من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
محمد بن نصر بن صغير بن داغر بن محمد بن خالد،
من ولد خالد بن الوليد الصحابي الجليل، شرف الدين المخزومي المعروف بابن القيسراني الحلبي الأديب الشاعر: كان شاعرا مجيدا وأديبا متفننا، كان وابن منير الطرابلسي شاعري الشام في عهد الملك العادل نور الدين بن زنكي، ولهما القصائد الطنانة في مدحه.
قرأ الأدب على توفيق بن محمد الدمشقي وابن الخياط الشاعر، وسمع بحلب من هاشم بن أحمد الحلبي وأبي طاهر الخطيب، وسمع منه أبو سعد السمعاني والحافظ ابن عساكر وأبو المعالي الحظيري الأديب الشاعر وغيرهم، وكان هو وابن منير يشبّهان بجرير والفرزدق للمناقضات والوقائع التي جرت بينهما، واتفق موتهما في سنة واحدة، فقد مات ابن منير في حلب في جمادى الآخرة، وفي ثاني عشر شعبان وصل الى دمشق ابن القيسراني باستدعاء الأمير مجير الدين فمات بعد وصوله بعشرة أيام وذلك ليلة الأربعاء الثاني والعشرين من شعبان سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وكان ولادته سنة ثمان وسبعين وأربعمائة.
وله شعر كثير مدون أجاد في أكثره، فمن ذلك قصيدة مدح بها الملك العادل نور الدين حين أسر جوسلين واستولى على بلاده بشمالي حلب سنة خمس وأربعين وخمسمائة قال:
دعا ما ادّعى من غرّه النهي والأمرفما الملك الا ما حباك به الأمر
ومن ثنت الدنيا إليه عنانهاتصرّف فيما شاء عن إذنه الدهر
ومن راهن الأقدار في صهوة العلافلن تدرك الشّعرى مداه ولا الشعر
ولم لا يلي أسنى الممالك مالكزعيم جيوش من طلائعها النصر
ليهن دمشقا ان كرسيّ ملكهاحبي منك صدرا ضاق عن همه الصدر
وأنك نور الدين مذ زرت أرضهاسمت بك حتى انحطّ عن نسرها النسر
خطبت فلم يحجبك عنها وليّهاوخطب العلا بالسيف ما دونه ستر
جلاها لك الإقبال حورية السناعليها من الفردوس أردية خضر
خلوب أكنّت من هواك محبةنمت فانتمت جهرا وسرّ الهوى جهر
فان صافحت يمناك من بعد هجرهافأحلى التلاقي ما تقدّمه هجر
وهل هي إلا كالحصان تمنّعتدلالا وان عزّ الحيا وغلا المهر
ولكن إذا ما قستها بصداقهافليس له قدر وليس لها قدر
هي الثغر أمسى بالكراديس عابثاوأصبح عن باب الفراديس يفترّ
على أنها لو لم تجبك إنابةلأرهقها من بأسك الخوف والذعر
فلما وقفت الخيل ناقعة الصدىعلى بردى من فوقها الورق النضر
فمن بعد ما أوردتها حومة الوغىوأصدرتها والبيض من علق حمر
وجلّلتها نقعا أضاع شياتهافلا شهبها شهب ولا شقرها شقر
علا النهر لما كاثر الغضب القنامكاثرة في كلّ نحر لها نحر
وقد شرقت أجرافه بدم العدىإلى أن جرى العاصي وضحضاحه غمر
صدعتهم صدع الزجاجة لا يدلجابرها ما كلّ كسر له جبر
فلا ينتحل من بعدها الفخر دائلفمن بارز الابرنز كان له الفخر
ومن بزّ أنطاكية من مليكهاأطاعته الالحاظ المؤللة الخزر
ومنها:
طغى وبغى عدوا على غلوائهفأوبقه الكفران عدواه والكفر
وألقت بأيديها إليك حصونهولو لم تجىء طوعا لجاء بها القسر
فسر واملأ الدنيا ضياء وبهجةفبالأفق الداجي إلى ذا السنا فقر
كأني بهذا العزم لا فلّ حدهوأقصاه بالأقصى وقد قضي الأمر
وقد أصبح البيت المقدّس طاهراوليس سوى جاري الدماء له طهر
وقد أدّت البيض الحداد فروضهافلا عهدة في عنق سيف ولا نذر
وصلّت بمعراج النبيّ صوارممساجدها شفع وساجدها وتر
وان تتيمم ساحل البحر مالكافلا عجب ان يملك الساحل البحر
سللت سيوفا أثكلت كلّ بلدةبصاحبها حتى تخوّفك البدر
إذا سار نور الدين في عزماتهفقولا لليل الفجر قد طلع الفجر
ولو لم يسر في عسكر من جنودهلكان له من نفسه عسكر مجر
مليك سمت شمّ المنابر باسمهكما قد زهت تيها به الأنجم الزهر
فيا كعبة ما زال في عرصاتهامواسم حجّ لا يروّعها النفر
خلعت على الأيام من حلل العلاملابس من أعلامها الحمد والشكر
وتوّجت ثغر الشام منك جلالةتمنّت لها بغداد لو أنها ثغر
فلا تفتخر مصر علينا بنيلهافيمناك نيل كلّ مصر بها مصر
رددت الجهاد الصعب سهلا سبيلهويا طالما أمسى ومسلكه وعر
وقال يمدح أبا غانم سعد بن طارق:
خاطر بقلبك إما صبوة الغاليفيما أحبّ وإما سلوة السالي
من كلّ ذي هيف ترنو لواحظهإليك من لهذم في صدر عسال
كم ليلة بتّ من كأسي وريقتهنشوان أمزج سلسالا بسلسال
وبات لا يحتمي عنّي مراشفهكأنما ثغره ثغر بلا والي
يا مطلقي ما بقي للسّقم من جسديوفي يديهم فؤادي رهن اغلال
إن شئتم علم حالي بعد فرقتكمفأنصتوا للحمام العاطل الحالي
خذوا حديث غرامي عن مطوّقةتتلو ضلالي في فرع من الضال
لم تتركوا لي سوى نفس أجود بهاوالجود بالنفس غير الجود بالمال
إذا غضبتم وبات الوجد يشفع ليإلى رضاكم رأيت السقم أشفى لي
كأن عينيّ في فضل انسكابهمايدا أبي غانم جادت بافضال
غمر يصدّك عن تكذيب مادحهما عند كفيه من تصديق آمال
يثري فلا يستقرّ المال في يدهكأنه عذل في سمع مختال
متيّم ببنات الفكر وهي بهمفتونة فهو لا شاك ولا سالي
يا من يزار فيلفى عنده كرمبلا حجاب ومجد بالعلا حالي
من كان من عرب أو كان من عجمفأنت يا سعد من يمن وإقبال
وقال يمدح القاضي كمال الدين الشهرزوري:
أيا عاذلي في الحبّ مالي وللعذلويا هاجري هل من سبيل إلى الوصل
أحين استجارتك الملاحة في الهوىبخلت كأن الحسن في ذمة البخل
لي الله من صبّ تملّكه الجوىفأمسى أسيرا رهن حبل من الخبل
منيت بمثل البدر في مستقرّهيريك المنال الصعب في المنظر السهل
إذا ما التقينا جال طرفي وطرفهفأنظر من دمع وينظر من نصل
فيا ويح قلبي من بلاه بحبّهومن دلّ الحاظي على ذلك الدل
ويا لي من ليل طويل كهجرهوصبر ضعيف ضعف أجفانه النجل
ألفت قلاه واستطبت مطالهوأطيب ما جاء الوصال على مطل
وقالوا حباك الشيب بالحلم والنهىومن لي بأيام الشبيبة والجهل
ليالي أجتاب الليالي صبوةورامي غرامي لا يرى موقع النبل
متى ما خلا قلب المحبّ من الهوىفيا لك من ربع أقام بلا أهل
ألم تر أن الشيب بين جوانحيأقام مقام الفضل عند أبي الفضل
عقيد المعالي بين كفّيه والندىمواثيق عقد لا تروّع بالحلّ
ويبسم عن ثغر يبشّر بالجداكما بشّر البرق اليمانيّ بالوبل
مناقبه بين الورى مستفيضةإذا رويت لم تعتبر صحة النقل
وما العلم إلا سيرة شهدت بهاأسانيدها أو ردّ فرع إلى أصل
متى ارتجل الايجاز في صدر دستهرأيت الخطاب الفصل في ذلك الفصل
غريب العلا يفتنّ في مكرماتهإذا ما انقضى شكل بدا بك في شكل
وجدنا ابن عبد الله أندى من الحياوأعلى محلا منه في زمن المحل
فطورا يباريه الرجاء على النوىوطورا تناجيه المطالب في الرحل
إليك انتضى شوقي إليك عزيمةهي النصل تحت الليل أو سلّة النصل
على سابح يطوي المدى بسنابكلمسّتها فوق الصفا طاعة الرمل
إلى ماجد أمواله بيد الندىفليس عليها من وكيل سوى البذل
أبا الفضل كم لي في مساعيك نحلةألذّ على الأفواه من ضرب النحل
فريدة لفظ في فريد محاسنفتلك بلا مثل وأنت بلا مثل
وقال:
خذوا حديث غرامي عن ضنى بدنيأغنى لسان الهوى عن دمعي اللّسن
وخبّروني عن قلبي ومالكهفربما أشكل المعنى على الفطن
من ذا الذي ترهب الأبطال صولتهزيد الفوارس أم سيف بن ذي يزن
وما جفون إذا سلّت صوارمهاتجاذبت مهج الأقران في قرن
هذا الذي سلب العشاق نومهمأما ترى عينه ملأى من الوسن
تفرّق الحسن إلا في محاسنهويلاه في فتن جمّعن في فتن
أمسى غرامي بذاك القدّ يوهمنيان اعتلال الصّبا شوقا إلى الغصن
إذا الصبابة عاطتني مدامتهافما فؤادي على سرّ بمؤتمن
أعيا اللوائم سمعي غير لائمةللشيب مالت إلى عينيّ عن أذني
حتى إذا ما تناهى العذل في كلفيقامت إليّ بنات الدهر تعذلني
فما ثنت ناظري عن منظر حسنحتى أرتني مكاني من أبي الحسن
وقال:
مررنا في ديار بني عديّيجاذب لوعتي شرق وغرب
يتيمني بأرض الشام حبّويعطفني على بغداد حبّ
غرام طارف وهوى تليدلكلّ صبابة في القلب شعب
فلا وأبيك ما هوّمت إلاسرى لهما خيال لا يغبّ
فكلّ هوى يطالبني بقلبوهل لي غير هذا القلب قلب
وقال:
لا يغرّنّك في السيف المضاءفالظبا ما نظرت منها الظباء
مرهفات الحدّ أمضاها المهاوقضاها للمحبين القضاء
حدق علّتها صحتهاربما كان من الداء الدواء
وقال:
تظلمت من أجفانهنّ إلى النوىسفاها وهل يعدي البعاد على القرب
ولما دنا التوديع قلت لصاحبيحنانيك سر بي عن ملاحظة السرب
إذا كانت الأحداق نوعا من الظبافلا شكّ ان اللحظ ضرب من الضرب
وقال:
رنا بطرف مريض الجفن منكسرفمن رأى جؤذرا يلهو بآساد
جفن روى عنه ما يرويه من سقمجسمي فصحّ به نقلي وإسنادي
وقال:
إذا ما تأملت القوام مهفهفاتأملت سيفا بين جفنيه مرهفا
وطرفا تخلّى عن سقامي سقامهفهلا شفى من بات منه على شفا
وقال:
بالسفح من لبنان ليقمر منازله القلوب
حملت تحيته الشمال فردّها عني الجنوب
فرد الصفات غريبهاوالحسن في الدنيا غريب
لم أنس ليلة قال ليلما رأى جسدي يذوب
بالله قل لي يا فتى:ما تشتكي؟ قلت الطبيب
وقال:
بين فتور المقلتين والكحلهوى له من كلّ قلب ما انتحل
توقّ من فتكتها لواحظاأما ترى تلك الظبا كيف تسلّ
ويلاه من نواظر سواحرما عقل العقل بها الا اختبل
لو لم تكن أجفانها نوابلالما برت أسهمها من المقل
يا راميا مسمومة نصالهعيناك للقارة قل لي أم ثعل
كم عاذل خوفني من لحظهإليك عني «سبق السيف العذل»
وله من قصيدة في الملك العادل نور الدين وأجاد:
حصّن بلادك هيبة لا رهبةفالدرع من عدد الشجاع الحازم
هيهات يطمع في محلّك طامعطال البناء على يمين الهادم
كلّفت همتك السموّ فحلّقتفكأنما هي دعوة في ظالم
وأظنّ أنّ الناس لما لم يرواعدلا كعدلك أرجفوا بالقائم
وقال أيضا في قصيدة يهنئه بها باستيلائه على سنجار وأعمال الفرات»
في عسكر يخفي كواكب ليلهنقع فيطلعها القنا الخطار
جرار أذيال العجاج وراءهوأمامه بك جحفل جرار
تدني لك الغايات همّتك التيكبرت كذا همم الملوك كبار
وملكت سنجارا وما من بلدةالا تمنت أنها سنجار
وبسطت بالأموال كفا طالماطالت بها الآمال وهي قصار
وثنى الفرات إلى يديك عنانهوالبحر ما اتصلت به الأنهار
ومنها:
تدعو البلاد إليك ألسنة الظبافتجيبك الأنجاد والأغوار
حتى عمدت الدين يا ابن عمادهبقنا أسنتها عليه منار
ومنها:
أمضى السلاح على عدوك بغيهبالغدر يطعن في الوغى الغدار
فاحسم عناد ذوي العناد بجحفلكالليل فيه من الصّفاح نهار
جند على جرد أمام صدورهاصدر عليه من اليقين صدار
قد بايع الاخلاص بيعة نصرةولكلّ هادي أمة انصار
وإذا الملوك تثاقلت عن غايةفأرادها خفّت به الاقدار
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع