروعسير ردّ الكلام المقول
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة

وقال الآخر:

ما لم أقله لم أسعه ندامةومتى أقل يكثر عليّ تندّمي

وقال الآخر:

كلامك مملوك إذا لم تفه بهوتلقاه إن أطلقته لك مالكا

وقال الآخر:

عجبت للقائل قولا هذرامتى يشع يدن إليك ضررا

وليس بالنافع إمّا سترا

وقال الخليل: ثلاثة ينسين المصائب: مرّ الليالي، والمرأة الحسناء، ومحادثة الرجال.

وقال:

وما بقيت من اللذات إلامحادثة الرجال ذوي العقول
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
وقد كنا نعدهم قليلافقد أضحوا أقلّ من القليل

وله:

وما هي إلا ليلة ثم يومهاوحول إلى حول وشهر إلى شهر
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
مطايا يقرّبن الجديد من البلىويدنين أشلاء الكرام من القبر
ويتركن أزواج الغيور لغيرهويقسمن ما يحوي الشحيح من الوفر
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة

كان عبد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة يأتي جارا له يقول بالنجوم، فدخل قلبه شيء، فجاء الخليل فسأله، فقال له الخليل: أخبرني عن الحاء من أين مخرجها؟ قال: من الحلق. قال: فأخبرني عن الباء من أين مخرجها؟ قال: من طرف اللسان. قال: أفتقدر أن تخرج هذه من مخرج تلك؟ قال: لا. قال: قم

فإنك مائق، ثم أنشأ يقول:

أبلغا عني المنجم أنيكافر بالذي قضته الكواكب
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
عالم أن ما يكون وما كان فحتم من المهيمن واجب
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة

وأنشد للخليل:

يقولون لي دار الأحبة قد دنتوأنت كئيب إن ذا لعجيب
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
فقلت وما تغني الديار وقربهاإذا لم يكن بين القلوب قريب
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة

وله في وصف البصرة، ويروى لأبي عيينة:

يا جنة فاقت الجنان فماتبلغها قيمة ولا ثمن
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
ألفتها فاتخذتها وطناإن فؤادي لأهلها وطن
للشاعر أبو عيينة بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة
من سفن كالنعام مقبلةومن نعام كأنها سفن
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
صاهر حيتانها الضباب بهافهذه كنّة وذا ختن

قال وهب بن جرير: خرج أبي والخليل والفضل بن المؤتمن العبلي إلى سليمان بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة إلى الأهواز فبدأ بعطاء الاثنين قبل الخليل. فكتب إليه بأبيات تمثل بها:

ورد العفاة المعطشون فأصدرواريّا وطاب لهم لديك المكرع
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
ووردت بحرك ظامئا متدفّقافرددت دلوي شنها يتقعقع
وأراك تمطر جانبا عن جانبوفناء أرضي من سمائك بلقع
للشاعر الطرماح، من قصيدة «ورد العفاة المعطشون وأصدروا»
ألبخس منزلتي تؤخر حاجتيأو ليس عندك لي بخير مطمع

ورحل عنه فوجه إليه ألف دينار فردها عليه، وقال: هيهات أفلتت قائبة عن قوبها. القائبة البيضة، والقوب: الفرخ، وهو مثل ضربه.

وروي أن سليمان بن حبيب وجّه إلى الخليل وهو يومئذ والي فارس والأهواز

يستدعيه لتأديب ولده، فأخرج الخليل إلى رسوله خبزا يابسا، وقال له: كل، فما عندي غيره، وما دمت أجده فلا حاجة لي إلى سليمان، وقال:

أبلغ سليمان أني عنه في سعةوفي غنى غير أني لست ذا مال
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
سخّى بنفسي أني لا أرى أحدايموت جوعا ولا يبقى على حال
وإن بين الغنى والفقر منزلةمخطومة بجديد ليس بالبالي
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
فالرزق عن قدر لا العجز ينقصهولا يزيدك منه حول محتال
إن كان ضنّ سليمان بنائلهفالله أفضل مسؤول لسؤال
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
والفقر في النفس لا في المال نعرفهومثل ذاك الغنى في النفس لا المال
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة

قيل: قطع سليمان جاريا كان يجريه عليه، فقال الخليل:

إن الذي شق فمي ضامنللرزق حتى يتوفاني
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «إن الذي شق فمي ضامن»
حرمتني خيرا قليلا فمازادك في مالك حرماني

فبلغت سليمان فأقامته وأقعدته، وكتب إلى الخليل يعتذر إليه، وأضعف جاريه، فقال الخليل:

وزلة يكثر الشيطان إن ذكرتمنها التعجب جاءت من سليمانا
لا تعجبنّ لخير زلّ عن يدهفالكوكب النحس يسقي الأرض أحيانا
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة

وله:

اعمل بعلمي ولا تنظر إلى عمليينفعك علمي ولا يضررك تقصيري

حدث علي بن نصر الجهضمي قال: رأيت الخليل بعدما مات في النوم، فقلت له: ما صنع الله بك؟ قال: رأيت ما كنا فيه لم يكن شيئا، وما وجدت أفضل من «سبحان الله والحمد لله والله أكبر».

قيل: وكان الخليل يحب أن يرى عبد الله بن المقفع، وكان عبد الله يحب ذلك، فجمعهما عبّاد بن عبّاد المهلبي فتحادثا ثلاثة أيام ولياليهن، ثم افترقا. فقيل للخليل: كيف رأيت ابن المقفع؟ فقال: ما رأيت مثله قط، وعلمه أكثر من عقله.

وقيل لابن المقفع: كيف رأيت الخليل؟ فقال: ما رأيت قط مثله، وعقله أكثر من علمه. وصدق في ذلك، أدى عقل الخليل إلى أن مات وهو أزهد الناس، وأدى جهل ابن المقفع إلى أن قتل على ما ذكرناه في بابه من هذا الكتاب.

وسئل الخليل، فقيل له: ما الجود؟ قال: بذل الموجود. قيل: فما الزهد؟ قال: ألا تطلب المفقود حتى يفقد الموجود. وقال الخليل: الناس في سجن ما لم يتمازحوا، وأنشد لنفسه:

يكفيك من دهرك هذا القوتما أكثر القوت لمن يموت

وكان يقول: إذا نسخ الكتاب ثلاث مرات، ولم يقابل انقلب بالفارسية.

وكان الخليل صديقا لسليمان بن حبيب. وكثر الزوار عليه فتشاغل عنهم، فقدم الخليل بن أحمد فسألوه أن يذكره أمرهم فكتب إليه:

لا تقبلنّ الشعر ثم تعيدهوتنام والشعراء غير نيام
واعلم بأنهم إذا لم ينصفواحكموا لأنفسهم على الحكام
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «للناس فيما يكلفون مغارم»
وجناية الجاني عليهم تنقضيوعقابهم يبقى على الأيام
للشاعر الحزنبل التميمي، اقرأ القصيدة

وله، وقد رويت للأحنف بن قيس وقد لامه قومه على كثرة الحلم:

سألزم نفسي الصفح عن كلّ مجرموإن كثرت منهم إليّ الجرائم
فما أنا إلا واحد من ثلاثةشريف ومشروف ومثل مقاوم
فأما الذي فوقي فأعرف قدرهوأتبع فيه الحقّ والحقّ قائم
وأما الذي مثلي فإن زلّ أو هفاتفضلت إن الفضل للحر لازم
وأما الذي دوني فإن قال صنت عنإجابته نفسي وإن لام لائم
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب»

مولد الخليل سنة مائة، وتوفي سنة خمس وسبعين ومائة. قيل: أقام الخليل في خص من أخصاص البصرة لا يقدر على فلسين وأصحابه يكسبون بعلمه الأموال.

ولقد سمعه النضر بن شميل يقول: إني لأغلق عليّ بابي فما يجاوزه همي.

وقد روي في سبب وضع الخليل كتاب العروض ما ذكره عبد الله بن المعتز أن الخليل مرّ في سكّة القصّارين في البصرة فسمع دق الكوادين بأصوات مختلفة، فوقف يسمع اختلافه، ثم قال: والله لأصنعنّ على هذا المعنى علما غامضا، فوضع العروض.

وحدث النضر بن شميل قال: كان أصحاب الشعر يمرون بالخليل فيتكلمون في النحو، فقال الخليل: لا بدّ لهم من أصل، فوضع العروض. وخلا في بيت، ووضع بين يديه طستا أو ما أشبه الطست، فجعل يقرعه بعود ويقول: فاعلن مستفعلن فعولن، قال: فسمعه أخوه، فخرج إلى المسجد، فقال إن أخي قد أصابه جنون، فأدخلهم عليه وهو يضرب الطست، فقالوا: يا أبا عبد الرحمن، ما لك؟ أصابك شيء؟ أتحب أن نعالجك؟ فقال: وما ذاك؟ قالوا: أخوك زعم أنك قد خولطت، فأنشأ يقول:

لو كنت تعلم ما أقول عذرتنيأو كنت أجهل ما تقول عذلتكا
لكن جهلت مقالتي فعذلتنيوعلمت أنك جاهل فعذرتكا
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة

قال أبو محمد اليزيدي: قصدت الخليل في بعض الأيام، فلما دخلت عليه ألفيته جالسا على طنفسة صغيرة، فأوسع لي فكرهت التضييق عليه، فقال: لا يضيق سمّ الخياط مع متحابين، ولا تسع الدنيا متباغضين، وأنشد:

ما اتسعت أرض إذا كان منتبغض في شيء من الأرض
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة

كتب سليمان بن حبيب إلى الخليل أن اكتب لي النحو في ثلاث كلمات ولا تزد عليها، فكتب إليه: الرفع موسوم بالوصف، والخفض مجرور الإضافة، وما لا سبيل إليه فهو نصب.

وأنشد للخليل:

ما ازددت في أدبي حرفا أسرّ بهإلا تزيدت حرفا تحته شوم
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة
إن المقدم في حذق بصنعتهأنى توجّه فيها فهو محروم
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة

وقال الخليل: من أخطأته المنايا قيدته الليالي والسنون.

حدّث الخليل بن أحمد قال: اجتزت في بعض أسفاري براهب في صومعة فدققت عليه والمساء قد أزفت جدا، وقد خفت من الصحراء وسألته أن يدخلني، فقال: من أنت؟ قلت: أنا الخليل بن أحمد. فقال: أنت الذي يزعمه الناس وجها واحدا في العلم بأمر العرب؟ فقلت: كذا يقولون، ولست كذلك. فقال: إذا أجبتني عن ثلاث مسائل جوابا مقنعا فتحت لك الباب، وأحسنت ضيافتك [وإن لم تجب] لم أفتح لك. قلت: وما هي؟ قال: ألسنا نستدل على الغائب بالشاهد؟

فقلت: بلى. قال: فأنت تقول: الله ﷿ ليس بجسم ولا عرض، ولا نرى شيئا بهذه الصفة. وأنت تزعم أن الناس في الجنة يأكلون ويشربون، ولا يتغوّطون، وأنت لم تر آكلا شاربا إلا متغوّطا، وأنت تقول: إن نعيم أهل الجنة لا ينقضي، وأنت لم تر شيئا إلا منقضيا. قال: فقلت له، بالشاهد الحاضر استدللت على ذلك كله. أما الله تعالى فإنما استدللت عليه بأفعاله الدالّة عليه، ولا مثل له. وفي الشاهد مثل ذلك، وهي الروح التي فيك وفي كل حيوان تعلم أنك تحسّ بها تحت كل شعرة منها، ونحن لا ندري أين هي، ولا كيف هي، ولا ما صفتها، ولا جوهرها، ثم ترى الإنسان يموت إذا خرجت، ولا يحس بشيء خرج منه. وإنما استدللنا عليها بأفعالها وبحركاتها، وتصرفنا بكونها فينا. وأما قولك إن أهل الجنة لا يتغوطون مع الأكل، فالشاهد لا يمنع ذلك، ألا ترى الجنين يغتذي في بطن أمه ولا يتغوط؟ وأما قولك إن نعيم أهل الجنة لا ينقضي مع أن أوله موجود، فإنا نجد أنفسنا نبتدىء الحساب بالواحد، ثم إذا أردنا ألا ينقضي إلى ما لا نهاية له لم نكرره وأعداده تضعيفه إلى انقضائها. قال: ففتح لي الباب، وأحسن ضيافتي.

قال المؤلف: هذا الجواب كما شرط الراهب إقناعيّ لا قطعيّ.

وكان سفيان الثوري يقول: من أحب أن ينظر إلى رجل خلق من الذهب

والمسك فلينظر إلى الخليل بن أحمد.

ويروى عن النضر بن شميل أنه قال: كنا نميّل بين ابن عون والخليل بن أحمد أيهما نقدّم في الزهد والعبادة فلا ندري أيهما نقدم. وكان يقول: ما رأيت رجلا أعلم بالسنة بعد ابن عون من الخليل بن أحمد. وكان يقول: أكلت الدنيا بعلم الخليل بن أحمد وكتبه، وهو في خصّ لا يشعر به. وكان يحجّ سنة ويغزو سنة، وكان من الزهاد المنقطعين إلى الله تعالى. وكان يقول: إن لم تكن هذه الطائفة أولياء الله تعالى فليس لله وليّ.

وللخليل من التصانيف: كتاب الإيقاع. وكتاب الجمل. وكتاب الشواهد.

وكتاب العروض. وكتاب العين في اللغة، ويقال إنه لليث بن نصر بن سيار، عمل الخليل منه قطعة وأكمله الليث. وله كتاب فائت العين. وكتاب النغم. وكتاب النقط والشكل، وغير ذلك.

ومن شعره أيضا:

وقبلك داوى الطبيب المريضفعاش المريض ومات الطبيب
فكن مستعدا لداء الفناءفإن الذي هو آت قريب

توفي سنة ستين ومائة وقيل سبعين ومائة وله أربع وسبعون سنة.

-

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.