من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
محمد بن أبي سعيد محمد
المعروف بابن شرف الجذامي القيرواني الأديب الكاتب الشاعر أبو عبد الله: روى عن أبي الحسن القابسي وأبي عمران الفاسي، وقرأ النحو على أبي عبد الله محمد بن جعفر القزاز، وأخذ العلوم الأدبية عن أبي إسحاق إبراهيم الحصري وغيرهم، فبرع في الكتابة والشعر، وتقدم عند الأمير المعز بن باديس أمير أفريقية، وكانت القيروان في عهده وجهة العلماء والأدباء تشد اليها الرحال من كل فجّ لما يرونه من إقبال المعز على أهل العلم والأدب وعنايته بهم، وكان ابن شرف وابن رشيق صاحب «العمدة» متقدمين عنده على سائر من في حضرته من الأفاضل والأدباء، فكان يقرب هذا تارة ويدني ذاك تارة، فتنافسا وتنافرا ثم تهاجيا، ولكن لم يتغير أحدهما على الآخر بما جرى بينهما من المناقضات. ولم يزل ابن شرف ملازما لخدمة المعز الى أن هاجم عرب الصعيد القيروان واضطر المعزّ الى الخروج منها إلى المهدية سنة سبع وأربعين وأربعمائة فخرج ابن شرف وسائر الشعراء معه إليها واستقروا بها، فأقام ابن شرف مدة بالمهدية ملازما خدمة المعز وابنه تميم، ثم خرج منها قاصدا صقلية ولحق به رفيقه ابن رشيق، فاجتمعا بها ومكثا بها مدة، ثم
استنهضه ابن شرف على دخول الأندلس فتردّد ابن رشيق وأنشد:
مما يزهّدني في أرض أندلسأسماء مقتدر فيها ومعتضد
ألقاب مملكة في غير موضعهاكالهرّ يحكي انتفاخا صولة الأسد
فأجابه ابن شرف على الفور:
إن ترمك الغربة في معشرقد جبل الطبع على بغضهم
فدارهم ما دمت في دارهموأرضهم ما دمت في أرضهم
ثم شخص ابن شرف منفردا إلى الأندلس وتنقل في بلادها وسكن المرية بعد مقارعة أهوال ومقاومة خطوب، وتردد على ملوك الطوائف كآل عباد وغيرهم، وتوفي باشبيلية سنة ستين وأربعمائة.
ومن شعره:
لك مجلس كملت دواعي لهونافيه ولكن تحت ذاك حديث
غنّى الذباب فظلّ يزمر حولهفيه البعوض ويرقص البرغوث
وقال في وصف وادي عذراء بمدينة برجة من أعمال المرية:
رياض غلائلها سندستوشّت معاطفها بالزّهر
مدامعها فوق خطّ الربىلها نظرة فتنت من نظر
وكلّ مكان بها جنّةوكل طريق إليها سقر
وقال في ليلة أنس باردة ممطرة:
ولقد نعمت بليلة جمد الحيافي الأرض فيها والسماء تذوب
جمع العشاءين المصلّي وانزوىفيها الرقيب كأنه مرقوب
والكاس كاسية القميص يديرهاساق كخود كفّه مخصوب
هي وردة في خده وبكأسها الدريّ منها عسجد مصبوب
مني إليه ومن يديه إلى يديالشمس تطلع تارة وتغيب
وقال:
قالوا تسابقت الحمير فقلت من عدم السوابق
خلت الدسوت من الرخاخ ففرزنت فيها البيادق
وقال:
إذا صحب الفتى جدّ وسعدتحامته المكاره والخطوب
ووافاه الحبيب بغير وعدطفيليا وقاد له الرقيب
وعدّ الناس ضرطته غناءوقالوا إن فسا قد فاح طيب
وقال:
ولقد يهوّن ان يخونك كاشحكون الخيانة من أخ وخدين
لقّى أخو يعقوب يعقوب الأذىوهما جميعا في ثياب جنين
ومضى عقيل عن عليّ خاذلاورأى الأمين جناية المأمون
فعلى الوفاء سلام غير معاينشخصا له إلا عيان ظنون
وقال في الحر يخدم أصحابه:
خادمنا خيرنا وأفضلنانطرح أعباءنا ويحملها
فنحن يسرى اليدين تخدمهايمناهما الدهر وهي أفضلها
وقال في مليح اسمه عمر:
يا أعدل الناس إسما كم تجور علىفؤاد مضناك بالهجران والبين
اظنهم سلبوك القاف من قمرفأبدلوها بعين خيفة العين
وقال يمدح شيخه أبا الحسن علي بن أبي الرجال:
جاور عليا ولا تحفل بحادثةإذا ادّرعت فلا تسأل عن الأسل
اسم حكاه المسمّى في الفعال وقدحاز العليّين من قول ومن عمل
فالماجد السيد الحرّ الكريم لهكالنعت والعطف والتوكيد والبدل
زان العلا وسواه شانها وكذاتميز الشمس في الميزان والحمل
سل عنه وانطق به وانظر إليه تجدملء المسامع والأفواه والمقل
وقال:
كسيت قناع الشيب قبل أوانهوجسمي عليه للشباب وشاح
ويا ربّ وجه فيه للعين نزهةأمانع عيني منه وهو مباح
وقال من قصيدة فيما حل بالقيروان:
ترى سيئات القيروان تعاظمتفجلّت عن الغفران والله غافر
تراها أصيبت بالكبائر وحدهاألم تك قدما في البلاد الكبائر
تكشفت الأستار عن أهلها وكمأقيمت ستور دونهم وستائر
وقال:
احذر محاسن أوجه فقدت محاسن نفسها ولو انها أقمار
سرج تلوح إذا نظرت وإنهانور يضيء وإن مسست فنار
وقال»
وما بلوغ الأماني من مواعدهاإلا كأشعب يرجو وعد عرقوب
وقد تخلّف مكتوب القضاء بهافكيف لي بقضاء غير مكتوب
ولابن شرف القيرواني من التصانيف: أبكار الأفكار جمع فيه ما اختاره من شعره ونثره. وأعلام الكلام مجموع فيه فوائد ولطائف وملح منتخبة. ورسالة الانتقاد وهي على طرز مقامة نقد فيها شعر طائفة من شعراء الجاهلية والإسلام. وديوان شعر، وغير ذلك.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع