من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
عثمان بن عيسى بن منصور بن محمد البلطي،
أبو الفتح النحوي: هكذا ينسبونه وهو من بلد التي تقارب الموصل. ذكره العماد في «كتاب الخريدة» فقال: انتقل إلى الشام وأقام بدمشق برهة يتردد إلى الزبداني للتعليم، فلما فتحت مصر انتقل إليها فحظي بها، ورتّب له صلاح الدين يوسف بن أيوب على جامع مصر جاريا يقرىء به النحو والقرآن حتى مات بها لعشر بقين من صفر سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وهي آخر سني الغلاء الشديد بمصر، لأن أولها كان في أواخر سنة ست وأشدها في سنة سبع وأخفّها سنة تسع. وبقي البلطي في بيته ميتا ثلاثة أيام لا يعلم به أحد لاشتغالهم بأنفسهم عنه وعن غيره، وكان يحب الانفراد والوحدة، فلم يكن له من يخبر بوفاته، وكان قد أخذ النحو عن أبي نزار وأبي محمد سعيد بن المبارك بن الدهان.
قال المؤلف: لم يذكر العماد وفاته، وإنما أخبرني بوفاته وما بعده الشريف أبو
جعفر محمد بن عبد العزيز بن أبي القاسم بن عمر بن سليمان بن الحسن بن إدريس بن يحيى العالي بن علي المعتلي- وهو الخارج بالمغرب والمستولي على بلاد الأندلس- ابن حمود بن ميمون بن أحمد بن عمر بن إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵇. وأخبرني الشريف المذكور وكان من تلاميذه قال: كان البلطي رجلا طوالا جسيما طويل اللحية واسع الجبهة أحمر اللون يعتمّ بعمة كبيرة جدّا ويتطلّس بطيلسان لا على زيّ المصريين، بل يلقيه على عمامته ويرسله من غير أن يديره على رقبته، وكان يلبس في الصيف المبطّنة والثياب الكثيرة حتى يرى كأنه عدل عظيم، وكان إذا دخل فصل الشتاء اختفى حتى لا يكاد يظهر، وكان يقال له أنت في الشتاء من حشرات الأرض، وكان إذا دخل الحمام يدخل إلى داخله وعلى رأسه مزدوجة مبطّنة بقطن، فإذا حصل عند الحوض الذي فيه الماء الحارّ كشف رأسه بيده الواحدة وصبّ على رأسه الماء الحارّ الشديد الحرارة بيده الأخرى، ثم يغطيه إلى أن يملأ السطل، ثم يكشفه ويصبّ عليه، ثم يغطيه، يفعل ذلك مرارا، فإذا قيل له في ذلك قال: أخاف من الهواء.
قال الإدريسي: هذه كانت حاله في هيئته وسمته، فأما علمه فكان عالما إماما نحويّا لغويّا أخباريّا مؤرخا شاعرا عروضيّا قلّ ما سئل عن شيء من العلوم الأدبية إلا وأحسن القيام بها، وكان يخلط المذهبين في النحو ويحسن القيام بأصولهما وفروعهما، وكان مع ذلك خليعا ماجنا شرّيبا للخمر منهمكا على اللذّات.
قال الشريف الإدريسي: فحدثني الفقيه ابن أبي المالك قال: خرجت إلى بعض المتنزهات بضواحي مصر فلقيت البلطيّ مع جماعة من أهل الخلاعة، ومطرب يغنّيهم ببعض الملاهي، وهو ثمل يتمايل سكرا، فتقدمت إليه وقلت له، وكانت بيني وبينه مباسطة تقتضي ذلك، فقلت له: يا شيخ أما آن لك أن ترعوي وتقلع عن هذه الرذائل مع تقدمك في العلم وفضلك؟! فنظر إليّ شزرا ولم يكترث بقولي، وأنشدني بعد ما نتريده من يدي شعر أبي نواس:
كفيت الصبا من لا يهشّ إلى الصباوجمعت منه ما أضاع مضيع
لعمرك ما فرطت في جنب لذةولا قلت للخمار كيف تبيع
وحدثني الإدريسي قال: ومن نوادره ما أخبرني به صاحبنا الفقيه أبو الجود ندى بن عبد الغني الحنفي الأنصاري قال: حضر يوما عند البلطي بعض المطربين المحسنين فغناه صوتا أطربه به، فبكى البلطي فبكى المطرب، فقال له البلطي: أما أنا فأبكي من استفزاز الطرب، أنت ما أبكاك؟ فقال له: تذكرت والدي فإنه كان إذا سمع هذا الصوت بكى، فقال له البلطي: فأنت والله إذن ابن أخي، وخرج فأشهد على نفسه جماعة من عدول مصر بأنه ابن أخيه ولا وارث له سواه، ولم يزل يعرف بابن أخي البلطي إلى أن فرق الدهر بينهما.
وللبلطي من التصانيف: كتاب العروض الكبير في نحو ثلاثمائة ورقة. كتاب العروض الصغير. كتاب العظات الموقظات. [كتاب النير في العربية. كتاب أخبار المتنبي. كتاب المستزاد على المستجاد من فعلات الأجواد]. كتاب علم أشكال الخط. كتاب التصحيف والتحريف. كتاب تعليل العبادات.
قال العماد في «كتاب الخريدة»: وللبلطي موشحة عملها في القاضي الفاضل بديعة مليحة سلك فيها طريق المغاربة وحافظ فيها على أحرف الغين والضاد والذال والظاء، وصرّع التوشيح، وهي:
ويلاه من روّاغبجوره يقضي
ظبي بني يزداذمنه الجفا حظّي
قد زاد وسواسيمذ زاد في التيه
لم يلق في الناسما أنا لاقيه
من قيّم قاسيبالهجر يغريه
أروم إيناسيبه ويثنيه
إذا وصال ساغبقربه يرضي
أبعده الأستاذلا حيط بالحفظ
وكلّ ذا الوجدبطول إيراقه
مضرج الخدّمن دم عشّاقه
مصارع الأسدفي لحظ أحداقه
لو كان ذا ودّرقّ لعشاقه
شيطانه النزاغعلّمه بغضي
واستحوذ استحواذبقلبه الفظّ
دع ذكره واذكرخلاصة المجد
الفاضل الأشهربالعلم والزهد
والطاهر المئزروالصادق الوعد
وكيف لا أشكرمولى له عندي
نعمى لها إسباغصائنة عرضي
من كفّ كاس غاذوالدهر ذو عظّ
منة مستبقيضاق بها ذرعي
قد أفحمت نطقيواستنفدت وسعي
وملكت رقيلمكمل الصّنع
دافع عن رزقيفي موطن الدفع
لما سعى إيتاغدهري في دحضي
أنقذني إنقاذمن همّه حفظي
ذو المنطق الصائبفي حومة الفصل
ذكاؤه الثاقبيجلّ عن مثل
فهو الفتى الغالبكلّ ذوي النبل
من عمرو والصاحبومن أبو الفضل
لا يستوي الافراغبواحد الأرض
أين من الآزاذنفاية المظّ
يا أيها الصدرفتّ الورى وصفا
قد مسني الضرّوالحال ما تخفى
وعبدك الدهريسومني الخسفا
وليس لي عذرما دمت لي كهفا
من صرف دهر طاغأنّى له أغضي
من بك أمسى عاذلم يخش من بهظ
قد كنت ذا إنفاقأيام ميسوري
فعيل لما ضاقرزقي تدبيري
والعسر بي قد حاقعقيب تبذيري
يا قاسم الأرزاقفارث لتقتيري
لا زلت كهف الباغودمت في خفض
أمرك للانفاذوالسعد في لظّ
ومن جيد شعر البلطي:
دعوه على ضعفي يجور ويشتطّفما بيدي حلّ لذاك ولا ربط
ولا تعتبوه فالعتاب يزيدهملالا وإني لي اصطبار إذا يسطو
فما الوعظ فيه والعتاب بنافعوان يشرط الإحسان لا ينفع الشرط
ولما تولّى معرضا بجنابهوبان لنا منه الاساءة والسخط
بكيت دما لو كان ينفعني البكاومزقت ثوب الصبر لو نفع العطّ
تنازعت الآرام والدرّ والمهالها شبها والغصن والبدر والسقط
فللرئم منه اللحظ واللون والطلىوللدرّ منه اللفظ والثغر والخطّ
وللغصن منه القدّ والبدر وجههوعين المها عين بها أبدا يسطو
وللسقط منه ردفه فإذا مشىبدا خلفه كالموج يعلو وينحطّ
قال العماد الكاتب وأنشدني البلطي لنفسه:
حكّمته ظالما في مهجتي فسطاوكان ذلك جهلا شبته بخطا
هلا تجنبته والظلم شيمتهولا أسام به خسفا ولا شططا
ومن أضلّ هدى ممن رأى لهبافخاض فيه وألقى نفسه وسطا
ويلاه من تائه أفعاله صلفملوّن كلّما أرضيته سخطا
أبثّه ولهي صدقا ويكذبنيوعدا وأقسط عدلا كلما قسطا
وله في القاضي الفاضل وكان قد أسدى إليه معروفا من قصيدة:
لله عبد رحيميدعى بعبد الرحيم
على سراط سويّمن الهدى مستقيم
نسك ابن مريم عيسىوهدي موسى الكليم
رأى التهجد أنسافي جنح ليل بهيم
مسهّد الطرف يتلوآي القران العظيم
ومن أطبع ما قاله في طبيب، وكان ابن عمه:
لي ابن عمّ حوى الجهالةللحكمة أضحى يطبّ في البلد
قد اكتفى مذ نشا به ملك الموت فما إن يبقي على أحد
تجسّ نبض المريض منه يدأسلم منها براثن الأسد
يقول لي الناس خلّه عضدافقلت يا ليتني بلا عضد
ومن شعره في غلام أعرج:
أنا يا مشتكي القزلمنك في قلبي الشّعل
أصبح الجسم ناحلابك والقلب مشتغل
دلّني قد عدمت صبري وضاقت بي الحيل
آن أن تجفو الجفاء وان تملل الملل
وقال عثمان بن عيسى بن منصور البلطي، وسئل أن يعمل على وزن بيتي الحريري اللذين وصفهما فقال: «اسكتا كل نافث. وأمنا أن يعززا بثالث»، وهو:
سم سمة تحمد آثارهاواشكر لمن أعطى ولو سمسمه
فقال:
محلمة العاقل عن ذي الخناتوقظه إن كان في محلمه
مكلمة الخائض في جهلهلقلب من يردعه مكلمه
مهدمة العمر لحرّ إذاأصبح بين الناس ذا مهدمه (الثياب الخلقة
محرمة الملحف أولى بهإياك ان ترعى له محرمه (أي حرمة
مسلمة يمنعها غاصبحقّا فأمسى جوره مسلمه (أي خاذله
مظلمة يفعلها عامداتلقيه يوم الحشر في مظلمه (أراد قوله للظالم
ظلمات يوم القيامة)
أعلمه الحسن فيا ليت منأغراه [بالجفوة] بي أعلمه
(من العلامة)
من دمه أهدره الحبّ لاغرو إذا حلّت به مندمه
أسلمه الحبّ إلى هلكهفإن نجا منه فما أسلمه
أشأمه البين وقد أعرقواأفّ لهذا البين ما أشأمه
مكتمة الأحزان في أدمعييبدو نصول الشيب من مكتمه
(من الكتم الذي يصبغ به الشعر)
محرمة الدهر أفيقي ففيذرى جمال الدين لي محرمه (الاحترام
مقسمة الارزاق في كفّهأبلج زانت وجهه مقسمه
وهي خمسون بيتا هذا أنموذجها.
وقال على مثال أبيات الحريري التي أولها:
أس أرملا إذا عراوارع إذا المرء أسا
فقال:
اسع لا بقاء سناأنسأ قبّا لعسا
(السناء: الشرف وقصره ضرورة، انسأ: أخّر، القبّ الضوامر البطون، واللعس: العذبات الأرياق، أي أخر عنه محبة هذا الشرف هذه النسوة الموصوفات).
اسخ بمولى عرددرعاء لوم بخسا
(المولى ابن العم)
أسد ندى عفّ نمامنّ فعاد ندسا
(أسد: أعط، والندس: الجميل الأخلاق).
اسمح بصدّ ناعممعاند صبح مسا
(يقول: إذا كان لك حبيب ناعم حسن وكان كثير الخلاف فلتسمح نفسك به وبالبعد عنه):
اسمر تيّمك آساياسا كميت رمسا
(يقول: بلغ من حالك أن تترك الأسمر، اذ لو كان غير الأسمر كنت معذورا كأنه يستقبح السمر أي آس منه إياسا وعدّه ميتا في رمسه، وسكن تيّمك ضرورة كقوله:
شكونا إليه خراب القرىفحرّم علينا لحوم البقر
وله أبيات يحسن في قوافيها الرفع والنصب والخفض:
إني امرؤ لا يطبيني الشادن الحسن القوام
(ما) رفع القوام بالحسن صفة مشبهة باسم الفاعل والتقدير الحسن قوامه كما تقول مررت بالرجل الحسن وجهه، ونصبه على الشبه بالمفعول به، وخفضه بالاضافة.
فارقت شرة عيشتىإذ فارقتني والعرام
(ما) رفع العرام لأنه عطف على الضمير في فارقتني، ونصبه عطفا على شرة، وخفضه عطفا على عيشتى.
لا أستلذ بقينةتشدو لديّ ولا غلام
(ما) رفعه عطفا على الضمير في تشدو، ونصبه بلا، وخفضه عطفا على قينة.
ذو الحزن ليس يسرّهطيب الأغاني والمدام
(ما) رفعه عطفا على طيب، ونصبه بأن يجعل الواو بمعنى مع، وخفضه عطفا على الأغاني.
أمسي بدمع سافحفي الخد منسكب سجام
(ما)
رفعه باضمار هو، ونصبه باضمار فعل، وجرّه نعتا للدمع.
همّ أرى في بثّهذلّا وملء فمي لجام
(ما) ملء فمي لجام مبتدأ وخبر، ونصبه باضمار أرى دلت عليه أرى الأولى، وجره بالاضافة.
قدر عليّ محتّممن فوق يأتي أو أمام
(ما) مبنيّ على الضم، ونصبه بجعله نكرة ويكون ظرفا، وجره بالإضافة.
لا يستفيق القلب منكمد يلاقي أو غرام
(ما) غرام خبر مبتدأ محذوف، والنصب جعله مفعولا ليلاقي، وخفضه على كمد
كم حاسدين معاندين غدوا عليّ وكم لئام
(ما) كم تنصب وتخفض، ورفعه كأنه قال: مرّ وغدا عليّ لئام
إني أرى العيش الخمول وصحبة الأشرار ذام
(ما) صحبة الأشرار مبتدأ وخبر، ويجوز نصبها عطفا على ما تقدم.
في غفلة أيقاظهمعن سؤدد بله النيام
(ما) بله لفظة معناها دع وتكون بمعنى كيف ويرتفع ما بعدها، وتكون كالمصدر فيخفض بها، والنصب لأنها بمعنى دع.
ربّ امرىء عاينتهلهجا بسبّي مستهام
(ما) مستهام منصوب بعاينته، ورفعه على موضع ربّ لأن رب وما يدخل عليه في موضع رفع، وخفضه نعتا لامرىء.
عين العدو غدوت مضطرّا بصحبته اسام
(ما) أسامي أفاعل من المساماة، وأسام اتكلف من قوله سمته الخسف، وأساما أفاعل من المساماة أيضا.
مالي وللحمق الأثييم الجاهل الفدم العبام
(ما)
رفعه باضمار مبتدأ، ونصبه باضمار اعني.
إنّ المموّه عند فدم الناس يعلو والطغام
(ما) رفعه عطفا على موضع إنّ، ونصبه عطفا على المموه، وخفضه عطفا على فدم.
وأعيش فيهم اذ بلوتهم وقد جهلوا الأنام
(ما) البدل من الواو في جهلوا ويكون فاعلا في لغة من قال أكلوني البراغيث، ونصبه على البدل من الضمير في بلوتهم، وجره بدلا من الهاء في فيهم.
حتى متى شكوى أخي البثّ الكئيب المستضام (ما) رفعه بتقدير أن يشكو المستضام لأن شكوى مصدر وأخي البث في موضع رفع المستضام ورفع أخي البث على الموضع، ونصبه على أن يكون مشكوّا، وخفضه نعتا للكئيب.
ما من جوى الا تضمنه فؤادي أو سقام
(ما) رفعه عطفا على موضع من جوى، وجره على لفظة جوى، ونصبه عطفا على الضمير في تضمنه.
ليس الحياة شهيّةلي في الشقاء ولا مرام
(ما) رفعه بلا ولا، ونصبه بلا أيضا، وجره على شهيّة بتقدير الباء كأنه قال بشهية كما أنشد سيبويه:
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرةولا ناعب إلا ببين غرابها
(اراد بمصلحين)
وكرهت في الدنيا البقاء وقد تنكّد والمقام
(ما) رفعه على الضمير في تنكد، ونصبه عطفا على البقاء، وجره بالقسم.
ما في الورى من مكرملذوي العلوم ولا كرام
(ما)
جره على لفظ مكرم
(بفتح الميم).
إني وددت وقد سئمتالعيش لو يدنو حمام
(ما) رفعه بالفاعل، ونصبه بوددت، وجره بالاضافة.
وقال أيضا أبياتا حصر قوافيها ومنع أن يزاد فيها:
بأبي من تهتكي فيه صونربّ واف لغادر فيه خون
بين ذلّ المحبّ في طاعة الحبّوعزّ الحبيب يا قوم بون
اين مضنى يحكي البهارة لونامن غرير له من الورد لون
لي حبيب ساجي اللواحظ أحوىمترف زانه جمال وصون
يلبس الوشي والقباطيّ جونفوق جون ولون حالي جون
إن رماني دهري فإن جمالالدين ركني وجوده لي عون
عنده للمسيء صفح وللأسرارمستودع وللمال هون
زانه نائل وحلم وعدلووفاء جمّ ورفق وأون
أنا في ربعه الخصيب مقيملي من جوده لباس ومون
لا أزال الإله عنه نعيماوسرورا ما دام للخلق كون
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع