من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
محمد بن نصر الله [بن مكارم] بن الحسين بن عنين
الدمشقي الأنصاري:
أصله من الكوفة من الخطة المعروفة بمسجد بني النجار، وولد بدمشق يوم الاثنين تاسع شعبان سنة تسع وأربعين وخمسمائة، وهو من أفاضل العصر، لغوي أديب شاعر مجيد، نشأ بدمشق وأخذ عن الحافظ أبي القاسم ابن عساكر وغيره، وهو يستحضر «كتاب الجمهرة» لابن دريد، وبرع في الشعر وحلّ الألغاز، ورحل إلى العراق والجزيرة وخراسان وأذربيجان وخوارزم ودخل الهند ورحل إلى اليمن ومنها إلى الحجاز ثم إلى مصر ثم رجع الى دمشق. وهو مولع بالهجو، وله في ذلك قصيدة طويلة سماها «مقراض الأعراض» ويقال أنه يخلّ بالصلاة ويصل ابنة العنقود، ورماه أبو الفتح ابن الحاجب بالزندقة، والله أعلم بصحة ذلك. ولما كان بخوارزم حضر يوما درس الامام
فخر الدين محمد بن عمر الرازي المعروف بابن خطيب الري، وكان يوما باردا سقط فيه الثلج، فبينما الشيخ يلقي الدروس إذ سقطت حمامة بالقرب منه ووراءها طير من الجوارح يطاردها، فلما صارت بين الناس خاف الجارح وطار، ولم تقدر الحمامة على النهوض مما لحقها من الخوف والبرد، فرقّ لها الامام فخر الدين وأخذها بيده وحنا عليها، فأنشده ابن عنين مرتجلا:
يا ابن الكرام المطعمين إذا شتوافي يوم مسغبة وثلج خاشف
العاصمين إذا النفوس تطايرتبين الصوارم والوشيج الراعف
من نبّأ الورقاء أنّ محلكمحرم وأنك ملجأ للخائف
وفدت عليك وقد تدانى حتفهافحبوتها ببقائها المستانف
لو أنها تحبى بمال لا نثنتمن راحتيك بنائل متضاعف
جاءت سليمان الزمان بشكوهاوالموت يلمع من جناحي خاطف
قرم يطاردها فلما استأمنتبجنابه ولّى بقلب واجف
وله من قصيدة كتب بها إلى العادل يشكو الغربة والشوق الى الشام:
ماذا على طيف الأحبة لو سرىوعليهم لو سامحوني بالكرى
جنحوا إلى قول الوشاة وأعرضواوالله يعلم أنّ ذلك مفترى
يا معرضا عني بغير جنايةالا لما نقل العذول وزوّرا
هبني أسأت كما تقول وتفتريوأتيت في حبيك شيئا منكرا
ما بعد بعدك والصدود عقوبةيا هاجري ما آن لي أن تغفرا
لا تجمعنّ عليّ عتبك والنوىحسب المحبّ عقوبة أن يهجرا
عبء الصدود أخفّ من عبء النوىلو كان لي في الحبّ أن أتخيرا
فسقى دمشق ووادييها والحمىمتواصل الأرهام منفصم العرى
حتى نرى وجه الرياض بعارضأحوى وفود الدّوح أبيض أزهرا
تلك المنازل لا ملاعب عالجورمال كاظمة ولا وادي القرى
أرض إذا مرّت بها ريح الصّباحملت على الأغصان مسكا أذفرا
فارقتها لا عن رضى وهجرتهالا عن قلى ورحلت لا متخيرا
أسعى لرزق في البلاد مشتّتومن العجائب أن يكون مقترا
وأصون وجه مدائحي متقنعاوأكفّ ذيل مطامعي متسترا
ومنها في الشكوى والدخول الى المديح:
أشكو اليك نوى تمادى عمرهاحتى حسبت اليوم منها أشهرا
لا عيشتي تصفو ولا رسم الهوىيعفو ولا جفني يصافحه الكرى
أضحي عن الربع المريع محوّلاوأبيت عن ورد النمير منفرا
ومن العجائب أن يقيل بظلكمكلّ الورى ونبذت وحدي بالعرا
وأول قصيدته المسماة مقراض الأعراض قوله:
أضالع تنطوي على كربومقلة مستهلة الغرب
شوقا إلى ساكني دمشق فلاعدت رباها مواطر السحب
ومن ثم أخذ في الهجو بنفس طويل وتفنن بأساليب السب والثلب فأورد ما لا يحسن إيراده.
وقال أيضا في هجو أبيه:
وجنّبني أن أفعل الخير والدضئيل إذا ما عدّ أهل التناسب
بعيد من الحسنى قريب من الخناوضيع مساعي الخير جمّ المعايب
إذا رمت أن أسمو صعودا الى العلاغدا عرقه نحو الدنية جاذبي
وقال يهجو كحالا:
لو أنّ طلاب المطالب عندهمعلم بأنك للعيون تعوّر
لأتوا اليك بكلّ ما أملتهمنهم وكان لك الجزاء الأوفر
ودعوك بالصبّاغ لما ان رأوايعشي العيون لديك ماء أصفر
وبكفّك الميل الذي يحكي عصاموسى وكم عين به تتفجر
وقال في العادل سيف الدين بن أيوب:
إنّ سلطاننا الذي نرتجيهواسع المال ضيّق الإنفاق
هو سيف كما يقال ولكنقاطع للرسوم والأرزاق
وقال في المحدث الفاضل ابن دحية الكلبي وهو معاصر.
دحية لم يعقب فلم تعتزيإليه بالبهتان والإفك
ما صحّ عند الناس شيء سوىأنّك من كلب بلا شك
وقال يمدح فخر الدين الرازي وسيرها إليه من نيسابور إلى هراة:
ريح الشمال عساك أن تتحمليشوقي الى الصدر الإمام الأفضل
وقفي بواديه المقدّس وانظرينور الهدى متألقا لا يأتلي
من دوحة فخرية عمريّةطابت مغارس مجدها المتأثل
مكية الأنساب زاك أصلهاوفروعها فوق السماك الأعزل
واستمطري جدوى يديه فطالماخلف الحيا في كلّ عام ممحل
نعم سحائبها تعود كما بدتلا يعرف الوسميّ منها والولي
بحر تصدّر للعلوم ومن رأىبحرا تصدّر قبله في محفل
ومشمّر في الله يسحب للتقىوالدين سربال العفاف المسبل
ماتت به بدع تمادى عمرهادهرا وكاد ظلامها لا ينجلي
فعلا به الاسلام أرفع هضبةورسا سواه في الحضيض الأسفل
غلط امرؤ بأبي عليّ قاسههيهات قصّر عن مداه أبو علي
لو أن رسطاليس يسمع لفظةمن لفظه لعرته هزّة أفكل
ويحار بطلميوس لو لاقاه منبرهانه في كلّ شكل مشكل
فلو انهم جمعوا لديه تيقنواأنّ الفضيلة لم تكن للأول
وبه يبيت الحلم معتصما إذاهزّت رياح الطيش ركني يذبل
يعفو عن الذنب العظيم تكرماويجود مسؤولا وإن لم يسأل
أرضي الإلاه بفضله ودفاعهعن دينه وأقرّ عين المرسل
يا أيها المولى الذي درجاتهترنو الى فلك الثوابت من عل
ما منصب الا وقدرك فوقهفبمجدك السامي يهنّا ما تلي
فمتى أراد الله رفعة منصبأفضى إليك فنال أشرف منزل
لا زال ربعك للوفود مثابةأبدا وجودك كهف كلّ مؤمل
ولما كان بمصر أهدى اليه الشريف أبو الفضل سليمان الكحال خروفا هزيلا، فكتب إليه يشكره ويداعبه، فقال:
أبو الفضل وابن الفضل أنت وأهلهفغير بديع أن يكون لك الفضل
أتتني أياديك التي لا أعدهالكثرتها لا كفر نعمى ولا جهل
ولكنني أنبيك عنها بطرفةتروقك ما وافى لها قبلها مثل
أتاني خروف ما شككت بأنهحليف هوى قد شفّه الهجر والعذل
إذا قام في شمس الظهيرة خلتهخيالا سرى في ظلمة ما له ظل
فناشدته ما يشتهي قال حلبةوقاسمته ما شاقه قال لي الأكل
فأحضرتها خضراء مجاجة الثرىمسلّمة ما حصّ أوراقها الفتل
فظلّ يراعيها بعين ضعيفةوينشدها والدمع في العين منهل
«أتت وحياض الموت بيني وبينهاوجادت بوصل حين لا ينفع الوصل»
وقال:
ألين لصعب الخلق قاس فؤادهوأعتبه لو يرعوي من أعاتب
من الترك مياس القوام منعمله الدرّ ثغر والزمرّد شارب
أسال عذارا في أسيل كأنهعبير على كافور خدّيه ذائب
وقال:
ومهفهف رقّت حواشي حسنهفقلوبنا وجدا عليه رقاق
لم يكس عارضه السواد وإنمانفضت عليه صباغها الأحداق
وشعره غرر كله، وهو الآن حيّ مقيم في دمشق.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع