من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
علي بن محمد بن نصر بن منصور بن بسام
أبو الحسن العبرتائي الكاتب، وأمه أخت أحمد بن حمدون بن إسماعيل النديم لأبيه وأمه، وقال المرزباني: أمه بنت حمدون النديم، وله مع خاله أبي عبد الله ابن حمدون أخبار، وكان حسن البديهة شاعرا ماضيا أديبا لا يسلم على لسانه أحد، وهو معدود في العققة، وكان يصنع الشعر في الرؤساء وينحله ابن الرومي وغيره.
مات فيما ذكره ابن المرزباني بعد سنة ثلاثمائة بسنتين، وقال ثابت بن سنان:
مات علي بن محمد بن بسام في صفر سنة اثنتين وثلاثمائة عن نيف وسبعين سنة، واستفرغ شعره في هجاء والده محمد بن نصر والخلفاء والوزراء، وكان مع فصاحته وبيانه لا حظّ له في التطويل إنما يحسن مقطعاته وتندر أبياته. وهو من أهل بيت الكتابة، كان جده نصر بن منصور يتولى ديوان الخاتم والنفقات والأزمّة في أيام المعتصم. وهو كان السبب في نكبة الفضل بن مروان، وكان قد هجا الوزير علي بن عيسى بن داود بن الجراح لما نفي إلى مكة، فلما ردت إليه الوزارة جلس يوما للمظالم فمرت في جملة القصص رقعة فيها مكتوب:
وافى ابن عيسى وكنت أضغنهأشدّ شيء عليّ أهونه
ما قدّر الله ليس يدفعهوما سواه فليس يمكنه
فقال علي بن عيسى: صدق، هذا ابن بسام، والله لا ناله مني مكروه أبدا.
وكان الغالب على ابن بسام الشعر، ومن حقه أن يذكر مع الشعراء، وإنما حملنا على ذكره هاهنا رسائله وما له من التصانيف وهي: كتاب أخبار عمر بن أبي ربيعة جيد بالغ في معناه. (وجدت أخبار عمر بن أبي ربيعة تصنيف علي بن محمد بن نصر بن منصور بن بسام وقد روى فيه عن الزبير بن بكار وعمر بن شبة وحماد بن إسحاق ويعقوب بن أبي شيبة وأحمد بن الحارث الخراز ومحمد بن حبيب وسليمان بن أبي شيخ وخاله أحمد بن حمدون) كتاب المعاقرين. كتاب ديوان رسائله. كتاب مناقضات الشعراء. كتاب أخبار الأحوص.
ومن شعره الذي قاله ونحله ابن الرومي قوله يخاطب عبيد الله بن سليمان الوزير وقد مات ابنه أبو محمد في سنة أربع وثمانين:
قل لأبي القاسم المرجّىقابلك الدهر بالعجائب
مات لك ابن وكان زيناوعاش ذو الشّين والمعايب
حياة هذا كفقد هذافلست تخلو من المصائب
فبلغت الأبيات عبيد الله فساءته، فدعا البساميّ وقال: يا علي كيف قلت؟
فعلم البساميّ أنه مغضب فقال: قلت أيها الوزير:
قل لأبي القاسم المرجّىلن يدفع الموت كفّ غالب
لئن تولّى بمن تولىوفقده أعظم المصائب
لقد تخطّت لك المناياعن حامل عنك للنوائب
يعني ابنه أبا الحسين، فسكت عبيد الله ولها عنه.
وذكر الصولي في «كتاب الوزراء» قال قال أبو الحارث النوفلي الشاعر: كنت أبغض القاسم بن عبيد الله لكفره ولمكروه نالني منه، فلما قرأت شعر ابن المعتز
(وهو شعر رثى به الحسين أبا محمد مذكور في أخباره) وشعر ابن بسام وكان ابن بسام قد قال:
معاذ الله من كذب ومينلقد أبكت وفاتك كلّ عين
ولكن قد تنسّينا الرزاياويعضدنا بقاء أبي الحسين
قلت على لسان ابن بسام وأشعتها عليه وأنفذتها إليه «قل لأبي القاسم المرجّى» ... الأبيات.
وحدث السلامي عن أبي القاسم المجمع بن محمد بن المجمع قال حدثني ابن حمدون النديم قال: كان المعتضد أمر بعمارة البحيرة واتخاذ رياض حواليها، وأنفق على الأبنية بها ستين ألف دينار، وكان يخلو فيها مع جواريه وفيهن جارية يقال لها دريرة، فقال البسامي:
ترك الناس بحيرهوتخلّى في البحيره
قاعدا يضرب بالطبل على حرّ دريره
وبلغت الأبيات المعتضد فلم يظهر لأحد أنه سمعها، وأمر بتخريب ما استعمره من تلك العمارات والأبنية. قال أحمد بن حمدون: فكنت ألاعب المعتضد بالشطرنج ذات يوم إذ دخل إليه القاسم بن عبيد الله وهو وزيره فاستأمره في شيء وانصرف، فلما ولى أنشد المعتضد قول البسامي في القاسم:
حياة هذا كموت هذافلست تخلو من المصائب
وجعل يكرّر البيت، وعاد القاسم إليه في شغل والمعتضد مشغول باللعب ولم يعلم بحضوره، وهو يردّد البيت، فاحتلت حتى أعلمته حضوره، فرفع رأسه إليه واستحيى منه حتى تبيّن ذلك في وجهه، ثم قال: يا أبا الحسين- وهو أول ما كناه للخجل الذي تداخله- لم لا تقطع لسان هذا الماجن وتدفع شره عنك؟ فانصرف القاسم مبادرا إلى مجلسه ومنتهزا للفرصة في ابن بسام وأمر بطلبه، قال ابن حمدون:
فدهشت وارتعشت يدي في اللعب خوفا مما يلحق ابن بسّام للقرابة التي بيني وبينه، فقال المعتضد: مالك؟ قلت: يا أمير المؤمنين القاسم بن عبيد الله لا يصطلى بناره، وكأني به وقد قطع لسان البسامي حنقا عليه، وهو أحد النبلاء الشعراء، فيكون ذلك سبة على أمير المؤمنين، فأمر باحضار القاسم وسأله عما فعله في أمر ابن بسام، فقال: قد تقدمت إلى مؤنس باحضاره لأقطع لسانه فقال: يا أبا الحسين إنما أمرناك أن تقطع لسانه بالبر والصلة والتكرمة ليعدل عن هجائك إلى مدحك، فقال: يا أمير المؤمنين لو عرفته حق المعرفة وعلمت ما قاله لاستجزت قطع رأسه- عرّض بما قاله في المعتضد ودريرة- فتبسم المعتضد وقال: يا أبا الحسين إنما أمرنا بتخريب البحيرة لذلك، فتقدم أنت باحضاره وأخرج إليه ثلاثمائة دينار فإن ذلك أولى وأحسن من غيره، قال فأحضره القاسم بعد ثالثة وخلع عليه وولّاه بريد الصيمرة وما والاها، فبقي في عمله إلى آخر أيام المعتضد، ثم جمح به طبعه إلى إعادة الاساءة فقال:
أبلغ وزير الإمام عنيوناد يا ذا المصيبتين
يموت حلف الندى ويبقىحلف المخازي أبو الحسين
فأنت من ذا عميد قلبوأنت من ذا سخين عين
حياة هذا كموت هذافالطم على الرأس باليدين
قال جحظة: كان ابن بسام يفخر بقوله فيّ:
يا من هجوناه فغناناأنت وحقّ الله أهجانا
فقلت: هذا معنى لم يسبق إليه خاطر ابن بسام، وإن كان قد أتى به مطبوعا، وإنما أخذه من قول ابن الرومي في هجائه شنطف:
وفي قبحها كاف لنا من كيادهاولكنها في فعلها تتبرّد
ولو علمت ما كايدتنا لانهابانفاسها والوجه والطبل أكيد
وقال ابن بسام في الوزير الخاقاني:
وزير ما يفيق من الرقاعهيولّي ثم يعزل بعد ساعه
إذا أهل الرشا صاروا إليهفأحظى القوم أوفرهم بضاعه
فلا رحما تقرّب منه خلقاسوى الورق الصحاح ولا شفاعه
وليس بمنكر ذا الفعل منهلأن الشيخ أفلت من مجاعه
حدث أبو نصر أحمد بن العلاء الشيرازي الكاتب قال: لما تقلّد أبو الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات الوزارة كنت أجالسه وأوانسه، فحدثني يوما أن أباه حدثه قال: تقلدت مصر وكان بيني وبين أبي الحسين ابن بسام مودة ورضاع ونحن مختلطون، وأنا بمصر يوما فما شعرت إلا بابن بسام قد دخل إليّ متقلدا للبريد فافهمته أحوالي، وقاسمته أكثر مروءتي وأموالي، وتطلبت الخلاص من لسانه بكلّ شيء يمكن، وأوصيت حاجبي أن لا يحجبه عني ولو كنت مع زوجتي، فجاء يوما وأنا نائم فقال له الحاجب: ادخل، فدخل فوجدني نائما، فاستدعى دواة وكتب شيئا وتركه وانصرف، فلما انتبهت عرّفني حاجبي ذلك، فأخذت الرقعة فإذا فيها:
محتجب دون من يلمّ بهوليس للخارجات حجّاب
لأنّ للخارجات منفعةتأتيه والداخلون طلّاب
قال فبعثت أعرف خبره لأعاتبه فإذا هو تحمّل وسار عن البلد، فكتبت إليه أداريه وألاطفه ليرجع فلم يجب.
قال التنوخي حدثني ابن أبي قيراط علي بن هشام حدثني أبو علي ابن مقلة قال: كنت أقصد ابن بسام لهجائه إياي، فخوطب ابن الفرات في وزارته الأولى في تصريفه فاعترضت وقلت، إذا صرّف فلا يحتبس الناس على مجالسنا وقد افترقت فإذا لم يضره الوزير فلا أقلّ من أن لا ينفعه، فامتنع من تصريفه قضاء لحقي، فبلغ ذلك ابن بسام فجاءني وخضع لي ثم لازمني نحو سنة حتى صار يختصّ بي ويعاشرني على البريد، ومدحني فقال:
يا زينة الدين والدنيا وما جمعاوالأمر والنهي والقرطاس والقلم
إن ينسىء الله في عمري فسوف ترىمن خدمتي لك ما يغني عن الخدم
أبا عليّ لقد طوّقتني منناطوق الحمامة لا تبلى على القدم
فاسلم فليس يزيل الله نعمتهعمن يبثّ الأيادي في ذوي النعم
وحدّث محمد بن يحيى الصولي أنه سمع علي بن محمد بن بسام يقول:
كنت أتعشّق خادما لخالي أحمد بن حمدون، فقمت ليلة لأدبّ إليه، فلما قربت منه لسعتني عقرب فصرخت، فقال خالي: ما تصنع ها هنا؟ فقلت: جئت لأبول، فقال: صدقت في است غلامي، فقلت لوقتي:
ولقد سريت مع الظلام لموعدحصّلته من غادر كذّاب
فإذا على ظهر الطريق مغذّةسوداء قد عرفت أوان ذهابي
لا بارك الرحمن فيها عقربادبابة دبّت إلى دباب
فقال خالي: قبحك الله لو تركت المجون يوما لتركته في هذه الحال.
ولابن بسام في علي بن عيسى الوزير:
رجوت لك الوزارة طول عمريفلما كان منها ما رجوت
تقدمني أناس لم يكونوايرومون الكلام إذا دنوت
فأحببت الممات وكلّ عيشيحبّ الموت فيه فهو موت
ومن شعر ابن بسام من خط السمعاني:
أقصرت عن طلب البطالة والصبالما علاني للمشيب قناع
لله إيام الشباب ولهوهلو أنّ أيام الشباب تباع
فدع الصبا يا قلب واسل عن الهوىما فيك بعد مشيبك استمتاع
وانظر إلى الدنيا بعين مودّعفلقد دنا سفر وحان وداع
فالحادثات موكّلات بالفتىوالناس بعد الحادثات سماع
ولما ولي حامد بن العباس وزارة المقتدر ورتّب معه علي بن عيسى يدبّر الأمو بين يديه قال ابن بسام:
يا ابن الفرات تعزّىقد صار أمرك آيه
لما عزلت حصلناعلى وزير بدايه
وعلي بن بسام القائل يمدح النحو:
رأيت لسان المرء وافد عقلهوعنوانه فانظر بماذا تعنون
فلا تعد إصلاح اللسان فإنهيخبّر عما عنده ويبين
ويعجبني زيّ الفتى وجمالهفيسقط من عينيّ ساعة يلحن
على أن للإعراب حدا وربماسمعت من الأعراب ما ليس يحسن
ولا خير في اللفظ الكريه استماعهولا في قبيح اللحن والقصد أزين
ومن قصيدة له يهجو فيها الكتاب:
وعبدون يحكم في المسلمينومن مثله تؤخذ الجاليه
ودهقان طيّ تولّى العراقوسقي الفرات وزرفانيه
وحامد يا قوم لو أمرهإليّ لألزمته الزاويه
نعم ولأرجعته صاغراإلى بيع رمّان خسراويه
أيا ربّ قد ركب الأرذلونورجلي من بينهم ماشيه
فإن كنت حاملها مثلهموإلا فأرجل بني الزانيه
قال أبو الحسين علي بن هشام بن أبي قيراط: سمعت ابن بسام ينشد في وزارة ابن الفرات:
إذا حكم النصارى في الفروجوباهوا بالبغال وبالسروج
فقل للأعور الدجّال هذاأوانك إن عزمت على الخروج
قال أبو الحسين ابن هشام، حدثني زنجي الكاتب، حدثني ابن بسام قال:
كنت أتقلد البريد بقمّ في أيام عبيد الله بن سليمان، والعامل بها أبو عيسى أحمد بن محمد بن خالد المعروف بأخي أبي صخرة، فأهدى إليّ في ليلة عيد الأضحى بقرة للأضحية، فاستقللتها ورددتها وكتبت إليه:
كم من يد لي إليك سالفةوأنت بالحقّ غير معترف
نفسك أهديتها لأذبحهافصنتها عن مواقع التلف
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع