تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

علي بن أبي طالب أمير المؤمنين

صلوات الله عليه وسلامه، واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب، واسم عبد المطلب عامر وهو شيبة الحمد لقب له، ابن هاشم واسمه عمرو بن عبد مناف وهو المغيرة، ابن قصي واسمه زيد بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف: أخباره ﵇ كثيرة وفضائله شهيرة إن تصدينا لاستيعابها وانتخاب مستحسنها كانت أكبر حجما من جميع كتابنا هذا. مات صلوات الله عليه يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة أربعين للهجرة، وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر، ومدة عمره فيها خلاف على ما نذكره فيما بعد، ولا بد من ذكر جمل من أمره على سبيل التاريخ يستدل بها على مجاري أموره، ونتبعها بذكر ولده ومن أعقب منهم ومن لم يعقب، وذكر شيء مما صح من شعره وحكمه.

وكان ﵇ أول من وضع النحو وسن العربية، وذلك أنه مرّ برجل يقرأ إن الله بريء من المشركين ورسوله بكسر اللام، فوضع النحو وألقاه إلى أبي الأسود الدئلي، وقد استوفينا خبر ذلك في باب أبي الأسود.

قرأت بخط أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري اللغوي في «كتاب التهذيب» له قال أبو عثمان المازني: لم يصحّ عندنا أن علي بن أبي طالب ﵇ تكلم من الشعر بشيء غير هذين البيتين:

تلكم قريش تمنّاني لتقتلنيفلا وجدك ما برّوا ولا ظفروا
فإن هلكت فرهن ذمّتي لهمبذات روقين لا يعفو لها أثر

قال ويقال داهية ذات روقين وذات ودقين إذا كانت عظيمة.

كان قد بويع له يوم قتل عثمان بن عفان ﵁ ثم كانت وقعة الجمل بعد ذلك بخمسة أشهر وأحد وعشرين يوما، وعدة من قتل في وقعة الجمل ثمانية آلاف، منهم من الأزد خاصّة أربعة آلاف، ومن ضبة الف ومائة، وباقيهم من سائر الناس، وقيل أقل من ذلك، ومن أصحاب علي صلوات الله عليه نحو الف، وكانت الوقعة لعشر خلون من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين، وكان بين وقعة الجمل والتقائه مع معاوية بصفين سبعة أشهر وثلاثة عشر يوما، وكان أول يوم وقعت الحرب بينهم بصفين غرة صفر سنة سبع وثلاثين، واختلف في عدة أصحابهما فقيل كان علي في تسعين ألفا وكان معاوية في مائة وعشرين ألفا، وقيل كان معاوية في تسعين ألفا وعلي ﵇ في مائة وعشرين ألفا، وهذا أولى بالصحة. وقتل بصفين سبعون ألفا من أصحاب علي ﵇: خمسة وعشرون ألفا منهم خمسة وعشرون من الصحابة، وقتل من أصحاب معاوية خمسة وأربعون ألفا، وقيل غير ذلك. وكان المقام بصفين مائة يوم وعشرة أيام، وكانت الوقائع تسعين وقعة. وبين وقعة صفين والتقاء الحكمين وهما أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص بدومة الجندل خمسة أشهر وأربعة وعشرون يوما، وبين التقائهما وخروج علي ﵇ إلى الخوارج بنهروان وقتله إياهم سنة وشهران، وكان الخوارج أربعة آلاف عليهم عبد الله بن وهب الراسبي من الأزد، وليس براسب بن جرم بن زبان، وليس في العرب غيرهما. فلما نزل علي عليه السلام

تفرقوا فبقي منهم ألف وثمانمائة، وقيل ألف وخمسمائة، فقتلوا إلا نفرا يسيرا. وكان سبب تفرق الخوارج عنه أنهم تنازعوا عند الاحاطة بهم فقالوا: أسرعوا الروحة إلى الجنة، فقال عبد الله بن وهب: ولعلها إلى النار، فقال من فارقه: ترانا نقاتل مع رجل شاكّ؟! وبين خروجه إلى الخوارج وقتل ابن ملجم لعنه الله تعالى له سنة وخمسة أشهر وخمسة أيام.

واختلف في مدة عمره فقال قوم: إنه استشهد وله ثمان وستون سنة في قول من يذهب إلى أنه أسلم وله خمس عشرة سنة، وقيل ست وستون، وهو قول من يذهب إلى أنه أسلم وله ثلاث عشرة سنة، وقيل ثلاث وستون وهو قول من يرى أنه أسلم وله عشر سنين، وقيل ثمان وخمسون وهو قول من زعم أنه أسلم وله خمس سنين، وهذا أقل ما قيل في مقدار عمره.

واختلف في موضع قبره فقيل بالغري، وهو الموضع المشهور اليوم، وقيل بمسجد الكوفة، وقيل برحبة القصر بها، وقيل حمل إلى المدينة فدفن مع فاطمة صلوات الله عليهما وسلامه.

وكان أسمر عظيم البطن أصلع أبيض الرأس واللحية أدعج عظيم العينين، ليس بالطويل ولا القصير، تملأ لحيته صدره لا يغيّر شيبه، وكان له من البنين أحد عشر:

الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية، وأمه خولة بنت جعفر سبية، وعمر، أمه أم حبيب الصهباء بنت ربيعة تغلبية، والعباس، أمه أم البنين بنت حزام بن خالد من بني عامر بن صعصعة، وعبد الله يكنى أبا بكر، وعثمان وجعفر ومحمد الأصغر، وقيل هو الذي يكنى أبا بكر، وعبيد الله ويحيى. المعقبون منهم خمسة: الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية وعمر والعباس ﵈. وله من البنات ست عشرة منهن زينب وأم كلثوم التي تزوجها عمر بن الخطاب، وأمهما فاطمة بنت رسول الله ﷺ. فالعقب للحسن بن علي ﵉ من زيد والحسن، والعقب لزيد من الحسن بن زيد، والعقب للحسن بن الحسن من جعفر وداود وعبد الله والحسن وإبراهيم، والعقب للحسين ﵇ من علي الأصغر بن الحسين،

والعقب لعلي بن الحسين من محمد وعبد الله وعمر وزيد والحسين بني علي ﵈. والعقب لمحمد بن الحنفية من جعفر وعلي وعون وإبراهيم، والعقب لجعفر بن محمد من عبد الله، ولعلي بن محمد من عون، ولعون بن محمد ولإبراهيم بن محمد. فأما أبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، وهو أكبر ولده، فقد ظنّ قوم أنه أعقب وليس الأمر كذلك. والعقب لعمر بن علي بن أبي طالب من محمد بن عمر، والعقب لمحمد بن عمر لعمر ولعبد الله وجعفر. والعقب للعباس من عبيد الله بن العباس، والعقب لعبيد الله من الحسين وعبد الله عليهم الصلاة والسلام أجمعين.

ومما يروى أن معاوية كتب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇:

إن لي فضائل، كان أبي سيدا في الجاهلية، وصرت ملكا في الإسلام، وأنا صهر رسول الله ﷺ وخال المؤمنين وكاتب الوحي. فقال أمير المؤمنين ﵇ أبا الفضائل تفتخر عليّ يا ابن آكلة الأكباد؟! اكتب إليه يا غلام:

محمد النبيّ أخي وصهريوحمزة سيد الشهداء عمّي
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «محمد النبي أخي وصهري»
وجعفر الذي يضحي ويمسييطير مع الملائكة ابن أمي
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «محمد النبي أخي وصهري»
وبنت محمد سكني وعرسيمشوب لحمها بدمي ولحمي
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «محمد النبي أخي وصهري»
وسبطا أحمد ولداي منهافأيكم له سهم كسهمي
سبقتكم إلى الإسلام طرّاصغيرا ما بلغت أوان حلمي

فقال معاوية: اخفوا هذا الكتاب لا يقرأه أهل الشام فيميلوا إلى ابن أبي طالب.

قرأت في «كتاب الأمالي» لأبي القاسم الزجاجي قال حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن رستم الطبري صاحب أبي عثمان المازني قال حدثنا أبو حاتم

السجستاني عن يعقوب بن إسحاق الحصرمي قال حدثنا سعيد بن سلم الباهلي قال حدثني أبي عن جدي عن أبي الأسود الدئلي، أو قال عن جدي عن ابن أبي الأسود الدئلي عن أبيه قال: دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ فرأيته مطرقا مفكّرا فقلت: فيم تفكر يا أمير المؤمنين؟ قال: إني سمعت ببلدكم هذا لحنا فأردت أن أضع كتابا في أصول العربية، فقلت: إن فعلت هذا يا أمير المؤمنين أحييتنا وبقيت فينا هذه اللغة، ثم أتيته بعد أيام فألقى إليّ صحيفة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم الكلام كله اسم وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل، ثم قال لي: تتبعه وزد فيه ما وقع لك، واعلم يا أبا الأسود أن الأشياء ثلاثة ظاهر ومضمر وشيء ليس بظاهر ولا مضمر. قال: فجمعت منه أشياء وعرضتها عليه، وكان من ذلك حروف النصب فكان منها إنّ وأنّ وليت ولعل وكأنّ ولم أذكر لكن، فقال لي: لم تركتها؟

فقلت: لم أحسبها منها فقال: بل هي منها فزدها فيها.

قال أبو القاسم قوله ﵇ الأشياء ثلاثة ظاهر ومضمر وشيء ليس بظاهر ولا مضمر فالظاهر رجل وفرس وزيد وعمرو وما أشبهه، والمضمر نحو أنا وأنت والتاء في فعلت والياء في غلامي والكاف في ثوبك وما أشبه ذلك، وأما الشيء الذي ليس بظاهر ولا مضمر فالمبهم نحو هذا وهذه وهاتا وتا ومن وما والذي وأي وكم ومتى وأين وما أشبه ذلك.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.