من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
محمد بن هانىء أبو القاسم الأزدي الأندلسي
من ولد روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب، أديب شاعر مفلق، أشعر المتقدمين والمتأخرين من المغاربة، وهو عندهم كالمتنبي عند أهل المشرق؛ ولد باشبيلية ونشأ بها، ونال حظا واسعا من علوم الأدب وفنونه، وبرز في الشعر فلم يباره في حلبته مبار ولم يشقّ غباره لا حق، وكان متهما بالفلسفة يسلك في أقواله وأشعاره مسلك المعري، وما زال يغلو في ذلك حتى تعدّى الحقّ وخرج في غلوه إلى ما لا وجه له في التأويل، فأزعجه أهل الأندلس واضطروه إلى الخروج من وطنه، وأشار عليه صاحب إشبيلية بذلك درءا للفتنة، فخرج متنقلا في البلاد ووصل الى عدوة المغرب فلقي بها جوهرا القائد مولى المنصور فمدحه، ثم رحل إلى الزاب واتصل بجعفر ابن الأندلسية وأخيه يحيى، فانتجع بابهما ولزم رحابهما فأكرما وفادته وأحسنا إليه، ثم بلغ خبره المعزّ أبا تميم فاستقدمه وأحسن نزله وبالغ في اكرامه. ولما رحل المعز إلى الديار المصرية استأذنه في الرجوع إلى عياله ليأتي بهم ويلحق به، فأذن له، فخرج قاصدا بلده، فلما بلغ برقة نزل على أحد أعيانها للراحة فأضافه أياما، فخرج ليلة سكران من بيته، فلما أصبح الناس وجدوه ملقى في سانية من سواني البلد مخنوقا بتكة سراويله، ولم يعرف سبب ذلك ولا فاعله، وكانت وفاته كذلك يوم الأربعاء سنة اثنتين وستين وثلاثمائة وقد جاوز الأربعين. ولما بلغ المعز خبر موته أسف عليه أسفا عظيما وقال: هذا الذي كنا نرجو أن نفاخر به شعراء المشرق فلم يقدر لنا ذلك.
ومن غرر شعره قصيدته الرائية المشهورة التي مدح بها المعز المذكور،
وهي:
فتقت لكم ريح الجلاد بعنبروأمدّكم فلق الصباح المسفر
وجنيتم ثمر الوقائع يانعابالنصر من ورق الحديد الأخضر
وضربتم هام الكماة ورعتمبيض الخدور بكلّ ليث مخدر
أبني العوالي السمهرية والسيوف المشرفية والعديد الأكثر
من منكم الملك المطاع كأنهتحت السوابغ تبّع في حمير
القائدي الخيل العتاق شوازباخزرا الى لحظ السنان الأخزر
شعث النواصي حشرة آذانهاقبّ الأياطل داميات الأنسر
تنبو سنابكهنّ عن عفر الثرىفيطأن في خدّ العزيز الأصعر
جيش تقدّمه الليوث وفوقهكالغيل من قصب الوشيج الأسمر
وكأنما سلب القشاعم ريشهامما يشقّ من العجاج الأكدر
وكأنما شملت قناه ببارقمتألق أو عارض مثعنجر
تمتدّ ألسنة الصواعق فوقهعن ظلّتي مزن عليه كنهور
ويقوده الليث الغضنفر معلمامن كلّ شثن اللبدتين غضنفر
نحر القبول من الدبور وسار فيجيش الهرقل وعزمة الإسكندر
في فتية صدأ الدروع عبيرهموخلوقهم علق النجيع الأحمر
لا يأكل السرحان شلو طعينهممما عليه من القنا المتكسر
أنسوا بهجران الأنيس كأنهمفي عبقريّ البيد جنّة عبقر
ومنها:
قوم يبيت على الحشايا غيرهمومبيتهم فوق الجياد الضمّر
وتظلّ تسبح في الدماء قبابهمفكأنهنّ سفائن في أبحر
من كلّ أهرت كالح ذي لبدةأو كلّ أبيض واضح ذي مغفر
ومنها في ذكر الممدوح:
لي منهم سيف إذا جردتهيوما ضربت به رقاب الأعصر
وفتكت بالزمن المدجّج فتكة البراض يوم هجائن ابن المنذر
صعب إذا نوب الزمان استصعبتمتنمّر للحادث المتنمر
فإذا عفا لم تلق غير مملّكواذا سطا لم تلق غير مظفر
وكفاك من حبّ السماحة أنهامنه بموضع مقلة من محجر
فغمامه من رحمة وعراصهمن جنة ويمينه من كوثر
وقال أيضا يمدحه من قصيدة:
ألؤلؤ دمع هذا الغيث أم نقطما كان أحسنه لو كان يلتقط
بين السحاب وبين الريح ملحمةمعامع وظبا في الجوّ تخترط
كأنه ساخط يرضى على عجلفما يدوم رضى منه ولا سخط
أهدى الربيع إلينا روضة أنفاكما تنفس عن كافوره السّفط
ومنها:
والريح تبعث أنفاسا معطّرةمثل العبير بماء الورد يختلط
كأنما هي أنفاس المعزّ سرتلا شبهة للندى فيها ولا غلط
تالله لو كانت الأنواء تشبههما مرّ بؤس على الدنيا ولا قنط
أبدى الزمان لنا من نور طلعتهعن دولة ما بها وهن ولا سقط
حتى تسلّط منه في الورى ملكزينت بدولته الأملاك والسّلط
إمام عدل وفى في كلّ ناحيةكما قضوا في الإمام العدل واشترطوا
قد بان بالفضل عن ماض ومؤتنفكالعقد عن طرفيه يفضل الوسط
وقال يمدح جعفر ابن الأندلسية:
أليلتنا إذ أرسلت واردا وحفاوبتنا نرى الجوزاء في أذنها شنفا
[وبات لنا ساق يقوم على الدجىبشمعة نجم لا تقط ولا تطفا]
ولم يبق إرعاش المدام له يداولم يبق إعنات التثني له عطفا
نزيف ثناه السكر الا ارتجاجةإذا كلّ عنها الخصر حمّلها الردفا
يقولون حقف فوقه خيزرانةأما يعرفون الخيزرانة والحقفا
جعلنا حشايانا ثياب مدامناوقدّت لنا الظلماء من جلدها لحفا
فمن كبد تدني إلى كبد هوىومن شفة توحي إلى شفة رشفا
بعيشك نبه كأسه وجفونهفقد نبّه الابريق من بعد ما أغفى
وقد فكّت الظلماء بعض قيودهاوقد قام جيش الليل للفجر واصطفّا
ومنها في المديح:
كأن لواء الشمس غرّة جعفررأى القرن فازدادت طلاقته ضعفا
وقد جاشت الدأماء بيضا صوارماومارنة سمرا وفضفاضة زغفا
وجاءت عتاق الخيل تجري كأنماتخطّ له أقلام آذانها صحفا
هنالك تلقى جعفرا غير جعفروقد بدّلت يمناه من رفقها عنفا
وكائن تراه في الكريهة جاعلاعزيمته برقا وصولته خطفا
وكائن تراه في المقامة جاعلامشاهده فصلا وخطبته حرفا
وقد بلغ في هذه القصيدة غايات الاجادة، ولولا طولها لاوردتها بتمامها.
وقال يصف سيفا ليحيى أخي جعفر المذكور:
لله أيّ شهاب حرب واقدصحب ابن ذي يزن وأدرك تبّعا
في كفّ يحيى منه أبيض مرهفعرف المعزّ بآله فتشيعا
وجرى الفرند بصفحتيه كأنماذكر القتيل بكربلاء فدمّعا
يكفيك مما شئت في الهيجاء أنتلقى العدى فتسلّ منه إصبعا
وقال أيضا يمدح المعز وهي أول قصيدة مدحه بها حين قدم عليه بالقيروان:
هل من أعقّة عالج يبرينأم منهما بقر الحدوج العين
ولمن ليال ما ذممنا عهدهامذ كنّ إلا أنهنّ شجون
المشرقات كأنهنّ كواكبوالناعمات كأنهنّ غصون
بيض وما ضحك الصباح وإنهابالمسك من طرر الحسان لجون
أدمى لها المرجان صفحة خدّهوبكى عليها اللؤلؤ المكنون
ومنها:
لأعطّشنّ الروض بعدهم ولايرويه لي دمع عليه هتون
أأعير لحظ العين بهجة منظروأخونهم إني إذن لخؤون
لا الجوّ جوّ مشرق ولو اكتسىزهرا ولا الماء المعين معين
ومنها:
عهدي بذاك الجوّ وهو أسنّةوكناس ذاك الخشف وهو عرين
هل يدنينّي منه أجرد سابحمرح وجائلة النّسوع أمون
ومنها في المديح:
الروض ما قد قيل في أيامهلا أنه ورد ولا نسرين
والمسك ما لثم الثرى من ذكرهلا أنّ كلّ قرارة دارين
ملك كما حدّثت عنه رأفةفالخمر ماء والشراسة لين
شيم لو ان اليمّ أعطي رفقهالم يلتقم ذا النون فيه النون
تالله لا ظلل الغمام معاقلتأبى عليه ولا النجوم حصون
ووراء حقّ ابن الرسول ضراغمأسد وشهباء السلاح منون
الطالبان المشرفية والقناوالمدركان النصر والتمكين
وصواهل لا الهضب يوم مغارهاهضب ولا البيد الحزون حزون
حيث الحمام وما لهنّ قوادموعلى الريود وما لهنّ وكون
فكأنها تحت الغبار كواكبوكأنها تحت الحديد دجون
عرفت بساعة سبقها لا أنهاعلقت بها يوم الرهان عيون
وأجلّ علم البرق فيها أنهامرّت بجانحتيه وهي ظنون
ومنها:
انظر إلى الدنيا باشفاق فقدأرخصت هذا العلق وهو ثمين
لو يستطيع البحر لاستعدى علىجدوى يديك وإنه لقمين
امدده أو فاصفح له عن نيلهفلقد تخوّف أن يقال ضنين
واعذر أميّة أن تغصّ بريقهافالمهل ما سقيته والغسلين
ألقت بأيدي الذلّ ملقى عمرهابالثوب إذ فغرت له صفين
وهذه القصيدة أطول قصائده، وهي نيف وثمانون بيتا، اقتصرنا منها على ما أوردناه.
وقال أيضا في مجلس أنس حضره عند الأمير جعفر:
وثلاثة لم تجتمع في مجلسإلا لمثلك والأديب أريب
الورد في رامشنة من نرجسوالياسمين وكلهن عجيب
فاصفرّ ذا واحمرّ ذا وابيضّ ذافأتت بدائع أمرهنّ عجيب
فكأنّ هذا عاشق وكأن ذاك معشّق وكأنّ ذاك رقيب
وقال أيضا في شمعة:
لقد أشبهتني شمعة في صبابتيوفي هول ما ألقى وما أتوقّع
نحول وحزن في فناء ووحدةوتسهيد عين واصفرار وأدمع
وقال أيضا:
وليل بتّ أسقاها سلافامعتقة كلون الجلنار
كأنّ حبابها خرزات درّعلت ذهبا بأقداح النضار
بكفّ مقرطق يزهى بردفيضيق بحمله وسع الازار
أقمت لشربها عبثا وعنديبنات اللهو تعبث بالعقار
ونجم الليل يركض في الدياجيكأنّ الصبح يطلبه بثار
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع