من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
علي بن عبد العزيز بن الحسن بن علي
بن إسماعيل الجرجاني أبو الحسن، قاضي الري في أيام الصاحب ابن عباد: وكان أديبا أريبا كاملا، مات بالريّ يوم الثلاثاء لست بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة وهو قاضي القضاة بالري حينئذ. وذكره الحاكم في «تاريخ نيسابور» وقال: ورد نيسابور سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة مع أخيه أبي بكر، وأخوه إذ ذاك فقيه مناظر، وأبو الحسن قد ناهز الحلم، فسمعا معا الحديث الكثير ولم يزل أبو الحسن يتقدم إلى أن ذكر في الدنيا.
وحمل تابوته إلى جرجان فدفن بها وصلّى عليه القاضي أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد، وحضر جنازته الوزير الخطير أبو علي القاسم بن علي بن القاسم وزير مجد الدولة وأبو الفضل العارض راجلين، ووقع الاختيار بعد موته على أبي موسى عيسى بن أحمد الديلمي فاستدعي من قزوين وولي قضاء القضاة بالري.
وله يقول الصاحب ابن عباد وقد أنشأ عهدا للقاضي عبد الجبار على قضاء الريّ:
إذا نحن سلّمنا لك العلم كلّهفدعنا وهذي الكتب نحسن صدورها
فانهم لا يرتضون مجيئنابجزع إذا نظّمت أنت شذورها
وكان الشيخ عبد القاهر الجرجاني قد قرأ عليه واغترف من بحره، وكان إذا ذكره في كتبه تبخبخ به وشمخ بأنفه بالانتماء إليه.
وطوّف في صباه البلاد وخالط العباد، واقتبس العلوم والآداب، ولقي مشايخ وقته وعلماء عصره، وله رسائل مدوّنة وأشعار مفننة، وكان جيد الخط مليحه يشبّه بخطّ ابن مقلة.
ومن شعره:
أفدي الذي قال وفي كفّهمثل الذي أشرب من فيه
الورد قد أينع في وجنتيقلت فمي باللثم يجنيه
ومنه:
يقولون لي فيك انقباض وإنمارأوا رجلا عن موقف الذلّ أحجما
أرى الناس من داناهم هان عندهمومن أكرمته عزة النفس أكرما
وما زلت منحازا بعرضي جانبامن الذمّ أعتدّ الصيانة مغنما
إذا قيل هذا مشرب قلت قد أرىولكنّ نفس الحرّ تحتمل الظما
وما كلّ برق لاح لي يستفزّنيولا كلّ أهل الأرض أرضاه منعما
ولم أقض حقّ العلم إن كان كلّمابدا طمع صيرته لي سلما
ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتيلأخدم من لاقيت لكن لأخدما
أأشقى به غرسا وأجنيه ذلةإذن فابتياع الجهل قد كان أحزما
ولو أن أهل العلم صانوه صانهمولو عظّموه في النفوس تعظّما
ولكن أذا لوه جهارا ودنّسوامحياه بالأطماع حتى تجهما
ومنه:
وقالوا اضطرب في الأرض فالرزق واسعفقلت ولكن مطلب الرزق ضيّق
إذا لم يكن في الأرض حرّ يعيننيولم يك لي كسب فمن أين أرزق
ومنه:
أحبّ اسمه من أجله وسميّهويتبعه في كلّ أخلاقه قلبي
ويجتاز بالقوم العدى فأحبهموكلّهم طاوي الضمير على حربي
ومنه:
قد برح الشوق بمشتاقكفأوله أحسن أخلاقك
لا تجفه وارع له حقّهفانه خاتم عشاقك
وللقاضي عدة تصانيف منها: كتاب تفسير القرآن المجيد. كتاب تهذيب التاريخ. كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه، وفي هذا الكتاب يقول بعض أهل نيسابور:
أيا قاضيا قد دنت كتبهوان أصبحت داره شاحطه
كتاب الوساطة في حسنهلعقد معاليك كالواسطه
ومن شعره:
ما تطعمت لذة العيش حتىصرت للبيت والكتاب جليسا
ليس شيء أعز عندي من العلم فلم أبتغي سواه أنيسا
إنما الذلّ في مخالطة الناس فدعهم وعش عزيزا رئيسا
ومن سائر شعره قوله:
إذا شئت أن تستقرض المال منفقاعلى شهوات النفس في زمن العسر
فسل نفسك الإنفاق من كنز صبرهاعليك وإنظارا إلى زمن اليسر
فإن فعلت كنت الغنيّ وان أبتفكلّ منوع بعدها واسع العذر
وحدث الثعالبي عن أبي نصر التهذيبي قال: سمعت القاضي أبا الحسن علي بن عبد العزيز يقول: انصرفت يوما من دار الصاحب، وذلك قبيل العيد، فجاءني رسوله بعطر الفطر، ومعه رقعة بخطه فيها هذان البيتان:
يا أيها القاضي الذي نفسي لهمع قرب عهد لقائه مشتاقه
أهديت عطرا مثل طيب ثنائهفكأنما أهدي له أخلاقه
قال: وسمعته يقول ان الصاحب يقسم لي من إقباله وإكرامه بجرجان أكثر مما يتلقاني به في سائر البلاد، وقد استعفيته يوما من فرط تحفيه بي وتواضعه لي فأنشدني:
أكرم أخاك بأرض مولدهوأمدّه من فعلك الحسن
فالعزّ مطلوب وملتمسوأعزّه ما نيل في الوطن
ثم قال: قد فرغت من هذا المعنى في العينية، فقلت: لعل مولانا يريد قولي:
وشيدت مجدي بين قومي فلم أقلألا ليت قومي يعلمون صنيعي
فقال: ما أردت غيره، والأصل فيه قوله تعالى يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ
(يس:).
قال الثعالبي: القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز حسنة جرجان، وفرد
الزمان، ونادرة الفلك، وإنسان حدقة العلم، ودرة تاج الأدب، وفارس عسكر الشعر، يجمع خطّ ابن مقلة إلى نثر الجاحظ ونظم البحتري، وينظم عقد الاتقان والاحسان في كلّ ما يتعاطاه (وأنشد بيت الصاحب المقدّم ذكره) وقد كان في صباه خلف الخضر في قطع عرض الأرض وتدويخ بلاد العراق والشام وغيرهما، واقتبس من أنواع العلوم والآداب ما صار به في العلماء علما وفي الكمال عالما، ثم عرج على حضرة الصاحب فألقى بها عصا المسافر، فاشتد اختصاصه به وحلّ منه محلّا بعيدا في رفعته، قريبا في أثرته، وسيّر فيه قصائد أخلصت على قصد، وفرائد أتت من فرد، وما منها إلا صوب العقل، وذوب الفضل. وتقلّد قضاء جرجان من يده، ثم تصرفت به أحوال في حياة الصاحب وبعد وفاته من الولاية والعطلة، وترقّى محلّه إلى قضاء القضاة بالري فلم يعزله إلا موته رحمه الله تعالى. وعرض عليّ أبو نصر المصعبي كتابا للصاحب بخطه إلى حسام الدولة أبي العباس تاش الحاجب في معنى القاضي أبي الحسن نسخته بعد التصدير والتسبيب: قد تقدم من وصفي للقاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز فيما سبق إلى حضرة الأمير الجليل صاحب الجيش، دام علوّه، من كتبي ما أعلم أني لم أؤدّ فيه بعض الحق، وإن كنت دللته على جملة تنطق بلسان الفضل وتكشف عن أنه من أفراد الدهر في كل قسم من أقسام الأدب والعلم، فأما موقعه مني فالموقع الذي تخطبه هذه المحاسن وتوجبه هذه المناقب، وعادته معي ألا يفارقني مقيما وظاعنا ومسافرا وقاطنا، وقد احتاج الآن إلى مطالعة جرجان بعد أن شرطت عليه تصيير المقام كالالمام، فطالبني مكانه بتعريف الأمير مصدره ومورده، فإن عنّ له ما يحتاج إلى عرضه وجد من شرف إسعافه ما هو المعتاد من فضله ليتعجل إنكفاؤه إليّ بما رسم، أدام الله أيامه، من مظاهرته على ما يقدم الرحيل ويفسح السبيل من بذرقة إن احتاج إلى الاستظهار بها، ومخاطبة لبعض من في الطريق
يتعرف النّجح فيها، فان رأى الأمير أن يجعل من حظوظي الجسيمة عنده تعهد القاضي أبي الحسن بما يعجّل ردّه، فإني ما غاب كالمضلّ الناشد وإذا عاد كالغانم الواجد، فعل إن شاء الله.
ولما عمل الصاحب رسالته المعروفة في إظهار مساوىء المتنبىء عمل القاضي أبو الحسن «كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه» في شعره فأحسن وأبدع وأطال وأطاب، وأصاب شاكلة الصواب، واستولى على الأمد في فصل الخطاب، وأعرب عن تبحره في الأدب وعلم العرب، وتمكنه من جودة الحفظ وقوة النقد، فسار الكتاب مسير الرياح، وطار في البلاد بغير جناح، وقال فيه بعض النيسابوريين البيتين المقدم ذكرهما.
ومن شعره»
انثر على خدّيّ من وردكأو دع فمي يقطفه من خدّك
ارحم قضيب البان وارفق بهقد خفت أن ينقدّ من قدك
وقل لعينيك بنفسي همايخفّفان السقم عن عبدك
وله:
وفارقت حتى ما أسرّ بمن دنامخافة نأي أو حذار صدود
فقد جعلت نفسي تقول لمقلتيوقد قربوا خوف التباعد جودي
فليس قريبا من يخاف بعادهولا من يرجّى قربه ببعيد
وله يستطرد:
من عاذري من زمن ظالمليس بمستحي ولا راحم
تفعل بالإخوان أحداثهفعل الهوى بالدنف الهائم
كأنما أصبح يرميهمعن جفن مولاي أبي القاسم
وقال يذكر بغداد ويتشوقها:
يا نسيم الجنوب بالله بلّغما يقول المتيّم المستهام
قل لأحبابه فداكم فؤادليس يسلو ومقلة لا تنام
بنتم فالسهاد عندي رقادمذ نأيتم والعيش عندي لهام
فعلى الكرخ فالقطيعة فالشطّ فباب الشعير مني السلام
يا ديار السرور لا زال يبكيبك في مضحك الرياض غمام
ربّ عيش صحبته فيك غضّوجفون الخطوب عني نيام
في ليال كأنهن أمانمن زمان كأنه أحلام
وكأنّ الأوقات فيها كؤوسدائرات وأنسهنّ مدام
زمن مسعد وإلف وصولومنى تستلذّها الأوهام
كلّ أنس ولذة وسروربعد ما بنتم عليّ حرام
وله في ذلك:
سقى جانبي بغداد أخلاف مزنةتحاكي دموعي صوبها وانحدارها
فلي منهما قلب شجاني اشتياقهومهجة نفس ما أملّ ادّكارها
سأغفر للأيام كلّ عظيمةلئن قرّبت بعد البعاد مزارها
وله في ذلك:
أراجعة تلك الليالي كعهدهاإلى الوصل أم لا يرتجى لي رجوعها
وصحبة أحباب لبست لفقدهمثياب حداد يستجدّ خليعها
إذا لاح لي من أرض بغداد بارقتجافت جفوني واستطير هجوعها
وإن أخلفتها الغاديات وعودهاتكلّف تصديق الغمام دموعها
سقى جانبي بغداد كلّ غمامةيحاكي دموع المستهام هموعها
معاهد من غزلان إنس تحالفتلواحظها ألا يداوى صريعها
بها تسكن النفس النفور ويغتديبآنس من قلب المقيم نزيعها
يحنّ إليها كلّ قلب كأنماتشاد بحبّات القلوب ربوعها
فكلّ ليالي عيشها زمن الصّباوكلّ فصول الدهر فيها ربيعها
وله في ذلك:
بجانب الكرخ من بغداد لي سكنلولا التجمل لم أنفكّ أندبه
وصاحب ما صحبت الصبر مذ بعدتدياره وأراني لست أصحبه
في كلّ يوم لعيني ما يؤرقهامن ذكره ولقلبي ما يعذّبه
ما زال يبعدني عنه وأتبعهويستمرّ على ظلمي وأعتبه
حتى أوت لي النوى من طول جفوتهوسهّلت لي سبيلا كنت أرهبه
وما العباد دهاني بل خلائقهولا الفراق شجاني بل تجنبه
وله في التخلص:
أو ما انثنيت عن الوداع بلوعةملأت حشاك صبابة وعليلا
ومدامع تجري فتحسب أن فيآماقهنّ بنان إسماعيلا
وله من قصيدة في الأمير شمس المعالي قابوس بن وشمكير:
ولما تداعت للغروب شموسهموقمنا لتوديع الفريق المغرّب
تلقّين أطراف السجوف بمشرقلهنّ وأعطاف الخدور بمغرب
فما سرن إلا بين دمع مضيّعولا قمن إلا بين قلب معذّب
كان فؤادي قرن قابوس راعهتلاعبه بالفيلق المتأشّب
وله في الصاحب من قصيدة:
وما بال هذا الدهر يطوي جوانحيعلى نفس محزون وقلب كئيب
تقسّمني الأيام قسمة جائرعلى نضرة من حالها وشحوب
كأني في كفّ الوزير رغيبةتقسّم في جدوى أغرّ وهوب
وله من قصيدة في الصاحب:
ولا ذنب للأفكار أنت تركتهاإذا احتشدت لم ينتفع باحتشادها
سبقت بأفراد المعاني وألّفتخواطرك الألفاظ بعد شرادها
وان نحن حاولنا اختراع بديعةحصلنا على مسروقها ومعادها
وله في الصاحب من قصيدة يهنئه بالبرء من مرض:
بك الدهر يندى ظلّه ويطيبويقلع عمّا ساءنا ويتوب
ونحمد آثار الزمان وربماظللنا وأوقات الزمان ذنوب
أفي كلّ يوم للمكارم روعةلها في قلوب المكرمات وجيب
تقسمت العلياء جسمك كلّهفمن أين فيه للسقام نصيب
إذا ألمت نفس الوزير تألمتلها أنفس تحيا بها وقلوب
وو الله لا لاحظت وجها أحبهحياتي وفي وجه الوزير شحوب
وليس شحوبا ما أراه بوجههولكنّه في المكرمات ندوب
فلا تجزعن تلك السماء تغيّمتوعما قليل تبتدي فتصوب
تهلل وجه المجد وابتسم الندىوأصبح غصن الفضل وهو رطيب
فلا زالت الدنيا بملكك طلقةولا زال فيها من ظلالك طيب
وله:
على مهجتي تجني الحوادث والدهرفأما اصطباري فهو ممتنع وعر
كأني ألاقي كلّ يوم ينوبنيبذنب وما ذنبي سوى أنني حرّ
فإن لم يكن عند الزمان سوى الذيأضيق به ذرعا فعندي له الصبر
وقالوا توصّل بالخضوع إلى الغنىوما علموا أنّ الخضوع هو الفقر
وبيني وبين المال بابان حرّماعليّ الغنى نفسي الأبيّة والدهر
إذا قيل هذا اليسر عاينت دونهمواقف خير من وقوفي بها العسر
إذا قدّموا بالوفر قدّمت قبلهمبنفس فقير كلّ أخلاقه وفر
وماذا على مثلي إذا خضعت لهمطامعه في كفّ من حصل التبر
وله:
سقى الغيث أو دمعي وقلّ كلاهمالها أربعا جور الهوى بينها عدل
بحيث استدقّ الدعص وانبسط النقاوحيث تناهى الحقف وانقطع الرمل
أكثّر من أوصافها وهي واحدولكن أرى أسماءها في فمي تحلو
وفي ذلك الخدر المكلّل ظبيةلكلّ فؤاد عند أجفانها ذحل
إذا خطرات الريح بين سجوفهاأباحت لطرف العين ما حظر البخل
تلقت بأثناء النصيف لحاظناوقالت لأخرى ما لمستهتر عقل
أفي مثل هذا اليوم يمرح طرفهوأعداؤنا حول وحسّادنا قبل
ومدّت لإسبال السجوف بنانهافغازلنا عنها الشمائل والشكل
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع