تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

محمد بن أحمد بن أيوب بن الصلت بن شنبوذ أبو الحسن المقرىء

مات

فيما ذكره الخطيب في سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة.

قال الخطيب: قد تخيّر لنفسه حروفا من شواذّ القراءات فقرأ بها فصنّف أبو بكر الأنباري وغيره كتبا في الرد عليه.

قرأت بخط أبي علي ابن أبي إسحاق الصابىء، قال القاضي أبو سعيد السيرافي ﵀: كان ابن شنبوذ- واسمه محمد بن أحمد بن أيوب- كثير اللحن قليل العلم، وكان دينا وفيه سلامة وحمق ثم ذكر توبته كما ذكرنا بعد.

حدث إسماعيل بن علي الخطبي في «كتاب التاريخ» قال: واشتهر ببغداد أمر رجل يعرف بابن شنبوذ يقرىء الناس ويقرأ في المحراب بحروف يخالف فيها المصحف فيما يروي عن عبد الله بن مسعود وأبيّ بن كعب وغير هما مما كان يقرأ به قبل المصحف الذي جمعه عثمان، ويتتبع الشواذّ فيقرأ بها ويجادل حتى عظم أمره وفحش وأنكره الناس، فوجه السلطان وقبض عليه في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة وحمل إلى دار الوزير محمد بن مقلة، وأحضر القضاة والفقهاء والقراء وناظره الوزير بحضرته، فأقام على ما ذكر عنه ونصره، واستنزله الوزير عن ذلك فأبى أن ينزل عنه أو يرجع عما يقرأ به من هذه الشواذ المنكرة التي تزيد على المصحف العثماني، فأنكر ذلك جميع من حضر المجلس وأشاروا بعقوبته ومعاملته بما يضطره الى الرجوع، فأمر بتجريده وإقامته بين الهنبازين، وأمر بضربه بالدرة على قفاه فضرب نحو العشرة ضربا شديدا فلم يصبر واستغاث وأذعن بالرجوع والتوبة، فخلّي عنه وأعيدت عليه ثيابه واستتيب، وكتب عليه كتاب توبته، وأخذ فيه خطه بالتوبة، فتقوّل أصحابه أنه دعا على ابن مقلة بقطع اليد فاستجيب له.

قال المؤلف: وهذا من عجيب الاتفاق إن صحّ.

وذكره محمد بن اسحاق النديم فقال: كان ابن شنبوذ يناوىء أبا بكر ابن مجاهد ولا يعشره وكان دينا فيه سلامة وحمق؛ قال لي الشيخ أبو محمد يوسف بن السيرافي:

إنه كان كثير اللحن قليل العلم، وقد روى قراءات كثيرة وله كتب مصنفة في ذلك.

وكان مما خالف فيه قراءة الجمهور (قال القاضي أبو يوسف: وسئل عنه بحضرة الوزير

أبي علي ابن مقلة فاعترف به ولم ينكره إذا نودي للصّلاة من يوم الجمعة فامضوا إلى ذكر الله (الجمعة:). وقرأ وكان أمامهم ملك يأخذ كلّ سفينة صالحة غصبا (الكهف:). وقرأ كالصّوف المنفوش (القارعة:). وقرأ تبّت يدا أبي لهب وقد تبّ ما أغنى (المسد:). وقرأ أليوم ننجّيك بيديك لتكون لمن خلفك آية (يونس:). وقرأ وتجعلون شكركم أنّكم تكذّبون (الواقعة:). وقرأ واللّيل إذا يغشى والنّهار إذا تجلّى والذّكر والانثى (الليل:). وقرأ وقد كذّب الكافرون فسوف يكون لزاما (الفرقان:). وقرأ إلّا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض (الأنفال:) إلى غير ذلك.

وله من التصانيف: كتاب ما خالف فيه ابن كثير أبا عمرو. كتاب قراءة علي ﵊. كتاب اختلاف القراء. كتاب شواذ القراءات. كتاب انفراداته.

وقرأت في كتاب ألفه القاضي أبو يوسف عبد السلام القزويني سماه «أفواج القراء»، قال: كان ابن شنبوذ أحد القراء والمتنسكين، وكان يرجع إلى ورع ولكنه كان يميل إلى الشواذ ويقرأ بها وربما أعلن ببعضها في بعض صلواته التي يجهر فيها بالقراءة وسمع ذلك منه وأنكر عليه فلم ينته للانكار، فقام أبو بكر ابن مجاهد فيه حقّ القيام وأشهر أمره، ورفع حديثه إلى الوزير في ذلك الوقت وهو أبو علي ابن مقلة، فأخذ وضرب أسواطا زادت على العشرة ولم تبلغ العشرين، وحبس واستتيب فتاب وقال: إني قد رجعت عما كنت أقرأ به، ولا أخالف مصحف عثمان ولا أقرأ إلا بما فيه من القراءة المشهورة، وكتب عليه بذلك الوزير أبو علي محضرا بما سمع من لفظه، وأمره أن يكتب في آخره بخطه، وكان المحضر بخط أبي الحسين أحمد بن محمد بن ميمون. وكان أبو بكر ابن مجاهد تجرد في كشفه ومناظرته فانتهى أمره إلى أن خاف على نفسه من القتل، وقام أبو أيوب السمسار في إصلاح أمره، وسأل الوزير أبا علي أن يطلقه وأن ينفذه إلى داره مع أعوانه بالليل خيفة عليه لئلا يقتله العامة، ففعل ذلك، ووجه إلى المدائن سرّا مدة شهرين ثم دخل بيته ببغداد مستخفيا من العامة.

ونسخة المحضر المعمول على ابن شنبوذ بخط ابن ميمون: يقول محمد بن أحمد بن أيوب المعروف بابن شنبوذ: قد كنت أقرأ حروفا تخالف ما في مصحف عثمان بن عفان ﵁ المجمع عليه والذي اتفق أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم

ورضي عنهم على تلاوته، ثم بان لي أنّ ذلك خطأ، فأنا تائب وعنه مقلع وإلى الله عزوجل بريء، إذ كان مصحف عثمان هو الحقّ الذي لا يجوز خلافه ولا أن يقرأ بغير ما فيه.

نسخة خط ابن شنبوذ في هذا المحضر: يقول محمد بن أحمد بن أيوب بن شنبوذ: ما في هذه الرقعة صحيح وهو قولي واعتقادي، وأشهد الله ﷿ وسائر من حضر على نفسي بذلك، وكتب بخطه، فمتى خالفت ذلك أو بان مني غيره فأمير المؤمنين أطال الله بقاءه في حلّ وسعة من دمي، وذلك في يوم الأحد لسبع خلون من ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة في مجلس الوزير أبي علي محمد بن علي أدام الله توفيقه، وحسبي الله وحده وصلاته على سيدنا محمد وآله.

خط ابن مجاهد: اعترف ابن شنبوذ بما في هذه الرقعة، وكتب ابن مجاهد بيده وذكر التاريخ.

خط ابن أبي موسى: اعترف المعروف بابن شنبوذ بما في هذه الرقعة بحضوري طوعا، وكتب محمد بن أبي موسى الهاشمي، وذكر التاريخ.

شهادة أخرى: شهد محمد بن أحمد بن محمد على إقرار محمد بن أحمد بن أيوب المعروف بابن شنبوذ بجميع ما في هذا الكتاب، وذكر التاريخ.

وقال ابن شنبوذ في المجلس إن رسول الله ﷺ وجماعة من أصحابه خالفوا بعض ما في هذا المصحف الذي في أيدينا، وكان اعترافه به طوعا، شهد بذلك محمد بن أبي موسى، وكتب بيده، وشهد أحمد بن موسى بن مجاهد، وكتب بيده.

قال القاضي أبو يوسف: كنت قد سمعت من مشايخنا بالري ثم ببغداد أن سبب الانكار على ابن شنبوذ أنه قرأ، أو قرى عليه، في آخر سورة المائدة عند حكاية قول عيسى إن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرّحيم من العزيز الحكيم.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.