تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

، أبو الحسن: أصلهم من ساوة، وهم أولاد التجار، وكانا أخوين: علي هذا وعبد الرحمن، وكلّ قد روى العلم وحدث.

ذكرهما عبد الغافر بن إسماعيل في «السياق» قال: مات أبو الحسن عليّ الواحدي سنة ثمان وستين وأربعمائة، ومات أخوه عبد الرحمن سنة سبع وثمانين

وأربعمائة كلاهما بنيسابور.

قال عبد الغافر: فأما أبو الحسن فهو الامام المصنف المفسر النحوي أستاذ عصره وواحد دهره، أنفق صباه وأيام شبابه في التحصيل، فأتقن الأصول على الأئمة، وطاف على أعلام الأمة، فتلمذ لأبي الفضل العروضي الأديب، وقرأ النحو على أبي الحسن الضرير القهندزي، وسافر في طلب الفوائد، ولازم مجالس الثعالبي في تحصيل التفسير، وأدرك الزيادي وأكثر عن أصحاب الأصم. وأخذ في التصنيف فجمع كتاب الوجيز. وكتاب الوسيط. وكتاب البسيط، كلّ في تفسير القرآن المجيد، وأحسن كل الاحسان في البحث والتنقير. وله كتاب أسباب النزول»

. وكتاب الدعوات والمحصول. وكتاب المغازي. وكتاب شرح [ديوان] المتنبي. وكتاب الإغراب في الاعراب في النحو. وكتاب تفسير النبي ﷺ. وكتاب نفي التحريف عن القرآن الشريف.

وقعد للافادة والتدريس سنين، وتخرج به طائفة من الأئمة سمعوا منه وقرأوا عليه وبلغوا محلّ الافادة. وعاش سنين ملحوظا من النظام وأخيه بعين الاعزاز والاكرام، وكان حقيقا بكلّ احترام وإعظام، لولا ما كان فيه من غمزه وإزرائه على الأئمة المتقدمين، وبسطه اللسان فيهم بغير ما يليق بمناصبهم، عفا الله عنا وعنه. قال عبد الغافر: وأجاز لي جميع مسموعاته.

ذكره الحسن بن المظفر النيسابوري فقال: أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري هو الذي قيل فيه:

قد جمع العالم في واحدعالمنا المعروف بالواحدي

قال: ومن غرر شعره:

أيا قادما من طوس أهلا ومرحبابقيت على الأيام ما هبّت الصّبا
للشاعر أبو الحسن على الواحدي، من قصيدة «أيا قادماً من طوس أهلاً ومرحباً»
لعمري لئن أحيا قدومك مدنفابحبّك صبا في هواك معذبا
للشاعر أبو الحسن على الواحدي، من قصيدة «أيا قادماً من طوس أهلاً ومرحباً»
يظلّ أسير الوجد نهب صبابةويمشي على جمر الغضا متقلبا
للشاعر أبو الحسن على الواحدي، من قصيدة «أيا قادماً من طوس أهلاً ومرحباً»
فكم زفرة قد هجتها لو زفرتهاعلى سدّ ذي القرنين أمسى مذوّبا
للشاعر أبو الحسن على الواحدي، من قصيدة «أيا قادماً من طوس أهلاً ومرحباً»
وكم لوعة قاسيت يوم تركتنيألاحظ منك البدر حين تغيبا
للشاعر أبو الحسن على الواحدي، من قصيدة «أيا قادماً من طوس أهلاً ومرحباً»
وعاد النهار الطّلق أسود مظلماوعاد سنا الإصباح بعدك غيهبا
للشاعر أبو الحسن على الواحدي، من قصيدة «أيا قادماً من طوس أهلاً ومرحباً»
وأصبح حسن الصبر عنّي ظاعناوحدّد نحوي البين نابا ومخلبا
للشاعر أبو الحسن على الواحدي، من قصيدة «أيا قادماً من طوس أهلاً ومرحباً»
فأقسم لو أبصرت طرفي باكيالشاهدت دمعا بالدماء مخضبا
للشاعر أبو الحسن على الواحدي، من قصيدة «أيا قادماً من طوس أهلاً ومرحباً»
مسالك لهو سدّها الوجد والجوىوروض سرور عاد بعدك مجدبا
للشاعر أبو الحسن على الواحدي، من قصيدة «أيا قادماً من طوس أهلاً ومرحباً»
فداؤك روحي يا ابن أكرم والدويا من فؤادي غير حبّيه قد أبى

وأنشد له:

تشوّهت الدنيا وأبدت عوارهاوضاقت عليّ الأرض بالرّحب والسعه
للشاعر أبو الحسن على الواحدي، من قصيدة «تشوهت الدنيا وأبدت عوارها»
وأظلم في عيني ضياء نهارهالتوديع من قد بان عني بأربعه
للشاعر أبو الحسن على الواحدي، من قصيدة «تشوهت الدنيا وأبدت عوارها»
فؤادي وعيشي والمسرة والكرىفإن عاد عاد الكلّ والأنس والدعه
للشاعر أبو الحسن على الواحدي، من قصيدة «تشوهت الدنيا وأبدت عوارها»

وقال أبو الحسن الواحدي في مقدمة «البسيط»: وأظنّني لم آل جهدا في إحكام أصول هذا العلم على حسب ما يليق بزماننا هذا وتسعه سنو عمري على قلة أعدادها، فقد وفق الله وله الحمد حتى اقتبست كلّ ما احتجت إليه في هذا الباب من مظانّه، وأخذته من معادنه. أما اللغة فقد درستها على الشيخ أبي الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله بن يوسف العروضي ﵀، وكان قد خنّق التسعين في خدمة الأدب، وأدرك المشايخ الكبار وقرأ عليهم وروى عنهم، كأبي منصور الأزهري روى عنه «كتاب التهذيب» وغيره من الكتب، وأدرك أبا العباس العامري وأبا القاسم الأسدي

وأبا نصر طاهر بن محمد الوزيري وأبا الحسن الرخّجي، وهؤلاء كانوا فرسان البلاغة وأئمة اللغة، وسمع أبا العباس الأصمّ وروى عنه، واستخلفه الأستاذ أبو بكر الخوارزمي على درسه عند غيبته، وله المصنفات الكبار والاستدراكات على الفحول من العلماء باللغة والنحو، وكنت قد لازمته سنين أدخل عليه عند طلوع الشمس وأخرج لغروبها، أسمع وأقرأ وأعلّق وأحفظ وأبحث وأذاكر أصحابه ما بين طرفي النهار.

وقرأت عليه الكثير من الدواوين واللغة حتى عاتبني شيخي ﵀ يوما وقال: إنك لم تبق ديوانا من الشعر إلا قضيت حقه، أما آن لك أن تتفرّغ لتفسير كتاب الله العزيز تقرأه على هذا الرجل الذي يأتيه البعداء من أقصى البلاد وتتركه أنت على قرب ما بيننا من الجوار- يعني الأستاذ الامام أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، فقلت: يا أبت إنما أتدرج بهذا إلى ذلك الذي تريد، وإذا لم أحكم الأدب بجدّ وتعب، لم أرم في غرض التفسير من كثب، ثم لم أغبّ زيارته يوما من الأيام، حتى حال بيننا قدر الحمام.

وأما النحو فإني لما كنت في ميعة صباي وشرخ شبيتي وقعت إلى الشيخ أبي الحسن علي بن محمد بن إبراهيم الضرير، وكان من أبرع أهل زمانه في لطائف النحو وغوامضه، وأعلمهم بمضايق طرق العربية وحقائقها، ولعله تفرّس فيّ وتوسّم الخير لديّ، فتجرّد لتخريجي، وصرف وكده إلى تأديبي، ولم يدّخر عني شيئا من مكنون ما عنده حتى استأثرني بأفلاذه، وسعدت به أفضل ما سعد تلميذ بأستاذه، وقرأت عليه جوامع النحو والتصريف والمعاني، وعلقت عنه قريبا من مائة جزء في المسائل المشكلة، وسمعت منه أكثر مصنفاته في النحو والعروض والعلل، وخصّني بكتابه الكبير في «علل القراءة المرتبة في كتاب الغاية» لابن مهران. ثم ورد علينا الشيخ أبو عمران المغربي المالكي، وكان واحد دهره وباقعة عصره في علم النحو، لم يلحق أحد ممن سمعنا شأوه في معرفة الاعراب، ولقد صحبته مدة في مقامه عندنا حتى استنزفت غرر ما عنده.

وأما القرآن وقراءات أهل الأمصار واختيارات الأئمة فإني اختلفت إلى الأستاذ أبي القاسم علي بن أحمد البستي ﵀، وقرأت عليه القرآن ختمات كثيرة لا تحصى، حتى قرأت عليه أكثر طريقة الأستاذ أبي بكر أحمد بن الحسين بن مهران،

ثم ذهبت إلى الامامين أبي عثمان سعيد بن محمد الحيري وأبي الحسن علي بن محمد الفارسي، وكانا قد انتهت إليهما الرياسة في هذا العلم وأشير إليهما بالأصابع في علوّ السن ورؤية المشايخ وكثرة التلامذة وغزارة العلوم وارتفاع الأسانيد والوثوق بها، فقرأت عليهما وأخذت من كلّ واحد منهما حظا وافرا بعون الله وحسن توفيقه. وقرأت على الأستاذ سعيد مصنفات ابن مهران، وروى لنا كتب أبي علي الفسوي عنه، وقرأت عليه بلفظي كتاب الزجاج بحقّ روايته عن ابن مقسم عنه، وسمع بقراءتي الخلق الكثير. ثم فرغت للأستاذ أبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي ﵀ وكان حبر العلماء بل بحرهم، ونجم الفضلاء بل بدرهم، وزين الأئمة بل فخرهم، وأوحد الأمة بل صدرهم. وله التفسير الملقب ب «الكشف والبيان عن تفسير القرآن» الذي رفعت به المطايا في السهل والأوعار، وسارت به الفلك في البحار، وهبت هبوب الريح في الأقطار:

فسار مسير الشمس في كلّ بلدةوهبّ هبوب الريح في البرّ والبحر
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

وأصفقت عليه كافّة الأمة على اختلاف نحلهم، وأقرّوا له بالفضيلة في تصنيفه ما لم يسبق إلى مثله، فمن أدركه وصحبه علم أنه منقطع القرين، ومن لم يدركه فلينظر في مصنفاته ليستدلّ بها أنه كان بحرا لا ينزف، وغمرا لا يسبر. وقرأت عليه من مصنفاته أكثر من خمسمائة جزء منها تفسيره الكبير وكتابه المعنون ب «الكامل في علم القرآن» وغيرهما.

ولو أثبتّ المشايخ الذين أدركتهم واقتبست عنهم هذا العلم من مشايخ نيسابور وسائر البلاد التي وطئتها طال الخطب، وملّ الناظر. وقد استخرت الله العظيم في جمع كتاب أرجو أن يمدّني الله فيه بتوفيقه مشتمل على ما نقمت على غيري إهماله، ونعيت عليه إغفاله، لا يدع لمن تأمله حارّة في صدره حتى يخرجه عن ظلمة الريب والتخمين، إلى نور العلم واليقين، هذا بعد أن يكون المتأمل مرتاضا في صنعة الأدب والنحو، مهتديا بطرق الحجاج، قارحا في سلوك المنهاج، فأما الجذع المرخى من المقتبسين، والريّض الكزّ من المبتدئين، فإنه مع هذا الكتاب كمزاول غلقا ضاع

عنه المفتاح، ومتخبط في ظلماء ليل خانه المصباح:

يحاول فتق غيم وهو يأبىكعنّين يريد نكاح بكر

ثم قال بعد كلام: ثم إن هذا الكتاب عجالة الوقت، وقبسة العجلان، وتذكرة يستصحبها الرجل حيث حلّ وارتحل، وان أنسىء الأجل، وأرخي الطّول، وأنظرني الليل والنهار، حتى يتلفع بالمشيب العذار، أردفته بكتاب أنضجه بنار الرويّة، وأردّده على رواق الفكرة، وأضمنه عجائب ما كتبته ولطائف ما جمعته، وعلى الله المعوّل في تيسير ما رمت، وله الحمد كلما قعدت أو قمت.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.