من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
النضر بن شميل بن خرشة بن يزيد بن كلثوم
التميمي المازني النحوي اللغوي الأديب: ولد بمرو ونشأ بالبصرة، وأخذ عن الخليل بن أحمد، وأقام بالبادية زمنا طويلا فأخذ عن فصحاء العرب كأبي خيرة الأعرابي وأبي الدقيش وغيرهما، وسمع من هشام بن عروة وحميد الطويل وإسماعيل بن أبي خالد وعبد الله بن عون وهشام بن غسان وغيرهم من صغار التابعين، وروى عنه يحيى بن معين وابن المديني، وهو ثقة حجة احتجوا به في الصحاح. ولما ضاقت عليه الأسباب في البصرة عزم على الخروج إلى خراسان، فشيعه من أهل البصرة نحو ثلاثة آلاف من المحدثين والفقهاء واللغويين والنحاة والأدباء، فجلس لوداعهم بالمربد وقال: يا أهل البصرة يعزّ عليّ والله فراقكم، ولو وجدت عندكم كلّ يوم كيلجة من الباقلاء ما فارقتكم، فلم يكن فيهم واحد يتكفّل له ذلك، فسار إلى مرو وأقام بها فأثرى وأفاد بها مالا عظيما، ذكر ذلك أبو عبيدة في «كتاب المثالب».
وكان النضر من أهل السنة وهو أول من أظهرها بخراسان ومرو، وولي القضاء بمرو فأقام العدل وحمدت سيرته، وكان متقلّلا متقشفا.
قال الزبير بن بكار، حدثني النضر بن شميل قال: دخلت على أمير المؤمنين المأمون بمرو وعليّ أطمار مترعبلة، فقال: يا نضر تدخل على أمير المؤمنين في مثل هذه الثياب؟! فقلت: ان حرّ مرو شديد لا يدفع إلا بمثل هذه الأخلاق، قال: بل أنت رجل متقشف، ثم تجارينا الحديث فأجرى ذكر النساء وقال: حدثني هشيم بن
بشير عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس قال، قال رسول الله ﷺ: إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيه سداد من عوز- ففتح السين من سداد- فقلت: صدقوك يا أمير المؤمنين، وحدثني عوف بن أبي جميلة الأعرابي عن الحسن عن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ قال: إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيه سداد من عوز- وكسرت السين- قال: وكان المأمون متكئا فاستوى جالسا وقال:
السّداد لحن عندك يا نضر؟ قلت: نعم هاهنا يا أمير المؤمنين، قال: أو تلحّنني؟
قلت: إنما لحن هشيم، وكان لحّانا، فتبع أمير المؤمنين لفظه، فقال: ما الفرق بينهما؟ قلت: السداد القصد في الدين والطريقة والأمر، والسداد البلغة، وكل ما سددت به شيئا فهو سداد، وقد قال العرجي:
أضاعوني وأيّ فتى أضاعواليوم كريهة وسداد ثغر
قال: فأطرق المأمون مليا ثم قال: قبح الله ما لا أدب له، ثم قال: أنشدني يا نضر أخلب بيت للعرب، قلت: قول حمزة بن بيض:
تقول لي والعيون هاجعةأقم علينا يوما ولم أقم
أيّ الوجوه انتجعت قلت لهالأيّ وجه إلا إلى الحكم
متى يقل حاجبا سرادقههذا ابن بيض بالباب يبتسم
قد كنت أسلمت فيك مقتبلاهاك ادخلن ذاك واعطني سلمي
فقال المأمون: لله درك كأنما شقّ لك عن قلبي، فأنشدني أنصف بيت للعرب، قلت: قول أبي عروة المدني:
إني وإن كان ابن عمي غائبالمزاحم من خلفه وورائه
ومفيده نصري وإن كان امرءامتزعزعا في أرضه وسمائه
وأكون والي سرّه وأصونهحتى يجيء عليّ وقت أدائه
وإذا دعا باسمي ليركب مركباصعبا قعدت له على سيسائه
وإذا ارتدى ثوبا جميلا لم أقليا ليت كان عليّ حسن ردائه
فقال: أحسنت يا نضر، أنشدني اقنع بيت قالته العرب، قلت: قول ابن عبدل الأسدي:
إني امرؤ لم أزل وذاك من الله قديما أعلّم الأدبا
أقيم بالدار ما اطمأنت بي الدار وإن كنت نازحا طربا
لا اجتوي خلّة الصديق ولاأتبع نفسي شيئا إذا ذهبا
أطلب ما يطلب الكريم من الرّزق بنفسي وأجمل الطلبا
إني رأيت الفتى الكريم إذارغّبته في صنيعة رغبا
والعبد لا يطلب العلاء ولايعطيك شيئا إلا إذا رهبا
مثل الحمار السوء المخاتل لايحمل شيئا إلا إذا ضربا
قد يرزق الخافض المقيم ولاشدّ لعيس رحلا ولا قتبا
ويحرم الرزق ذو المطية والرحل ومن لا يزال مغتربا
فقال: أحسنت يا نضر، ثم أخذ القرطاس وأنا لا أدري ما يكتب، ثم قال:
كيف تقول إذا أمرت من يترّب الكتاب؟ قلت: أتربه، قال: فهو ماذا؟ قلت: فهو مترب، قال: فمن الطين؟ قلت: طنه، قال: فهو ماذا؟ قلت: فهو مطين، قال:
هذه أحسن من الأولى، ثم قال: يا غلام أتربه وطنه وابلغ معه إلى الفضل بن سهل،
قال: فلما قرأ الكتاب الفضل قال: يا نضر إن أمير المؤمنين أمر لك بخمسين ألف درهم فما كان السبب، فأخبرته الخبر، فقال: لحّنت أمير المؤمنين؟ قلت: كلّا إنما لحن هشيم بن بشير وكان لحانا فتبع أمير المؤمنين لفظه، فأمر لي الفضل بثلاثين ألف درهم، فأخذت ثمانين ألف درهم بحرف استفيد مني.
توفي النضر بن شميل في ذي الحجة سنة أربع ومائتين.
وله من التصانيف: كتاب الصفات في اللغة خمسة أجزاء. والمدخل الى كتاب العين. وكتاب غريب الحديث. وكتاب المعاني. وكتاب السلاح. وكتاب المصادر. وكتاب الأنواء. وكتاب خلق الفرس. وكتاب الجيم. وكتاب الشمس والقمر، وغير ذلك.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع