من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
محمد بن محمد بن عبد الجليل بن عبد الملك
بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن يحيى بن مردويه بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁، رشيد الدين المعروف بالوطواط الأديب الكاتب الشاعر: كان من
نوادر الزمان وعجائبه، وأفراد الدهر وغرائبه، أفضل زمانه في النظم والنثر، وأعلم الناس بدقائق كلام العرب وأسرار النحو والأدب، طار في الآفاق صيته وسار في الأقاليم ذكره، وكان ينشىء في حالة واحدة بيتا بالعربية من بحر وبيتا بالفارسية من بحر آخر ويمليهما معا.
وله من التصانيف: حدائق السحر في دقائق الشعر باللغة الفارسية، ألّفه لأبي المظفر خوارزم شاه وعارض به كتاب «ترجمان البلاغة» لفرحي الشاعر الفارسي.
وللوطواط أيضا ديوان شعر وديوان رسائل عربي. وديوان رسائل فارسي. وتحفة الصديق من كلام أبي بكر الصديق. وفصل الخطاب من كلام عمر بن الخطاب.
وأنس اللهفان من كلام عثمان بن عفان. ومطلوب كلّ طالب من كلام علي بن أبي طالب، وغير ذلك.
مولده ببلخ ومات بخوارزم سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة.
ومن رسائله ما كتبه لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري وهي:
لقد حاز جار الله دام جمالهفضائل فيها لا يشقّ غباره
تجدّد رسم الفضل بعد اندراسهبآثار جار الله فالله جاره
أنا منذ لفظتني الأقدار من أوطاني، ومعاهد أهلي وجيراني، إلى هذه الخطة التي هي اليوم بمكان جار الله أدام الله دولته جنّة للكرام، وجنّة من نكبات الأيام، كانت قصوى منيتي وقصارى بغيتي أن أكون أحد الملازمين لسدته الشريفة التي هي مخيم السيادة، ومقبّل أفواه السادة، من ألقى فيها عصاه حاز في الدارين مناه، ونال في المحلين مبتغاه، ولكنّ سوء التقصير أو مانع التقدير حرمني تلك الخدمة، وحرّم عليّ هذه النعمة، والآن أظنّ، وظن المؤمن لا يخطىء، أنّ آفل جدّي همّ بالاشراق، وذابل إقبالي أقبل على الإيراق، فقد أجد في نفسي نورا مجدّدا يهديني إلى جنته، ومن شوقي داعيا موفقا يدعوني إلى حضرته، ويقرع لسان الهيبة كلّ ساعة سمعي بنداء: اخلع نعلك، واطرح بالوادي المقدّس رحلك، ولا تحفل بقصد
قاصد، وحسد حاسد، فإن حضرة جار الله أوسع من أن تضيق على راغب في فوائده، وأكرم من أن تستثقل وطأة طالب لعوائده. ومع هذا أرجو إشارة تصدر من مجلسه المحروس، إما بخطه الشريف فإن في ذلك شرفا لي يدوم مدى الدهر والأيام، وفخرا يبقى على مرّ الشهور والأعوام، وإما على لسان من يوثق بصدق مقالته، ويعتمد على تبليغ رسالته، من المنخرطين في سلك خدمته، والراتعين في رياض نعمته، ورأيه في ذلك أعلى وأصوب.
ومن إنشائه أيضا تقليد حسبة صدر عن ديوان خوارزم وهو: إن أولى الأمور بأن تصرف أعنّة العناية إلى ترتيب نظامه، وتقصر الهمم على مهمة إتمامه، أمر يتعلّق به ثبات الدين، ويتوقّف عليه صلاح المسلمين، وهو أمر الاحتساب، فإن فيه تثقيف الزائغين عن الحقّ، وتأديب المنهمكين بالفسق، وتقوية أعضاد أرباب الشرع وسواعدها، وإجراء معاملات الدين على قوانينها وقواعدها. وينبغي أن يكون متقلد هذا الأمر موصوفا بالديانة، معروفا بالصيانة، معرضا عن مراصد الرّيب، بعيدا عن مواقف التهم والعيب، لا بسا مدارع السداد، سالكا مناهج الرشاد. والشيخ الامام فلان أدام الله فضله متحلّ بهذه الخصائص المذكورة، والفضائل المشهورة، ومستظهر في دولتنا للحقوق المرعية، ومستشعر للصفات المرضية، فقلدناه هذا الأمر الذي هو من مهمات الأعمال، ومعظّمات الأشغال، واعتمدنا في التقليد والتقلد على دينه المتين، وفضله المبين، وعقيدته الطاهرة، وأمانته الظاهرة، وأمرناه أولا أن يجعل التقوى شعاره، والزهد دثاره، والعلم معلمه والدين مناره، ثم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويقيم حدود الشرع على وفق النصوص والأخبار، ومقتضى السنن والآثار، من غير أن يتسور الحيطان، ويتسلّق الجدران، ويرفع الحجب المسدولة، ويكسر الأبواب المقفولة، ويسلّط الأوباش على دور المسلمين وحرم المؤمنين، فيغيروا على أموالهم، ويمدوا الأيدي الى نسائهم وأطفالهم، ويظهروا ما أمر الله
تعالى بستره وإخفائه، ونهى عن إشاعته وإفشائه، فإن عبادة الأوثان خير من ذلك الاحتساب، والعقوبة أجدر بمباشر ذلك من الأجر والثواب. وأمرناه أن يبالغ في تعديل المكاييل والموازين، على وفق أحكام الشرع والدين، فإن وجد تفاوتا في شيء منها سوّاه وعدّله، وغيره وبدّله، وأدّب صاحبه على رؤوس الأشهاد، لينزجر عن مثله أهل الخيانة والفساد، وليعلم أنه في عهدة ما يطوي وينشر، وينهى ويأمر، يوم ينشر الديوان، وينصب الميزان، يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
(الشعراء:) وسبيل الأئمة والعلماء وكافة الرعايا حاطهم الله أن يتوفروا على تعظيم قدره وتفخيم أمره، ويبالغوا فيما يرجع إلى تمهيد قواعد حرمته، وتشييد أركان حشمته، ولا يعترضوا عليه في شغل الاحتساب، فإن ذلك أمانة هو حاملها، ووديعة هو ضامنها، والسلام.
ولرشيد الدين شعر دون نثره جودة، فمن ذلك قصيدة أوردها ضمن كتاب إلى صدر الدين بن نظام الدين رئيس جرجان:
جنابك صدر دين الله حصنلأهل الفضل من نوب الزمان
وصدرك في الخطوب إذا ألّمتمحطّ رحال حفّاظ القران
وجودك دونه فيض الغواديوعزمك دونه حدّ السنان
وبابك فيه مسكن كلّ عافوعفوك فيه مأمن كلّ جان
غدوت قريع فرسان القوافيوحائز سبقها يوم الرهان
لقد بلّغت قاصية المعاليكما ملّكت ناصية المعاني
وأعجزت الأفاضل في التحديبمعجزة الفصاحة والبيان
يشقّ سناك جلباب اللياليوجنح ظلامها ملقى الجران
بك الآداب آهلة المغانيودار المجد شاهقة المباني
فما لك في فحول الفضل ندّولا لك في رجال العلم ثاني
مغانيك الرحاب رياض عزّسقى صوب الحيا تلك المغاني
نمتك عصابة بيض هجانوهل تلد الهجان سوى الهجان
لقد أخرجت من أزكى نصابوقد أرضعت من أصفى لبان
فأنت الغيث في وقت العطاياوأنت الليث في يوم الطعان
أتتني منك آيات تحاكيبدائع نظمها عقد الجمان
بلفظ مثل أفراد اللآليوخطّ مثل أصداغ الغواني
فألبسني كتابك بعد خوفمن الحدثان أردية الأمان
وقد شاهدت في الدنيا عيانابما أهديت روضات الجنان
بقيت مدى الزمان حليف أمنويمن تجتني ثمر الأماني
وطاوعك الأسافل والأعاليوتابعك الأباعد والأداني
صديقك ساحب ذيل المعاليوخصمك لابس ثوب الهوان
وقال:
ستّ بليت بها والمستعاذ بهامن شرّها من إليه الخلق يبتهل
نفسي وإبليس والدنيا التي فتنتمن قبلنا والهوى والحرص والأمل
إن لم تكن منك يا مولاي واقيةمن شرها الجمّ أعيت عبدك الحيل
وقال:
تروح لنا الدنيا بغير الذي غدتوتحدث من بعد الأمور أمور
وتجري الليالي باجتماع وفرقةوتطلع فيها أنجم وتغور
فمن ظنّ أن الدهر باق سرورهفقد ظنّ عجزا لا يدوم سرور
وقال:
إذا ما شئت أن تحيا سعيداوتنجو في الحساب من الخصوم
فلا تصحب سوى الأخيار واصرفحياتك في مدارسة العلوم
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع