تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

علي بن القاسم القاشاني الكاتب أبو الحسن

ذكره الثعالبيّ فقال: بقية مشيخة الكتاب المتقدمين في البراعة، المالكين أزمة البلاغة، المتوقلين في هضبات المجد، المترقين في درجات الفضل و [صاحب] الرسائل الجيدة والأشعار الرائقة.

ومن رسائله: كتابي أطال الله بقاء مولاي وأنا متردّد بين جذل لتجدّد برّه في خطابه، وبين خجل من قوارع زجره وعتابه، فإذا خلّيت عنان أنسي في رياض مبارّه فرتعت، جاذبنيه لاعج الاشفاق من سوء ظنه فنزعت، ولو كنت جانيا لاعتذرت، أو كان سوء ظنه بي صادقا لاعترفت، ولعذت منه بحقوي كريم لا يبهظه اغتفار الجرائر، ولا يتعاظمه الصفح عن الكبائر.

فصل: علّقت هذه المخاطبة والأشغال تكتنفني، وكدّ الخاطر بأسباب شتى يقتسمني، ووراء ذلك كلال الذهن بارتقاء السن، ونقصان الخواطر بزيادة الشواغل، واستمرار البلادة لمفارقة العادة، ومولاي- والله يعيذه من السوء- مقتبل الشباب، زائد الأسباب، مؤتنف المخائل، متجدد الفضائل، إلى علم لا يدرك مضماره، ولا يشقّ غباره، فإذا حملني على مساجلته فقد عرضني للتكشف، وإن عرضني على محنة التتبع فقد سلبني ثوب التجمل.

فصل: وصل كتاب مولاي:

فكم فرحة أدّى وكم كربة جلّىوكم بهجة أولى وكم غمة سلّى

وسألت الله واهب خصال الفضل له، وجامع خلال النبل فيه، وحائز جمال المروءة للزمان ببقائه، ومانح كمال المزية للاخوان بمكانه، أن يتولّى حفظ النعم النفيسة، ويديم حياطة هذه المنائح الخطيرة، بصيانة تلك الشيم العلية، حتى تستوفي المكارم أعلى حظّها في أيامه، وتحوز الفضائل أقصى غاياتها في مضماره:

فينجح ذو فضل ويكمد ناقصويبهج ذو ودّ ويكبت حاسد

فصل: وما ارتضى نفسي لمخاطبة مولاي إلا إذا كنت منفيّ الشواغل، فارغ الخواطر، مخلّى الجوارح، مطلق الإسار، سليم الأفكار، فكيف بي مع كلال الحد، وانغلاق الفهم، واستبهام القريحة، واستعجام الطبيعة؟! والمعوّل على النية وهي لمولاي بظهر الغيب مكشوفة، والمرجع إلى العقيدة وهي بالولاء المحض معروفة، ولا مجال للعتب بين هذه الأحوال، كما لا مجاز للعذر وراء هذه الخلال.

وكتب إلى الصاحب أبي القاسم ابن عباد قصيدة منها:

إذا الغيوم ارجحنّ باسقهاوحفّ أرجاءها بوارقها
وابتسمت فرحة لوامعهاواحتفلت عبرة حمالقها
وقيل طوبى لبلدة نتجتبجوّ أكنافها بوارقها

فليسق غيث الندى أبا القاسم القرم وزير الأنام وادقها

وهي طويلة. ثم قال: هذه أطال الله بقاء مولاي تباريح أريحية أثارتها مخاطبات مولاي التي هي أنقع لغلّتي من برد الشراب، وأعجب إليّ من ردّ الشباب، فجاش الصدر بما أبرأ إليه من عهدته، وأسكنه ظلّ أمانته وذمته، ليسبل عليه ستر مودته، ويتأمّله بعين محبته، نعم وقد محا الزمان آثار إساءته إليّ، بما أسعفني به من إقبال مولاي عليّ، وتتابع برّه في مخاطباته لديّ، فكلّ ذنب لهذه النعمة مغفور، وكلّ جناية بهذا الاحسان مغمور.

فأجابه الصاحب بكتاب صدّره بأبيات منها:

بدت عذارى مدّت سرادقهاوأقسم الحسن لا يفارقها
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «بدت عذارى مدت سرادقها»
كواعب أخرست دمالجهاعنّا وقد أنطقت مناطقها
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «بدت عذارى مدت سرادقها»
أم روضة أبرزت محاسنهاوما يني قطرها يعانقها
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «بدت عذارى مدت سرادقها»
أم أشرقت فقرة بدائعهاحديقة زانها طرائقها
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «بدت عذارى مدت سرادقها»
لله حلف العلا أبو حسنوقد جرت للعلا سوابقها
لله تلك الألفاظ حاملةغرّ معان تعيي دقائقها
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «بدت عذارى مدت سرادقها»
تكاد أعجازها تشككنافي سور أنها توافقها

وهي طويلة.

هذه أطال الله بقاء مولاي أبيات علّقتها، والرويّة لم تعتلقها، وأعنقت فيها والفكرة لم تعتنقها، لا ثقة بالنفس في وفائها، وسكونا إلى القريحة وصفائها، بل علما بأني وإن أعطيت الجهد عنانه، وفسحت للكدّ ميدانه، لم ادان ما ورد من ألفاظ أيسر ما أصفها به الامتناع على الوصف أن يتقصاها، والبعد عن الاطناب أن يبلغ مداها.

ولقد قرع سمعي منها ما أراني العجز يخطر بين أفكاري، والقصور يتبختر بين إقبالي وإدباري، إلى أن أفكرت في أن فضيلة المولى تشتمل عبده، وتخيّم وإن تصرفت عنده. فثاب إلي خاطر نظمت به ما إن طالعه صفحا رجوت أن يحظى بطائل

القبول، وإن تتّبعه نقدا تراجع على أعقاب الخمول، وهذا فلا عار على من سبقه سباق الأقران، المستولي على قصب الرهان.

ومن شعر القاشاني المشهور:

وإني وإن أقصرت عن غير بغضةلراع لأسباب المودة حافظ
وما زال يدعوني إلى الصدّ ما أرىفآبي وتثنيني إليك الحفائظ
وأنتظر العتبى وأغضي على القذىألاين طورا في الهوى وأغالظ

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.